مرحلة التعليم الأولي من أهم المراحل في المسار التربوي للطفل، إذ تشكل أول تجربة له داخل مؤسسة تعليمية منظمة، ينتقل فيها من محيط الأسرة إلى فضاء اجتماعي أوسع يكتسب فيه مهارات التعلم والتواصل والاستقلالية. وانطلاقاً من هذه الأهمية، تخصص الجلسة السادسة من برنامج التربية الوالدية الإيجابية (EPA) موضوعها لتعزيز الشراكة بين الأسرة ووحدة التعليم الأولي، باعتبارها شراكة تقوم على التعاون والتواصل المستمر، وتهدف إلى توفير بيئة تربوية منسجمة تساعد الطفل على النمو والتعلم في أفضل الظروف.
ويؤكد البرنامج أن نجاح الطفل في هذه المرحلة لا يعتمد على المؤسسة التعليمية وحدها، كما لا يقتصر على دور الأسرة، بل يتحقق عندما تتكامل الجهود بين الطرفين، فيتلقى الطفل رسائل تربوية متسقة داخل البيت وخارجه. فكلما كان التواصل بين الوالدين والمربي قائماً على الثقة والتعاون، ازدادت فرص نجاح الطفل أكاديمياً واجتماعياً وانفعالياً، وهو ما تؤكده البحوث الحديثة في التربية المبكرة (Epstein, 2018).
تركز البحوث الحديثة في التربية المبكرة المرتبطة بالباحثة جويس إبستين (Joyce L. Epstein, 2018) على تطوير برامج إعداد المعلمين وتحسين المدارس من خلال بناء شراكات قوية ومستدامة بين المدرسة، والأسرة، والمجتمع. تؤكد هذه الأبحاث أن نجاح الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة والتعليم الابتدائي لا يقتصر على الغرفة الصفية، بل يعتمد على "الدوائر المتداخلة للتأثير" (Overlapping Spheres of Influence) التي تتقاسم المسؤولية المشتركة في دعم نمو الطفل.
طبيعة التعلم في مرحلة الطفولة المبكرة
قبل الحديث عن دور الوالدين في دعم تعلم أبنائهم، يقدم برنامج التربية الوالدية الإيجابية ثلاثة مبادئ علمية تساعد الآباء على فهم طبيعة التعلم في السنوات الأولى من العمر، وتجنب التوقعات غير الواقعية التي قد تؤدي إلى شعورهم أو شعور أطفالهم بالإحباط.
يتمثل المبدأ الأول في أن التعلم عملية داخلية لا تكون مرئية دائماً. فالتعلم لا يظهر فقط في السلوك الخارجي أو في قدرة الطفل على الإجابة الصحيحة، وإنما يحدث داخل الدماغ من خلال بناء الروابط العصبية وتنظيم الخبرات الحسية والحركية والمعرفية. وقد يبدو الطفل في بعض الأحيان غير منتبه أو غير قادر على الإنجاز، بينما يكون في الواقع منشغلاً بمعالجة المعلومات وبناء فهمه الخاص. وتشير دراسات علم الأعصاب إلى أن التعلم عملية تدريجية تعتمد على نضج الدماغ وتكامل وظائفه أكثر مما تعتمد على سرعة الاستجابة (Center on the Developing Child, Harvard University, 2021).
أما المبدأ الثاني فيؤكد أن التكرار والممارسة أساس التعلم. فإعادة النشاط مرات متعددة لا تعني أن الطفل لم يتعلم، وإنما تمثل الآلية الطبيعية التي يرسخ بها الدماغ المهارات الجديدة. فكل محاولة جديدة تقوي الروابط العصبية وتزيد من ثبات التعلم، ولذلك يحتاج الأطفال إلى فرص متكررة للتجريب دون استعجال النتائج أو مقارنة تقدمهم بغيرهم.
ويتمثل المبدأ الثالث في أن اللعب هو الوسيط الأساسي للتعلم في مرحلة الطفولة المبكرة. فالطفل لا يتعلم رغم اللعب، بل يتعلم من خلاله. ومن أثناء اللعب يكتشف خصائص الأشياء، ويجرب الحلول، ويطور لغته، وينمي تفكيره، ويتعلم التعاون، ويكتسب مهارات حل المشكلات. ولهذا تنظر المناهج الحديثة للتعليم الأولي إلى اللعب بوصفه الاستراتيجية التعليمية الأكثر ملاءمة لخصائص نمو الطفل (UNESCO, 2022).
ولإثارة اهتمام الآباء بهذه المبادئ، يقترح البرنامج أن يبدأ الميسر بسؤال تأملي بسيط: هل سبق أن حاولتم تعليم طفلكم مهارة معينة وشعرتم بالإحباط لأنه لم يتعلمها بالسرعة التي توقعتموها؟ ويساعد هذا السؤال على ربط المعرفة العلمية بالتجارب اليومية للوالدين، ويفتح المجال لنقاش واقعي حول طبيعة التعلم في هذه المرحلة.
التعلم متعدد الحواس
ولكي يدرك الآباء كيف يتعلم أطفالهم، يقترح البرنامج مجموعة من الأنشطة التطبيقية التي تسمح لهم بخوض تجربة مشابهة لما يعيشه الطفل أثناء التعلم.
ويتمثل النشاط الأول في تعليم كتابة حرف الواو باستعمال المقاربة متعددة الحواس. فبدلاً من مطالبة الطفل بكتابته مباشرة بالقلم، يقترح البرنامج أن يمر الطفل بعدة تجارب حسية وحركية، مثل تتبع شكل الحرف بالإصبع فوق الرمل أو السميد، ورسمه على الأرض بالطباشير، وتشكيله باستعمال الصلصال أو العجين، ثم رسمه في الهواء مع نطق صوته. ويساعد هذا التنوع في الأنشطة على دمج الحواس المختلفة في عملية التعلم، مما يجعل اكتساب المهارة أكثر سهولة وثباتاً.
ويبرز هذا النشاط أن تعلم الكتابة لا يعتمد فقط على الإمساك بالقلم، وإنما يحتاج إلى تكامل بين الإدراك البصري، والتآزر الحركي، والإحساس اللمسي، والتنسيق بين العين واليد، وهي مهارات تتطور تدريجياً مع النمو.
كيف يفهم الطفل الأعداد؟
يقترح البرنامج نشاطاً آخر يهدف إلى توضيح أن تعلم الأرقام لا يقتصر على حفظ تسلسلها اللفظي، وإنما يمر بعدة مراحل متكاملة.
فالمرحلة الأولى هي المستوى اللفظي، حيث يستطيع الطفل ترديد الأرقام بالترتيب دون أن يدرك معناها الحقيقي.
أما المرحلة الثانية فهي المستوى المفاهيمي، حيث يبدأ الطفل في فهم العلاقات بين الأعداد، فيدرك أن العدد ثلاثة أكبر من اثنين وأقل من أربعة، وأن لكل عدد قيمة محددة.
ثم تأتي المرحلة الثالثة، وهي المستوى الحسي التطبيقي، حيث يستطيع الطفل الربط بين الرقم والكمية الملموسة، فيعد الأشياء، ويقارن بينها، ويستخدم الأعداد في مواقف الحياة اليومية.
ولتقريب هذا المفهوم، يقترح البرنامج نشاطاً منزلياً بسيطاً يتمثل في رسم دوائر تحمل أرقاماً مختلفة، ثم يطلب من الطفل وضع عدد مناسب من حبات العدس أو الفاصوليا داخل كل دائرة. ويساعد هذا النشاط الطفل على الانتقال من الرمز المجرد إلى الخبرة الحسية، وهو ما يجعل فهمه للأعداد أكثر رسوخاً.
تبسيط المفاهيم المجردة
يواجه أطفال التعليم الأولي صعوبة في استيعاب المفاهيم المجردة مثل الزمن والفصول، لأنها لا يمكن رؤيتها أو لمسها مباشرة. ولذلك يشجع البرنامج الآباء على ربط هذه المفاهيم بخبرات يومية يعيشها الطفل.
فالربيع، على سبيل المثال، لا يقدم باعتباره تعريفاً مجرداً، وإنما يربط بتفتح الأزهار، واعتدال الطقس، والخروج للحديقة. أما مفهوم الصباح، فيرتبط بالاستيقاظ، وظهور الشمس، وتناول وجبة الإفطار، والاستعداد للذهاب إلى الروضة. كما يمكن تبسيط مفهوم السنة من خلال ربطه بالفترة الزمنية الممتدة بين عيد ميلاد الطفل الحالي وعيد ميلاده القادم.
ويجعل هذا الأسلوب التعلم أكثر قرباً من خبرة الطفل اليومية، لأن الأطفال في هذه المرحلة يفكرون انطلاقاً من الخبرات الملموسة أكثر من المفاهيم المجردة، وهو ما أكدته نظرية النمو المعرفي لدى جان بياجيه (Piaget, 1952).
عندما تتغير طريقة التعليم يتغير التعلم
وتقدم الجلسة موقفاً تربوياً يعكس تجربة يعيشها كثير من الآباء أثناء مرافقة أطفالهم في المنزل.
يحاول أحد الآباء تعليم طفله كتابة حرف الواو، معتقداً أن الأمر بسيط ولا يحتاج إلا إلى التقليد المباشر، فيطلب منه أن يرسم الحرف كما تعلمه في القسم. لكن الطفل يعجز عن ذلك، ويبدأ في الشعور بالإحباط، بينما يزداد الأب اقتناعاً بأن طفله غير قادر على التعلم.
غير أن الأب يتوقف قليلاً، ويعيد التفكير في طريقته، فيقرر تغيير الأسلوب بدلاً من الضغط على الطفل. فيحضر طبقاً من الدقيق، ويدعو طفله إلى رسم الحرف بإصبعه داخل الدقيق، فيتحول النشاط إلى لعبة ممتعة، ويبدأ الطفل في التجريب دون خوف من الخطأ، ومع كل محاولة تزداد ثقته بنفسه إلى أن ينجح في رسم الحرف.
وتكشف هذه الوضعية أن الصعوبة لا تكون دائماً في قدرات الطفل، وإنما قد تكمن في طريقة تقديم التعلم. فحين تتوافق الأنشطة مع خصائص نمو الطفل وحاجاته الحسية، يصبح التعلم أكثر سهولة ومتعة، ويتحول الإحباط إلى شعور بالنجاح والإنجاز.
كما تؤكد هذه التجربة أن دور الوالد لا يتمثل في تقييم الطفل أو استعجال نتائجه، وإنما في توفير بيئة تعلم آمنة تشجع على المحاولة، وتسمح بالخطأ، وتحتفي بالتقدم التدريجي، وهو ما يعزز الدافعية الداخلية والثقة بالنفس، ويقوي العلاقة بين الطفل والتعلم.
الشراكة بين الأسرة ووحدة التعليم الأولي
انطلاقاً من هذه المبادئ، يؤكد برنامج التربية الوالدية الإيجابية أن الأسرة والمؤسسة التربوية شريكان في عملية واحدة، وليسا طرفين منفصلين. فالمربي يمتلك الخبرة التربوية المتعلقة بخصائص نمو الأطفال، بينما يمتلك الوالدان معرفة دقيقة بشخصية طفلهم واهتماماته وظروفه الأسرية. وعندما يتبادل الطرفان المعلومات ويتعاونان بصورة مستمرة، يصبحان أكثر قدرة على توفير الدعم المناسب للطفل، ومعالجة الصعوبات في بدايتها، وتعزيز نقاط قوته.
ولا تقتصر الشراكة على حضور الاجتماعات أو متابعة الواجبات، بل تشمل الحوار المنتظم مع المربي، والاطلاع على الأنشطة الصفية، وتطبيق بعض الممارسات التعليمية في المنزل بطريقة مرنة، بما يضمن للطفل شعوراً بالانسجام بين البيت ووحدة التعليم الأولي.
خاتمة
تؤكد الجلسة السادسة من برنامج التربية الوالدية الإيجابية أن تعلم الطفل في السنوات الأولى عملية تدريجية تقوم على اللعب، والتجريب، والتكرار، والتفاعل مع البيئة، وأن نجاحها يتطلب فهماً عميقاً لخصائص النمو في هذه المرحلة. كما تبرز أن الأسرة ووحدة التعليم الأولي تشكلان شريكين متكاملين في بناء شخصية الطفل، وأن التواصل المستمر بينهما يسهم في توفير بيئة تعليمية متجانسة تعزز الثقة بالنفس، وحب التعلم، والاستعداد للنجاح في المراحل الدراسية اللاحقة. وعندما يدرك الوالدان أن تعديل أساليبهم أهم من استعجال نتائج أطفالهم، يصبح التعلم تجربة ممتعة تبني المعرفة، وتنمي الفضول، وتغرس في الطفل الثقة بقدراته.
المراجع
Center on the Developing Child at Harvard University. (2021). Brain Architecture. Harvard University.
Epstein, J. L. (2018). School, Family, and Community Partnerships: Preparing Educators and Improving Schools (3rd ed.). Routledge.
Piaget, J. (1952). The Origins of Intelligence in Children. International Universities Press.
UNESCO. (2022). Right to Pre-primary Education: A Global Study. United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization.
UNICEF. (2019). A World Ready to Learn: Prioritizing Quality Early Childhood Education. United Nations Children's Fund.
Vygotsky, L. S. (1978). Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Harvard University Press.
