تنتقل الجلسة السابعة من برنامج التربية الوالدية الإيجابية (EPA) إلى بعد جديد في التربية، يتمثل في توسيع دائرة المسؤولية عن تنشئة الطفل لتشمل المحيط الأسري والاجتماعي بأكمله. فبعد أن ركزت الجلسات السابقة على تنمية الكفايات الوالدية، وتعزيز التواصل الإيجابي، وترسيخ الانسجام داخل الأسرة، تؤكد هذه الجلسة أن نجاح الوالدين في أداء دورهما لا يعتمد على جهودهما الفردية فقط، وإنما يرتبط أيضاً بقدرة الأسرة على بناء شبكة دعم متوازنة تساعدها على مواجهة التحديات اليومية. ويعبر المثل الإفريقي الشهير: "يتطلب تنشئة طفل قرية بأكملها" عن هذه الفلسفة بوضوح، حيث يؤكد أن تنمية الطفل مسؤولية تشاركية تتداخل فيها أدوار الأسرة الممتدة، والمؤسسة التربوية، والجيران، والأصدقاء، والخدمات المجتمعية.
وتنطلق الجلسة من قناعة تربوية مفادها أن الأسرة القادرة على طلب الدعم والاستفادة منه تكون أكثر قدرة على توفير بيئة مستقرة وآمنة للطفل، وأن بناء شبكات الدعم لا يمثل ضعفاً أو عجزاً، وإنما يعكس وعياً بحجم المسؤولية وإدراكاً لأهمية التعاون في التربية.
أهمية شبكة الدعم في التربية
تؤكد الدراسات الحديثة أن الدعم الاجتماعي يعد أحد أهم العوامل التي تساعد الوالدين على التكيف مع الضغوط المرتبطة بتربية الأطفال، إذ يسهم في تخفيف مستويات التوتر، وتعزيز الشعور بالكفاءة الوالدية، وتحسين جودة العلاقات داخل الأسرة. كما أن الأطفال الذين ينشؤون داخل بيئة تتوفر فيها علاقات داعمة ومتنوعة يستفيدون من فرص أكبر للتعلم الاجتماعي، وتنمية مهارات التواصل، والشعور بالانتماء والأمان (Bronfenbrenner, 1979).
وانطلاقاً من هذا التصور، يدعو البرنامج الميسرين إلى فتح نقاش جماعي مع الآباء حول واقع شبكات الدعم التي يعتمدون عليها، من خلال أسئلة تساعدهم على استحضار تجاربهم الشخصية، مثل: من هم الأشخاص أو الجهات التي تقدم لكم الدعم في تربية أطفالكم؟ وما أبرز الصعوبات التي تواجهونها عندما يغيب هذا الدعم؟ وهل سبق أن طلبتم المساعدة؟ وكيف كانت تجربتكم؟
ويقوم الميسر بعد ذلك بتنظيم مداخلات المشاركين ضمن ثلاثة محاور رئيسة، تشمل مصادر الدعم المتوفرة، والتحديات التي يواجهونها، والحلول أو التجارب الناجحة التي عاشوها. ويساعد هذا التنظيم المشاركين على إدراك أن معظم الصعوبات التي يعيشونها ليست حالات فردية، وإنما تجارب مشتركة بين كثير من الأسر، الأمر الذي يخفف من الشعور بالعزلة، ويعزز الإحساس بالتضامن.
كما تقود هذه المناقشة إلى ترسيخ ثلاث قناعات أساسية؛ أولها أن التحديات التربوية طبيعية ومشتركة، وثانيها أن طلب المساعدة يعكس النضج والمسؤولية وليس الضعف، وثالثها أن تنوع مصادر الدعم يثري الخبرات التي يكتسبها الطفل، ويخفف من الأعباء النفسية والتنظيمية الواقعة على الوالدين.
نشاط "خريطة الدعم"
ولترجمة هذه الأفكار إلى ممارسة عملية، يقترح البرنامج تنفيذ نشاط يحمل عنوان "خريطة الدعم"، يهدف إلى مساعدة الآباء على التعرف إلى شبكة العلاقات المحيطة بأسرهم، وتحديد الموارد التي يمكن الاستفادة منها عند الحاجة.
يرسم كل مشارك مجموعة من الدوائر المتدرجة، يضع في مركزها اسم طفله، ثم يحيطها بدائرة تمثل الأسرة النووية، وتشمل الأب والأم، تليها دائرة الأسرة الممتدة التي تضم الأجداد والأقارب، ثم دائرة ثالثة تضم الأصدقاء، والمربين، والجيران الموثوقين، وأخيراً دائرة رابعة تمثل الخدمات المجتمعية، مثل المؤسسات التربوية، والأخصائيين النفسيين، والجمعيات، والمراكز الصحية.
ويتيح هذا التمثيل البصري للآباء إدراك أن الطفل لا يعيش داخل دائرة واحدة، وإنما ينمو في شبكة متكاملة من العلاقات، وأن اتساع هذه الشبكة وتنوعها يسهمان في توفير بيئة أكثر استقراراً وثراءً، كما يخففان من الضغوط الواقعة على الوالدين.
استحضار النماذج المرجعية
بعد التعرف إلى شبكة الدعم الحالية، تنتقل الجلسة إلى نشاط تأملي يساعد الآباء على استحضار الأشخاص الذين تركوا أثراً إيجابياً في طفولتهم، من غير الوالدين. ويطلب منهم التفكير في شخص كان له دور مهم في حياتهم، ثم وصف الصفات التي ميزته، وما تعلموه منه، وكيف أسهم في بناء شخصيتهم.
ويكشف هذا النشاط أن الطفل لا يتأثر بوالديه فقط، بل يستفيد أيضاً من وجود معلمين، أو أجداد، أو أقارب، أو جيران، أو شخصيات أخرى قدمت له نموذجاً إيجابياً في حياته. كما يساعد الآباء على إدراك أن تعدد النماذج التربوية لا يقلل من دورهم، بل يكمله ويثريه.
وفي نهاية النشاط، يجمع الميسر الصفات المشتركة التي تكررت في وصف تلك الشخصيات، وغالباً ما تشمل حسن الإنصات، والصبر، والتشجيع، والهدوء، والعدل، والاتزان الانفعالي، وهي القيم نفسها التي يسعى البرنامج إلى تنميتها لدى الوالدين.
طلب الدعم مهارة وليست ضعفاً
تناقش الجلسة أيضاً أحد أبرز العوائق النفسية التي تمنع كثيراً من الآباء من طلب المساندة، والمتمثل في الاعتقاد بأن طلب المساعدة دليل على التقصير أو الفشل في أداء الدور الوالدي.
غير أن هذا الاعتقاد لا يستند إلى أساس علمي، إذ تشير البحوث إلى أن الوالدين الذين يمتلكون القدرة على الاستفادة من الدعم الاجتماعي يتمتعون بمستويات أقل من الضغوط النفسية، ويكونون أكثر قدرة على الاستجابة لحاجات أطفالهم بصورة متوازنة (Cohen & Wills, 1985).
ومن هذا المنطلق، يؤكد البرنامج أن الأبوة والأمومة مسؤولية معقدة، وأن اللجوء إلى الآخرين عند الحاجة يعكس وعياً بحجم المسؤولية، وليس ضعفاً في تحملها. ولذلك يصبح من الضروري مساعدة الآباء على تجاوز مشاعر الحرج، وتعزيز ثقتهم بأن طلب الدعم يمثل مهارة حياتية تسهم في حماية الأسرة وتحسين جودة الحياة داخلها.
تفعيل شبكة الدعم في الحياة اليومية
بعد بناء الوعي بأهمية الدعم، ينتقل البرنامج إلى الجانب العملي، فيستعرض أهم مصادر الدعم الممكنة، مثل الأسرة الممتدة، والأصدقاء، والمؤسسة التربوية، والجيران الموثوقين، والخدمات الاجتماعية والصحية، ومجموعات الدعم الوالدي.
ولتدريب المشاركين على الاستفادة من هذه الموارد، يقترح البرنامج تنظيم نشاط يعتمد على لعب الأدوار، حيث يتدرب الآباء في أزواج على مواقف واقعية، مثل طلب مساعدة الجدة في رعاية الطفل ليوم واحد في الأسبوع، أو التنسيق مع أحد الجيران لتبادل مرافقة الأطفال إلى المؤسسة التعليمية، أو طلب وقت للراحة من الزوج أو الزوجة، أو استشارة المربية بشأن سلوك معين لدى الطفل.
وبعد انتهاء النشاط، يناقش المشاركون الأساليب التي ساعدت على نجاح طلب الدعم، والصعوبات التي واجهوها، والطرق التي يمكن من خلالها تحسين مهارات التواصل والتعاون.
بناء شبكة دعم آمنة
ورغم أهمية توسيع شبكة الدعم، تؤكد الجلسة أن سلامة الطفل تبقى الأولوية المطلقة. ولذلك تدعو الآباء إلى مناقشة مجموعة من الأسئلة الوقائية، مثل: كيف نختار الأشخاص الذين نمنحهم ثقتنا؟ وما الحدود التي ينبغي أن يتعلمها الطفل؟ وكيف نحافظ على تواصل مفتوح معه؟
ومن خلال هذا النقاش، يتم التوصل إلى مجموعة من المبادئ الأساسية، تتمثل في التحقق التدريجي من موثوقية الأشخاص قبل تكليفهم برعاية الطفل، والحفاظ على الحوار المستمر مع الطفل حول مشاعره وتجربته مع الآخرين، وتعليمه مفهوم الحدود الشخصية، وحقه في رفض أي سلوك يزعجه أو يشعره بعدم الارتياح، إضافة إلى تجنب تركه مع أشخاص أو في أماكن غير معروفة أو غير موثوقة.
ويؤكد البرنامج أن شبكة الدعم الفعالة هي التي تجمع بين الانفتاح على المجتمع واليقظة لحماية الطفل، بحيث تحقق التوازن بين الاستفادة من الآخرين والحفاظ على سلامته النفسية والجسدية.
خاتمة
تؤكد الجلسة السابعة من برنامج التربية الوالدية الإيجابية أن تنشئة الطفل مسؤولية جماعية تتجاوز حدود الأسرة النووية، وأن بناء شبكة دعم متوازنة يعد من أهم عوامل نجاح الوالدين في أداء دورهما التربوي. كما تبرز أن طلب المساندة ليس علامة ضعف، وإنما مهارة تعكس النضج والقدرة على إدارة المسؤوليات بوعي. وعندما تتكامل أدوار الأسرة الممتدة، والمؤسسة التربوية، والمجتمع، والخدمات المتخصصة، ينمو الطفل في بيئة أكثر أمناً وغنى، وتصبح الأسرة أكثر قدرة على مواجهة تحديات التربية بثقة وتوازن واستقرار.
المراجع
Bronfenbrenner, U. (1979). The Ecology of Human Development: Experiments by Nature and Design. Harvard University Press.
Cohen, S., & Wills, T. A. (1985). Stress, Social Support, and the Buffering Hypothesis. Psychological Bulletin, 98(2), 310–357.
Epstein, J. L. (2018). School, Family, and Community Partnerships: Preparing Educators and Improving Schools (3rd ed.). Routledge.
Putnam, R. D. (2000). Bowling Alone: The Collapse and Revival of American Community. Simon & Schuster.
UNICEF. (2021). Parenting for Every Child: Positive Parenting Resources. United Nations Children's Fund.
World Health Organization. (2022). Nurturing Care for Early Childhood Development. World Health Organization.
