المادة الثالثة من التربية الوالدية الإيجابية (EPA): الأساليب التربوية وبناء مهارات الوالدية الواعية

 تشكل الوالدية إحدى أكثر المسؤوليات الإنسانية تأثيراً في بناء شخصية الطفل ومستقبله، ومع ذلك فإن كثيراً من الآباء والأمهات يمارسون هذا الدور اعتماداً على الخبرات التي اكتسبوها من أسرهم أو من تجاربهم الشخصية، دون أن يتلقوا تكويناً متخصصاً يساعدهم على تطوير مهاراتهم التربوية. وانطلاقاً من هذه الحقيقة، تخصص الجلسة الثالثة من برنامج التربية الوالدية الإيجابية (EPA) موضوعها للتعرف إلى الأساليب التربوية التي يعتمدها الآباء في تعاملهم مع أطفالهم، ولمساعدتهم على اكتشاف ما إذا كانت هذه الأساليب نابعة من اختيار واعٍ أم من عادات وممارسات اكتسبوها بصورة غير واعية. وتهدف هذه الجلسة إلى ترسيخ قناعة أساسية مفادها أن التربية ليست مجرد حب فطري، وإنما هي مجموعة من المهارات التي يمكن تعلمها وتطويرها باستمرار، وهو ما تؤكده الأدبيات الحديثة في علوم التربية وعلم النفس التنموي (Bornstein, 2019).



تنطلق الجلسة من فكرة تربوية بسيطة لكنها عميقة الدلالة، وهي أن الحب وحده لا يكفي لبناء شخصية الطفل إذا لم يصاحبه امتلاك أدوات تربوية فعالة. فكثير من الآباء يحبون أبناءهم بصدق، إلا أنهم يجدون أنفسهم في مواقف يومية يعجزون فيها عن التعامل مع السلوكيات الصعبة أو الانفعالات المختلفة، ليس بسبب نقص المحبة، وإنما بسبب غياب المهارات المناسبة. ولهذا يقترح البرنامج نشاطاً تطبيقياً يعتمد على عرض صورة لجسر محمد السادس، ثم يطلب من المشاركين محاولة رسمه قبل مقارنة الرسومات بالصورة الأصلية. وبعد ذلك يوجه المنشط سؤالاً بسيطاً للمجموعة: من منكم يستطيع بناء هذا الجسر لو أعلنت وظيفة لذلك؟ وغالباً ما يدرك الجميع أن بناء جسر بهذا الحجم يحتاج إلى تكوين علمي وخبرة مهنية طويلة، الأمر الذي يقودهم إلى التأمل في سؤال أكثر عمقاً: إذا كان بناء جسر يتطلب مهارات متخصصة، فكيف ببناء إنسان؟

يشكل هذا النشاط مدخلاً لإعادة النظر في التصورات التقليدية حول الوالدية، حيث يرسخ لدى المشاركين فكرة أن الأبوة والأمومة ليستا موهبة فطرية يولد بها الإنسان، وإنما هما مهارة قابلة للتعلم والتحسين والتطوير، تماماً كما يتعلم المهندس تصميم الجسور أو الطبيب ممارسة الطب. ويتوافق هذا التصور مع نظرية التعلم الاجتماعي لألبرت باندورا، التي تؤكد أن معظم السلوكيات الإنسانية تكتسب من خلال التعلم والممارسة والتغذية الراجعة، وليس من خلال الاستعدادات الفطرية وحدها (Bandura, 1977).

وانطلاقاً من هذا الفهم، يقدم برنامج EPA أربع مهارات أساسية تشكل الدعائم الرئيسة للوالدية الإيجابية. تتمثل المهارة الأولى في المسؤولية، وتعني قدرة الوالدين على توفير الاحتياجات الجسدية والنفسية والعاطفية والتربوية للطفل، بما يضمن نمواً متكاملاً لشخصيته. أما المهارة الثانية فهي التنظيم، الذي يساعد الأسرة على إدارة الوقت، وترتيب الأولويات، وتحقيق التوازن بين الالتزامات المهنية والأسرية، بما ينعكس على جودة الحياة اليومية. وتتمثل المهارة الثالثة في الاستشراف، أي القدرة على التفكير في احتياجات الطفل المستقبلية واتخاذ قرارات تربوية تراعي مراحل نموه المختلفة. أما المهارة الرابعة فهي الفهم والوعي، والتي تقوم على إدراك مشاعر الطفل وفهم احتياجاته النفسية وتأثير سلوك الوالدين في تكوين شخصيته. ويؤكد البرنامج أن هذه المهارات ليست خصائص ثابتة، وإنما قدرات يمكن تنميتها بالتدريب المستمر والتأمل الذاتي.

ولكي تنتقل هذه المفاهيم من المستوى النظري إلى الممارسة العملية، تعرض الجلسة مشاهد تمثيلية تحاكي مواقف يومية يعيشها معظم الآباء والأمهات. ففي أحد المشاهد، يقدم طفل لوحة رسمها بنفسه إلى أحد والديه، فيستقبله الوالد بالترحيب والاهتمام، ويسأله عن مشاعره أثناء الرسم، ويشجعه على الحديث عن تفاصيل عمله، ثم يثمن جهده بدلاً من التركيز على جودة النتيجة النهائية. ويعكس هذا السلوك أسلوباً تربوياً يقوم على التشجيع، والاحتواء، وتعزيز الثقة بالنفس، حيث يشعر الطفل بأن قيمته لا ترتبط بالكمال، وإنما بالمحاولة والاجتهاد، وهو ما يدعم مفهوم الكفاءة الذاتية الذي يعد من أهم عوامل النمو النفسي السليم (Bandura, 1997).

وفي موقف آخر، يظهر طفل غاضب بعد أن أخذت أخته لعبته، فيتعامل الوالد مع الموقف بهدوء، فيسمي المشاعر التي يعيشها الطفل، ويطمئنه بأن الغضب شعور طبيعي، ثم يساعده على تهدئة نفسه من خلال التنفس العميق، ويدعوه إلى التفكير في دوافع أخته، قبل أن يشجعه على التعبير عن حاجته بأسلوب مهذب. ويجسد هذا المشهد مبادئ التربية القائمة على تنظيم الانفعالات، وتنمية التعاطف، وتعليم الطفل مهارات حل النزاعات بدلاً من الاكتفاء بإيقاف السلوك غير المرغوب فيه. وتؤكد الأبحاث أن تعليم الأطفال تسمية مشاعرهم والتعبير عنها يسهم في تطوير الذكاء العاطفي والقدرة على ضبط الذات (Goleman, 1995).

وبعد هذه المشاهد التطبيقية، ينتقل البرنامج إلى عرض ثلاثة أنماط رئيسة من الأساليب التربوية التي تناولتها البحوث النفسية والتربوية منذ أعمال ديانا بومريند. ويتمثل النمط الأول في الأسلوب السلطوي، الذي يعتمد على الأوامر الصارمة، والعقاب، وفرض الطاعة دون حوار. ويؤدي هذا الأسلوب غالباً إلى تنمية الخوف، وضعف الثقة بالنفس، وزيادة احتمالات الكذب أو تجنب المواجهة، كما يحد من استقلالية الطفل وقدرته على اتخاذ القرار (Baumrind, 1967).

أما النمط الثاني فهو الأسلوب المتساهل، الذي يتسم بغياب الحدود والقواعد الواضحة، وبتلبية معظم رغبات الطفل دون ضوابط مناسبة. ورغم أن هذا الأسلوب يعكس قدراً كبيراً من العاطفة، فإنه قد يؤدي إلى ضعف الانضباط الذاتي، وصعوبة تحمل المسؤولية، وضعف القدرة على تأجيل الإشباع، وهي مهارات ضرورية للتكيف مع متطلبات الحياة الاجتماعية والدراسية.

