دراسة حالة حول صعوبات ضبط القسم أثناء العمل بالمجموعات في التعليم الأولي

يعد العمل بالمجموعات من أهم الأساليب البيداغوجية المعتمدة في التعليم الأولي، لما يوفره من فرص لتنمية استقلالية الطفل، وتعزيز التعلم التعاوني، ومراعاة الفروق الفردية بين الأطفال. غير أن نجاح هذا الأسلوب يظل مرتبطاً بقدرة المربي على تدبير القسم وضبطه، خاصة عندما ينشغل بتأطير مجموعة موجهة، بينما تشتغل مجموعات أخرى بصورة مستقلة. وفي بعض الحالات قد تظهر سلوكيات تعيق سير الأنشطة، مما يفرض على المربي تحليل أسبابها قبل البحث عن الحلول المناسبة. ويؤكد المختصون في التربية أن معالجة المشكلات السلوكية ينبغي أن تنطلق من فهم دوافعها الحقيقية، لأن السلوك الذي يصدر عن الطفل غالباً ما يكون رسالة تعبر عن حاجة نفسية أو اجتماعية أو تربوية أكثر من كونه مجرد مخالفة للقواعد (Charles, 2014).



ومن الحالات التي تتكرر داخل أقسام التعليم الأولي ما يتعلق بطفل يثير الفوضى أثناء اشتغال زملائه في المجموعة المستقلة، حيث يرفض إنجاز النشاط، ويقوم بالتشويش على أقرانه، وقد يصل الأمر إلى العبث بالأدوات التعليمية أو إتلافها، دون أن يستجيب للتنبيهات المتكررة من طرف المربي. ويؤثر هذا السلوك سلباً في سير النشاط، كما يعرقل تعلم بقية الأطفال ويجعل المربي عاجزاً عن توزيع اهتمامه بين جميع المجموعات، الأمر الذي يستدعي دراسة الوضعية بشكل موضوعي والابتعاد عن التفسيرات السطحية التي تربط السلوك دائماً بعدم الانضباط.

إن أول خطوة لمعالجة هذه الحالة تتمثل في صياغة فرضيات تساعد على تفسير أسباب السلوك. فقد يكون انشغال المربي بالمجموعة الموجهة سبباً في شعور الطفل بقلة الاهتمام، مما يدفعه إلى محاولة لفت الانتباه من خلال التشويش أو إفساد النشاط. وتؤكد نظرية التعلم الاجتماعي أن الأطفال يبحثون باستمرار عن الاهتمام والتقدير، وقد يلجؤون إلى السلوك السلبي عندما لا يجدون وسائل أخرى للحصول عليه (Bandura, 1977).

وقد يرتبط السلوك أيضاً بضعف شعور الطفل بالاستقلالية وتحمل المسؤولية، إذ قد لا يكون قد اكتسب بعد الثقة الكافية لإنجاز الأنشطة دون مساعدة مباشرة من المربي. كما يمكن أن يكون الطفل مقتنعاً بأن النشاط المستقل أقل أهمية من النشاط الذي يشرف عليه المربي، فيفقد الدافعية لإنجازه ويعتبر أن مشاركته فيه ليست ذات قيمة. وفي حالات أخرى قد يكون النشاط نفسه غير ملائم لقدرات الطفل أو لا يثير اهتمامه، مما يجعله يشعر بالملل أو الإحباط، فيلجأ إلى التشويش كوسيلة للتعبير عن رفضه أو عدم اندماجه في المهمة.

ولمعالجة هذه الوضعية ينبغي أولاً تذكير الأطفال بالقواعد المنظمة للعمل داخل المجموعات، مع التأكد من أنهم استوعبوها منذ بداية السنة الدراسية، لأن وضوح القواعد وثباتها يساعدان الأطفال على إدراك ما هو متوقع منهم داخل القسم. كما يستحسن أن يعزز المربي ثقة الأطفال بأنفسهم من خلال تشجيعهم على إنجاز أنشطتهم، وإشعارهم بأن نجاحهم محل تقدير واعتزاز، مما يرفع من دافعيتهم نحو التعلم ويجعلهم أكثر التزاماً بالمهام المسندة إليهم.

ومن الحلول الفعالة أيضاً ربط إنجاز النشاط بالحصول على امتياز تربوي، مثل الانتقال إلى الأركان التربوية أو المشاركة في نشاط مفضل بعد إنهاء المهمة المطلوبة. ويعد هذا النوع من التعزيز الإيجابي من أكثر الأساليب نجاحاً في تعديل السلوك، لأنه يشجع الطفل على الالتزام بالقواعد بدافع داخلي قائم على الرغبة في النجاح وليس خوفاً من العقاب.

كما يمكن للمربي أن يكلف الطفل الذي يعاني من هذه الصعوبة بمسؤوليات تناسب عمره، مثل توزيع الأدوات أو جمعها أو المحافظة عليها أثناء النشاط، لأن إسناد المسؤوليات يشعر الطفل بأهميته داخل الجماعة، ويعزز ثقته بنفسه، كما ينمي لديه الإحساس بالالتزام والانتماء. وتشير الدراسات التربوية إلى أن تحمل المسؤولية يعد من الوسائل الفعالة في تنمية الانضباط الذاتي لدى الأطفال، لأنه يجعلهم يدركون أثر أفعالهم في الآخرين (Pianta, 2016).

ومن المبادرات التربوية الناجحة كذلك اعتماد نظام "مفوض القسم" أو "مساعد المربي"، حيث يمنح الطفل فرصة للقيام بمهام تنظيمية بسيطة تساعد زملاءه أثناء الأنشطة. ويسهم هذا الدور في تنمية روح القيادة والتعاون، كما يوجه طاقة الطفل نحو سلوك إيجابي يخدم الجماعة بدل أن تتحول إلى مصدر للإزعاج أو التشويش.

ولا يمكن إغفال أهمية التواصل مع الأسرة في مثل هذه الحالات، إذ إن إشراك ولي الأمر في متابعة تطور سلوك الطفل يعزز فرص نجاح التدخل التربوي. ويستحسن أن يكون هذا التواصل قائماً على إبراز الجوانب الإيجابية والنجاحات التي يحققها الطفل، حتى يشعر بالتقدير ويزداد حافزه للمحافظة على السلوك الحسن. كما أن سماع الطفل لملاحظات إيجابية من المربي أمام أسرته يعزز ثقته بنفسه، ويشجعه على الاستمرار في تحمل المسؤولية والالتزام بالقواعد.

وتؤكد التربية الحديثة أن معالجة المشكلات السلوكية لا تعتمد على العقوبات أو التوبيخ المتكرر، وإنما تقوم على فهم حاجات الطفل، وتحليل أسباب سلوكه، وتوفير بيئة تربوية تمنحه الشعور بالأمان والانتماء والتقدير. فكلما شعر الطفل بأنه عضو مهم داخل القسم، وأن جهوده تحظى بالاعتراف، أصبح أكثر استعداداً للتعاون واحترام النظام والمشاركة الإيجابية في الأنشطة التعليمية.

خاتمة

يتضح أن السلوكيات التي تظهر أثناء العمل بالمجموعات ليست بالضرورة دليلاً على سوء الانضباط، بل قد تكون مؤشراً على وجود حاجات تربوية أو نفسية لم يتم إشباعها بالشكل الكافي. ولذلك فإن المربي الناجح هو الذي يحلل الوضعيات التربوية بموضوعية، ويبحث عن الأسباب الحقيقية قبل اتخاذ أي إجراء. كما أن اعتماد التعزيز الإيجابي، وإسناد المسؤوليات، وإشراك الأسرة، وتنويع الأنشطة، كلها ممارسات تجعل الطفل أكثر اندماجاً في التعلم وأكثر قدرة على احترام قواعد العيش داخل القسم، وهو ما ينعكس إيجاباً على جودة العملية التعليمية برمتها.

المراجع

Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. Prentice Hall.

Charles, C. M. (2014). Building Classroom Discipline (11

almorabbi - المربي

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم