تعد رفاهية الوالدين من المفاهيم التي حظيت باهتمام متزايد في الدراسات النفسية والتربوية الحديثة، بعدما أثبتت الأبحاث أن جودة العلاقة بين الوالدين وأبنائهم ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالحالة النفسية والجسدية والانفعالية للأب والأم. وانطلاقاً من هذا التصور، يخصص برنامج التربية الوالدية الإيجابية (EPA) جلسته الثانية لموضوع رفاهية الوالدين والعناية بالذات، باعتباره أحد المرتكزات الأساسية التي تقوم عليها التربية الإيجابية. فإذا كانت الجلسة الأولى قد مكنت المشاركين من التعرف إلى تطلعاتهم التربوية والتحديات التي تواجههم، فإن هذه الجلسة تدعوهم إلى التوقف عند ذواتهم، ليس باعتبارهم آباء وأمهات فقط، وإنما باعتبارهم أشخاصاً لهم احتياجاتهم الإنسانية وأحلامهم وضغوطهم اليومية. ويؤكد هذا التوجه أن الطفل يستفيد بصورة مباشرة من استقرار والديه النفسي، وأن العناية بالذات ليست سلوكاً أنانياً، بل مسؤولية تربوية تنعكس آثارها على الأسرة بأكملها (World Health Organization, 2022).
يقوم برنامج التربية الوالدية الإيجابية على مبدأ جوهري يتمثل في أن الأب أو الأم السعيدين أكثر قدرة على تربية طفل سعيد ومتوازن. فالحالة النفسية للوالدين تؤثر في نوعية تواصلهما مع الطفل، وفي مستوى الصبر والاحتواء الذي يقدمانه له، كما تؤثر في قدرتهما على الاستجابة لحاجاته الانفعالية. لذلك فإن الوالد الذي يعيش حالة من الإرهاق المزمن أو التوتر المستمر أو الضغوط النفسية قد يجد صعوبة في توفير الأمان العاطفي الذي يحتاج إليه الطفل من أجل نموه السليم. وتؤكد نظرية التعلق التي طورها جون بولبي أن استقرار مقدم الرعاية يعد من أهم العوامل التي تساعد الطفل على بناء روابط آمنة وشخصية متوازنة (Bowlby, 1988).
ومن هذا المنطلق، تدعو الجلسة الثانية المشاركين إلى إعادة النظر في مفهوم العناية بالنفس، حيث تقدمها باعتبارها استثماراً في جودة الحياة الأسرية وليس انسحاباً من المسؤوليات. فالوقت الذي يخصصه الوالدان للراحة أو ممارسة هواية أو استعادة التوازن النفسي يعود بالنفع على الطفل أيضاً، لأن الوالد المتزن يكون أكثر حضوراً ووعياً وصبراً أثناء تعامله مع أبنائه. وقد بينت دراسات علم النفس الإيجابي أن الاهتمام بالصحة النفسية للوالدين ينعكس بصورة مباشرة على جودة التفاعل الأسري ويقلل من احتمالات استخدام أساليب تربوية قائمة على الانفعال أو العقاب (Seligman, 2011).
وتنطلق الجلسة من نشاط تأملي يعتمد على العصف الذهني حول رفاهية الآباء والأمهات، حيث لا يبحث المنشط عن إجابات صحيحة أو خاطئة، وإنما يتيح للمشاركين فرصة للإنصات إلى ذواتهم والتفكير في احتياجاتهم الإنسانية. ويطرح عليهم مجموعة من الأسئلة المحورية، من قبيل تحديد الاحتياجات العاطفية الأساسية، والعوائق التي تثقل حياتهم اليومية، وكيف تؤثر تلك الاحتياجات والتحديات في رفاهيتهم وفي رفاهية أسرهم. كما يدعوهم إلى تخيل ما الذي سيغيرونه لو امتلكوا عصا سحرية، ثم التفكير في أول خطوة عملية يستطيعون القيام بها بأنفسهم لتحقيق هذا التغيير. ويهدف هذا النشاط إلى تنمية الوعي الذاتي، وهو أحد أهم مكونات الكفاءة الوالدية، لأنه يساعد الفرد على فهم ذاته قبل محاولة تغيير الآخرين.
ويتميز هذا النشاط أيضاً بكونه يحترم خصوصية المشاركين، إذ تبقى مشاركة الإجابات اختيارية، بينما يعتبر التأمل الشخصي الهدف الأساسي للنشاط. ويعكس ذلك فلسفة البرنامج التي تقوم على توفير فضاء آمن يخلو من إصدار الأحكام أو الانتقادات، ويشجع على التعبير الصادق عن المشاعر والتجارب، وهو ما يعد من أهم شروط التعلم لدى الكبار وتنمية الثقة بالنفس (Knowles, Holton & Swanson, 2015).
وتبرز المحاكاة التطبيقية التي تتضمنها الجلسة مجموعة من القضايا الواقعية التي يعيشها كثير من الآباء والأمهات، مثل غياب الوقت الشخصي نتيجة الانشغال المستمر برعاية الأسرة، أو ما يعرف بالعبء الذهني الناتج عن تراكم المسؤوليات المنزلية والمهنية، إضافة إلى الشعور بالذنب كلما فكر الوالدان في تخصيص وقت لأنفسهما. وتكشف هذه المواقف أن كثيراً من الآباء يعيشون ضغوطاً متراكمة تجعل حضورهم مع أطفالهم حضوراً جسدياً أكثر منه حضوراً ذهنياً أو عاطفياً، وهو ما قد يؤثر في جودة العلاقة الأسرية.
ولمواجهة هذه التحديات، يقدم البرنامج ثلاث أدوات عملية تساعد على تحسين رفاهية الوالدين. تتمثل الأداة الأولى في إدارة الوقت، حيث يؤكد البرنامج أن الوقت لا يوجد بل ينظم، وأن جودة الوقت أهم من كثرته. لذلك يدعو إلى تخصيص وقت للعناية بالنفس يشمل الراحة أو القراءة أو ممارسة الهوايات أو الاسترخاء، إلى جانب تخصيص وقت ذي جودة للطفل يتضمن اللعب والحوار والأنشطة المشتركة، مع تنظيم الأعمال اليومية بطريقة تقلل من الضغوط وتساعد على تحقيق التوازن بين مختلف المسؤوليات.
أما الأداة الثانية فتتمثل في إدارة التوتر، حيث ينظر البرنامج إلى التوتر باعتباره جزءاً طبيعياً من الحياة الأسرية، لكنه يؤكد أن القدرة على التعامل معه مهارة يمكن تعلمها. ولذلك يشجع على أخذ فترات راحة منتظمة، وممارسة أنشطة الاسترخاء كالمشي والتنفس العميق والتأمل، إضافة إلى الاستفادة من الدعم الاجتماعي من خلال الحوار مع الأصدقاء أو أفراد الأسرة أو مجموعات الدعم. وتشير الأبحاث إلى أن الدعم الاجتماعي يعد من أهم العوامل التي تحمي الوالدين من الاحتراق النفسي وتعزز قدرتهم على مواجهة الضغوط اليومية (American Psychological Association, 2020).
أما الأداة الثالثة فهي التبسيط الأبوي، أو ما يعرف بـ Parental Minimalism، ويقصد به إعادة ترتيب الأولويات والتركيز على ما يحتاجه الطفل فعلاً بدلاً من الانشغال بالكماليات والضغوط غير الضرورية. فالطفل لا يحتاج إلى كثرة الألعاب أو الأنشطة المنظمة بقدر حاجته إلى الحب، والاهتمام، والأمان، والوقت المشترك مع والديه. ويؤكد البرنامج أن تقليل الالتزامات غير الضرورية يخفف العبء النفسي عن الوالدين، ويتيح لهما التفرغ لبناء علاقة أكثر دفئاً وجودة مع أبنائهما. وقد أظهرت الدراسات أن تخفيف الحمل الذهني يساعد الوالدين على تحسين حضورهما العاطفي ويزيد من جودة التفاعل الأسري (Siegel & Bryson, 2020).
وتنتهي الجلسة بالتأكيد على أن التربية الإيجابية تبدأ من الوالدين أنفسهما، وأن الطفل يتعلم من خلال النموذج أكثر مما يتعلم من خلال التعليمات. فالوالد الذي يعتني بصحته النفسية، وينظم وقته، ويتعامل مع الضغوط بوعي، يقدم لطفله نموذجاً عملياً للتوازن النفسي والقدرة على مواجهة تحديات الحياة، وهو ما يسهم في بناء شخصية أكثر مرونة وثقة واستقراراً.
خاتمة
تؤكد الجلسة الثانية من برنامج التربية الوالدية الإيجابية أن العناية بالذات ليست رفاهية ولا سلوكاً أنانياً، بل شرطاً أساسياً لممارسة التربية بصورة واعية ومتوازنة. فالوالدان اللذان يتمتعان بالاستقرار النفسي والقدرة على إدارة وقتهما وضغوطهما يكونان أكثر استعداداً لتوفير بيئة أسرية آمنة وداعمة لنمو الطفل. ومن خلال أدوات عملية مثل التأمل الذاتي، وإدارة الوقت، وإدارة التوتر، والتبسيط الأبوي، يساعد البرنامج الآباء والأمهات على الانتقال من الشعور بالإرهاق إلى الإحساس بالكفاءة والطمأنينة، بما ينعكس إيجاباً على جودة الحياة الأسرية وعلى النمو النفسي والاجتماعي للأطفال.
المراجع
من دورات التكوين للمؤسسة المغربية للتعليم الأولي
American Psychological Association. (2020). Stress in America Report. APA.
Bowlby, J. (1988). A Secure Base: Parent-Child Attachment and Healthy Human Development. Basic Books.
Knowles, M. S., Holton, E. F., & Swanson, R. A. (2015). The Adult Learner (8th ed.). Routledge.
Seligman, M. E. P. (2011). Flourish: A Visionary New Understanding of Happiness and Well-being. Free Press.
Siegel, D. J., & Bryson, T. P. (2020). The Power of Showing Up. Ballantine Books.
World Health Organization. (2022). Guidelines on Mental Health and Well-being. World Health Organization.