في المقابل، يقدم البرنامج الأسلوب الإيجابي باعتباره النموذج الأكثر توازناً، لأنه يجمع بين الحزم والدفء العاطفي، ويوازن بين احترام الطفل ووضع حدود واضحة لسلوكه. فالوالد الإيجابي لا يتخلى عن القواعد، لكنه يفسرها ويحترم مشاعر الطفل أثناء تطبيقها، مما يساعد على بناء شخصية واثقة، مستقلة، قادرة على التعبير عن مشاعرها، وإقامة علاقات اجتماعية صحية، وتحقيق أداء أكاديمي أفضل. وقد أثبتت دراسات عديدة أن الأسلوب التربوي الديمقراطي أو الإيجابي يرتبط بأفضل مؤشرات النمو النفسي والاجتماعي لدى الأطفال (Baumrind, 1991؛ Steinberg, 2001).

وتؤكد الجلسة أن الآباء لا يلتزمون دائماً بأسلوب واحد، بل قد ينتقلون بين الحزم المفرط والتساهل تبعاً لضغوط الحياة أو الإرهاق النفسي أو الظروف اليومية. لذلك فإن الهدف ليس الوصول إلى الكمال، وإنما تنمية الوعي الذاتي الذي يساعد الوالدين على ملاحظة أسلوبهما التربوي وتصحيحه كلما ابتعد عن التوازن.

وفي هذا السياق يقدم البرنامج مفهوم الانضباط الإيجابي باعتباره امتداداً للأسلوب التربوي الإيجابي. فالانضباط الإيجابي لا يعني التساهل أو غياب الحدود، كما لا يقوم على العقاب أو التخويف، وإنما يعتمد على الجمع بين الحزم والاحترام. فالطفل يحتاج إلى قواعد واضحة تمنحه الشعور بالأمان، لكنه يحتاج أيضاً إلى من يساعده على فهم مشاعره والتعبير عنها بطريقة مقبولة. ولهذا، فبدلاً من إصدار أوامر غاضبة مثل: "توقف فوراً"، يقترح البرنامج استخدام لغة تعترف بمشاعر الطفل أولاً، مثل: "أرى أنك غاضب الآن، ومن الطبيعي أن تشعر بذلك، لكننا لا نؤذي الآخرين عندما نغضب، بل نعبر عن مشاعرنا بالكلام". ويؤدي هذا الأسلوب إلى تعليم الطفل مهارات التنظيم الذاتي بدلاً من الاكتفاء بفرض الطاعة المؤقتة، وهو ما يشكل أحد أهم أهداف التربية الإيجابية الحديثة (Nelsen, 2015).

خاتمة

تؤكد الجلسة الثالثة من برنامج التربية الوالدية الإيجابية أن نجاح التربية لا يقاس بمقدار الحب الذي يكنه الوالدان لأبنائهما فحسب، بل بمدى امتلاكهما للمهارات التي تمكنهما من تحويل هذا الحب إلى ممارسات تربوية واعية. فالوالدية ليست استعداداً فطرياً ثابتاً، وإنما عملية تعلم مستمرة تتطور بالمعرفة والخبرة والتأمل الذاتي. ومن خلال التعرف إلى المهارات الأساسية للوالدية، وفهم الفروق بين الأساليب التربوية المختلفة، وتبني مبادئ الانضباط الإيجابي، يصبح الوالدان أكثر قدرة على بناء علاقة تقوم على الثقة والاحترام والحزم المتوازن، وهي الأسس التي يحتاج إليها الطفل لينمو نفسياً واجتماعياً وأكاديمياً في بيئة أسرية آمنة وداعمة.

المراجع

عن المؤسسة المغربية للتعليم الأولي

Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. Prentice-Hall.

Bandura, A. (1997). Self-Efficacy: The Exercise of Control. W. H. Freeman.

Baumrind, D. (1967). Child Care Practices Anteceding Three Patterns of Preschool Behavior. Genetic Psychology Monographs.

Baumrind, D. (1991). The Influence of Parenting Style on Adolescent Competence and Substance Use. Journal of Early Adolescence, 11(1), 56–95.

Bornstein, M. H. (2019). Handbook of Parenting (3rd ed.). Routledge.

Goleman, D. (1995). Emotional Intelligence. Bantam Books.

Nelsen, J. (2015). Positive Discipline (Revised Edition). Ballantine Books.

Steinberg, L. (2001). We Know Some Things: Parent–Adolescent Relationships in Retrospect and Prospect. Journal of Research on Adolescence, 11(1), 1–19.

almorabbi - المربي

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم