تعد الأسرة البيئة الأولى التي تتشكل فيها شخصية الطفل، ومنها يكتسب قيمه واتجاهاته وأنماط سلوكه، لذلك أصبحت تنمية الكفايات الوالدية من أهم المداخل الحديثة للارتقاء بجودة التربية وتحقيق النمو المتوازن للأطفال. وانطلاقاً من هذا التوجه، جاء برنامج التربية الوالدية الإيجابية (EPA) باعتباره برنامجاً تكوينياً موجهاً للآباء والأمهات، يهدف إلى تطوير معارفهم ومهاراتهم التربوية، وتمكينهم من أدوات عملية تساعدهم على بناء علاقة إيجابية مع أبنائهم تقوم على الاحترام والتواصل والدعم النفسي. ويتميز هذا البرنامج بكونه لا يقتصر على تقديم المعلومات النظرية، وإنما يعتمد التعلم التشاركي الذي يجعل الآباء والأمهات شركاء في بناء المعرفة انطلاقاً من تجاربهم اليومية، وهو ما يتوافق مع مبادئ تعليم الكبار التي تؤكد أن التعلم يكون أكثر فاعلية عندما ينطلق من خبرات المتعلمين أنفسهم (Knowles, Holton & Swanson, 2015).
يرتكز برنامج التربية الوالدية الإيجابية على ثلاثة محاور أساسية تشكل الإطار العام لمساره التكويني. ويتمثل المحور الأول في تعزيز الوعي الذاتي لدى الآباء والأمهات بأساليبهم التربوية، من خلال مساعدتهم على التأمل في ممارساتهم اليومية واكتشاف نقاط القوة والجوانب التي تحتاج إلى تطوير. أما المحور الثاني فيقوم على فهم الفجوة بين الممارسات الحالية والتطلعات المستقبلية المتعلقة بشخصية الطفل، بحيث يدرك الوالدان أن السلوكيات اليومية التي يمارسانها هي التي تشكل شخصية أبنائهم مستقبلاً. بينما يهدف المحور الثالث إلى تزويدهم بأدوات عملية للتواصل الإيجابي والدعم النفسي والعاطفي، بما يساعد على بناء بيئة أسرية يسودها الحوار والاحترام والثقة.
وتعتبر المادة الأولى من هذا الموضوع حجر الأساس في الفهم، لأنها لا تهدف إلى تلقين معلومات جديدة بقدر ما تسعى إلى بناء مناخ نفسي آمن يشجع المشاركين على التعبير عن آرائهم وتجاربهم بحرية. كما تهدف إلى تعزيز ثقة الآباء والأمهات في قدراتهم التربوية، وإقناعهم بأن التربية الإيجابية ليست حكراً على المختصين، وإنما هي مهارات يمكن اكتسابها وتطويرها بالممارسة والتدريب. ويؤكد علماء النفس التربوي أن شعور الوالدين بالكفاءة الوالدية يعد من أهم العوامل التي تنعكس إيجاباً على جودة العلاقة مع الطفل وعلى نموه النفسي والاجتماعي (Bandura, 1997).
ومن الخصائص المنهجية المميزة لهذا البرنامج أنه يحرص منذ البداية على إرساء إطار جماعي يقوم على المشاركة والاتفاق، وذلك من خلال اعتماد أداة "ميثاق المجموعة". ويعد هذا الميثاق وثيقة تربوية يتم إعدادها بصورة تشاركية بين جميع المشاركين، حيث يدعو المنشط أفراد المجموعة إلى اقتراح القواعد التي يرون أنها ضرورية لإنجاح اللقاءات التكوينية، مثل احترام الرأي الآخر، والإنصات دون مقاطعة، والالتزام بالحضور، والمشاركة الفعالة، وتجنب إصدار الأحكام السلبية. وبعد الاتفاق عليها يتم تدوينها وتعليقها داخل قاعة التكوين لتظل مرجعاً مشتركاً طوال مدة البرنامج، مما يعزز الشعور بالانتماء للمجموعة، ويرسخ ثقافة الاحترام والمسؤولية الجماعية.
وتستند هذه الممارسة إلى مبادئ التعلم التشاركي التي تؤكد أن الأفراد يكونون أكثر التزاماً بالقواعد عندما يشاركون في صياغتها، لأنهم يشعرون بأنها نابعة من إرادتهم الجماعية وليست مفروضة عليهم. كما يسهم الميثاق في بناء الثقة بين المشاركين، ويهيئ مناخاً يسمح بالتعبير الصادق عن التجارب الشخصية دون خوف من النقد أو التقليل من شأن الآخرين، وهو ما يعد شرطاً أساسياً لنجاح برامج تنمية المهارات الوالدية.
ومن الأدوات التربوية التي تعتمدها الجلسة الأولى أيضاً أداة "عصا الكلام"، وهي وسيلة رمزية تمنح الحق في الحديث للشخص الذي يحملها، بينما يلتزم باقي المشاركين بالإنصات واحترام دوره في التعبير. ورغم بساطة هذه الأداة، فإنها تؤدي وظائف تربوية مهمة، إذ تساعد على تنظيم الحوار، وضبط تسلسل المداخلات، وتشجع الأشخاص الخجولين على المشاركة، كما تنمي لدى الجميع قيمة الإنصات الفعال باعتباره مهارة لا تقل أهمية عن مهارة التعبير. وتؤكد البحوث في مجال التواصل أن جودة الاستماع تعد من أهم مكونات العلاقات الإنسانية الناجحة، لأنها تعزز الشعور بالتقدير والاحترام المتبادل (Rogers, 1961).
وتتجسد فلسفة البرنامج بصورة واضحة من خلال أنشطة المحاكاة التي تدعو الآباء والأمهات إلى استحضار الصورة التي يتمنون أن يكون عليها أبناؤهم في المستقبل. فعندما يعبر المشاركون عن رغبتهم في أن يكون أطفالهم واثقين من أنفسهم، قادرين على اتخاذ القرار، محترمين للآخرين، ومتوازنين انفعالياً، فإنهم يرسمون بصورة غير مباشرة الأهداف التربوية التي يسعون إلى تحقيقها. وبعد ذلك ينتقل الحوار إلى مناقشة التحديات اليومية التي تواجههم في تربية أطفالهم، مثل صعوبة التحكم في الانفعالات، أو الإفراط في استخدام الهواتف الذكية، أو اللجوء إلى الصراخ والعقاب أثناء المواقف الصعبة. ويساعد هذا الانتقال على إدراك الفجوة بين الواقع الحالي والطموحات المستقبلية، وهي الفجوة التي يشكل ردمها الهدف المركزي للبرنامج.
ويمثل مفهوم الفجوة التربوية أحد المرتكزات الأساسية في برنامج التربية الوالدية الإيجابية، إذ يدعو الآباء والأمهات إلى مقارنة الممارسات التي يقومون بها فعلاً بالسلوكيات التي يتمنون أن يتحلى بها أطفالهم مستقبلاً. فالطفل الذي يعيش في بيئة يسودها الصراخ والانفعال يصعب عليه تعلم الهدوء وضبط النفس، كما أن الطفل الذي يتعرض باستمرار للنقد أو المقارنة بالآخرين يجد صعوبة في بناء ثقته بنفسه أو تكوين صورة إيجابية عن ذاته. ومن هنا يؤكد البرنامج أن أفضل وسيلة لتربية الطفل على القيم الإيجابية هي أن يجسدها الوالدان أولاً في سلوكهما اليومي، لأن الأطفال يتعلمون بالملاحظة والتقليد أكثر مما يتعلمون بالتوجيه المباشر، وهو ما تؤكده نظرية التعلم الاجتماعي لألبرت باندورا (Bandura, 1977).
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن بعض الأساليب التربوية التقليدية، مثل الصراخ، والعقاب الجسدي، والتوبيخ المستمر، والمقارنة بين الأطفال، قد تؤدي إلى آثار نفسية وسلوكية سلبية، منها انخفاض تقدير الذات، والقلق، والاكتئاب، وضعف الدافعية، وزيادة السلوك العدواني. وفي المقابل، فإن اعتماد التواصل الإيجابي، والإنصات، والتشجيع، والتوجيه الهادئ، يسهم في بناء شخصية متوازنة وقادرة على تحمل المسؤولية والتفاعل الإيجابي مع الآخرين (UNICEF, 2021).
خاتمة
تشكل الجلسة الأولى من برنامج التربية الوالدية الإيجابية نقطة الانطلاق نحو بناء وعي جديد بمفهوم التربية، حيث تركز على بناء الثقة، وإرساء مناخ من الاحترام والتعاون، وتشجيع الآباء والأمهات على التأمل في ممارساتهم التربوية دون إصدار أحكام أو لوم. كما تبرز أهمية الانتقال من التربية القائمة على ردود الأفعال إلى التربية المبنية على الوعي والتخطيط والتواصل الإيجابي. ومن خلال أدوات بسيطة مثل ميثاق المجموعة وعصا الكلام، ومن خلال مناقشة التجارب الواقعية، يضع البرنامج الأسس الأولى لمسار تكويني يساعد الأسر على بناء علاقات أكثر دفئاً وتوازناً مع أبنائها، بما ينعكس إيجاباً على نموهم النفسي والاجتماعي والأخلاقي.
المراجع
عن المؤسسة المغربية للتعليم الأولي - المغرب
Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. Prentice Hall.
Bandura, A. (1997). Self-Efficacy: The Exercise of Control. W. H. Freeman.
Knowles, M. S., Holton, E. F., & Swanson, R. A. (2015). The Adult Learner (8th ed.). Routledge.
Rogers, C. R. (1961). On Becoming a Person. Houghton Mifflin.
UNICEF. (2021). Parenting for Every Child: Positive Parenting. UNICEF.
World Health Organization. (2020). Guidelines on Positive Parenting and Child Development. WHO.
