يشكل الانسجام بين الوالدين في اتخاذ القرارات التربوية أحد أهم العوامل التي تسهم في بناء بيئة أسرية آمنة ومستقرة، وهو ما تؤكد عليه الجلسة الخامسة من برنامج التربية الوالدية الإيجابية (EPA). فبعد أن تناولت الجلسات السابقة أساليب التربية الإيجابية، ومهارات التواصل، وإدارة الأزمات، وأهمية القدوة الحسنة، تأتي هذه الجلسة لتبرز أن نجاح جميع تلك الممارسات يبقى رهيناً بوجود رؤية تربوية مشتركة بين الأب والأم. فالطفل يحتاج إلى رسائل تربوية واضحة ومتسقة تساعده على فهم الحدود والقواعد، بينما يؤدي تضارب مواقف الوالدين إلى شعوره بالحيرة والارتباك، وقد يدفعه إلى استغلال هذا التناقض أو فقدان الثقة في القواعد المنظمة للحياة الأسرية.
وتؤكد الأدبيات التربوية أن الاتساق في الممارسات الوالدية يعد من أهم مؤشرات جودة التربية، لأنه يوفر للطفل بيئة يمكن التنبؤ بها، ويعزز شعوره بالأمان النفسي، وييسر اكتساب قيم الانضباط وتحمل المسؤولية. أما التناقض المستمر في القرارات، فيؤدي إلى اضطراب المعايير التربوية، ويضعف قدرة الطفل على ضبط سلوكه الداخلي، لأنه يتلقى رسائل مختلفة حول ما هو مقبول وما هو مرفوض (Minuchin, 1974؛ Baumrind, 1991).
بناء رؤية تربوية مشتركة
تفتتح الجلسة بنشاط جماعي يهدف إلى مساعدة الآباء على الاتفاق حول القيم الأساسية التي يرغبون في غرسها في أبنائهم، باعتبار أن الاتفاق على القيم يمثل الخطوة الأولى نحو الاتفاق على الممارسات اليومية. ويقسم المشاركون إلى مجموعات صغيرة، ثم يطلب منهم تحديد أهم القيم التي يرون ضرورة تنميتها لدى أطفالهم وترتيبها حسب الأولوية.
وخلال النقاش، تظهر مجموعة من القيم التي تتكرر لدى معظم الأسر، مثل تنمية الاستقلالية وتحمل المسؤولية، واحترام الآخرين، والالتزام بآداب الحوار، والانضباط في تنظيم الوقت، والمحافظة على النظافة، وترشيد استخدام الشاشات الرقمية، إضافة إلى قيم التعاون، والتضامن، والتسامح، وحل النزاعات بطرق سلمية. وبعد انتهاء عمل المجموعات، تعرض النتائج أمام الجميع، بينما يدون الميسر القيم المشتركة على السبورة لتكون مرجعاً تستند إليه بقية أنشطة الجلسة، مما يعزز شعور المشاركين بأن التربية تقوم على أهداف مشتركة أكثر من اعتمادها على ردود الفعل اللحظية.
التقييم الذاتي لمدى انسجام الوالدين
بعد الاتفاق على القيم، تنتقل الجلسة إلى مرحلة أكثر عمقاً، تتمثل في دعوة الوالدين إلى تأمل واقعهم التربوي، من خلال مجموعة من الأسئلة التي تساعدهم على تقييم درجة الانسجام بينهما في اتخاذ القرارات اليومية. ويطرح الميسر أسئلة مثل: ما القواعد التي تتفقان عليها بصورة كاملة؟ وفي أي المواقف تختلفان؟ وما الرسائل التي قد تصل إلى الطفل عندما يلاحظ هذا الاختلاف؟
ويتيح هذا النشاط للوالدين فرصة مراجعة ممارساتهما بعيداً عن تبادل الاتهامات، حيث يؤكد البرنامج أن الاختلاف في وجهات النظر أمر طبيعي، بل قد يكون مصدراً للإثراء إذا تمت إدارته بالحوار والاحترام. غير أن المشكلة تظهر عندما يتحول هذا الاختلاف إلى رسائل متناقضة يتلقاها الطفل بصورة متكررة، فيفقد القدرة على التمييز بين القواعد الثابتة والقرارات المؤقتة.
فعلى سبيل المثال، إذا سمح أحد الوالدين للطفل باستخدام الهاتف بعد الموعد المتفق عليه، بينما يرفض الطرف الآخر ذلك، فقد يدرك الطفل سريعاً أن القاعدة ليست ثابتة، وإنما تعتمد على الشخص الذي يطلب منه الإذن، مما يشجعه على استثمار هذا التناقض للحصول على ما يريد. وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الخلل في نية الوالدين، وإنما في غياب التنسيق المسبق بينهما.
الاتساق في تطبيق القواعد التربوية
تعرض الجلسة موقفاً تطبيقياً يجسد هذه الفكرة من خلال طفل يستخدم الهاتف بعد الوقت المحدد، فيكتشف الوالدان أن أحدهما سمح بذلك دون انتباه إلى القاعدة المتفق عليها. ويتحول الموقف إلى فرصة للتعاون بين الوالدين، حيث يعترف الأب بخطئه، بينما تؤكد الأم للطفل أن القاعدة متفق عليها بينهما وأن وقت استخدام الهاتف قد انتهى، ثم تقترح نشاطاً بديلاً يتمثل في قراءة قصة معاً.
ويبين هذا النموذج أن الطفل لا يشعر بالإحباط عندما تطبق القواعد بثبات واحترام، بل يشعر بالأمان لأنه يدرك أن الحدود واضحة ولا تتغير بتغير الشخص أو الموقف. كما يلاحظ أن الوالدين يتعاملان مع الاختلاف بينهما بالحوار والتعاون، وهو نموذج يتعلم منه الطفل بدوره كيفية إدارة الخلافات بطريقة صحية.
وتشير الدراسات إلى أن الاتساق في تطبيق القواعد يسهم في تنمية الضبط الذاتي لدى الأطفال، ويقلل من السلوكيات المعارضة، ويعزز الشعور بالاستقرار النفسي، لأن الطفل يستطيع توقع النتائج المترتبة على أفعاله بصورة واضحة (Darling & Steinberg, 1993).
تنظيم الحياة الأسرية
لا يقتصر الانسجام التربوي على الاتفاق حول القواعد، بل يمتد إلى تنظيم الحياة اليومية للأسرة بطريقة تحقق التوازن بين احتياجات جميع أفرادها. ولهذا يقدم برنامج EPA إطاراً عملياً يساعد الأسر على تنظيم حياتها وفق ثلاثة محاور رئيسة.
يتمثل المحور الأول في الطقوس اليومية، حيث يحتاج الطفل إلى إيقاع ثابت يمنحه الشعور بالأمان والانتظام. ويتحقق ذلك من خلال تحديد مواعيد منتظمة للنوم والاستيقاظ والوجبات، وإتاحة وقت يومي للعب الحر، إلى جانب تخصيص لحظات قصيرة يقضيها كل والد مع الطفل بصورة فردية، مما يعزز الارتباط العاطفي ويقوي العلاقة الأسرية. وقد أثبتت الدراسات أن الروتين اليومي المستقر يساعد الأطفال على تنمية الشعور بالأمان، ويقلل من القلق والاضطرابات السلوكية (Spagnola & Fiese, 2007).
أما المحور الثاني فهو التخطيط الأسبوعي، الذي يساعد الأسرة على توزيع وقتها بصورة متوازنة. ويشمل ذلك تخصيص وقت للحوار بين الزوجين بعيداً عن ضغوط الحياة اليومية، لما لذلك من أثر إيجابي في استقرار العلاقة الزوجية، إضافة إلى التخطيط لأنشطة أسرية مشتركة كالنزهات أو الألعاب الجماعية، مع تخصيص وقت فردي لكل طفل يشعره بالاهتمام والتقدير. ويسهم هذا التخطيط في تحقيق توازن صحي بين احتياجات جميع أفراد الأسرة، ويقلل من الضغوط اليومية الناتجة عن الارتجال.
أما المحور الثالث فيتمثل في توزيع الأدوار والمسؤوليات، حيث يشجع البرنامج الوالدين على الاتفاق المسبق حول المهام المنزلية والتربوية، بما يحقق العدالة ويخفف من مصادر التوتر. كما يؤكد أهمية توحيد القواعد قبل تقديمها للطفل، وشرحها بأسلوب هادئ، مع إشراك أفراد الأسرة في احترامها، والاعتماد على التذكير اللطيف والصبر والتعاون عند حدوث المخالفات، بدلاً من تبادل اللوم أو التناقض في ردود الأفعال.
النشاط المنزلي
وتختتم الجلسة بتكليف عملي يدعو الوالدين إلى تخصيص لقاء هادئ بعيداً عن الأبناء، يناقشان فيه ثلاثة محاور رئيسة تتمثل في مراجعة القواعد التربوية المتفق عليها، وتحديد مجالات الاختلاف التي تحتاج إلى تنسيق أكبر، ثم وضع خطة مشتركة لتنظيم الحياة الأسرية خلال الأسبوع المقبل. ويهدف هذا النشاط إلى تحويل ما تعلمه المشاركون خلال الجلسة إلى ممارسة عملية مستمرة، بحيث يصبح الحوار المنتظم بين الوالدين جزءاً من ثقافة الأسرة، وليس مجرد نشاط مرتبط بالدورة التكوينية.
خاتمة
تؤكد الجلسة الخامسة من برنامج التربية الوالدية الإيجابية أن الانسجام بين الوالدين ليس مجرد توافق في الآراء، بل هو عنصر أساسي في بناء الشعور بالأمان لدى الطفل، وفي مساعدته على فهم القواعد واكتساب الضبط الذاتي. فالطفل يحتاج إلى أسرة تقدم له رسائل واضحة ومتسقة، يشعر داخلها بأن والديه يعملان بروح الفريق الواحد، حتى وإن اختلفا في وجهات النظر. ومن خلال الاتفاق على القيم، والتقييم الذاتي للممارسات، وتوحيد القواعد، وتنظيم الحياة الأسرية، يصبح الوالدان أكثر قدرة على توفير بيئة تربوية مستقرة تدعم النمو النفسي والاجتماعي المتوازن للطفل، وتجعل من الأسرة فضاءً قائماً على الحوار، والشراكة، والتعاون.
المراجع
Baumrind, D. (1991). The Influence of Parenting Style on Adolescent Competence and Substance Use. Journal of Early Adolescence, 11(1), 56–95.
Darling, N., & Steinberg, L. (1993). Parenting Style as Context: An Integrative Model. Psychological Bulletin, 113(3), 487–496.
Fiese, B. H., Tomcho, T. J., Douglas, M., Josephs, K., Poltrock, S., & Baker, T. (2002). A Review of 50 Years of Research on Naturally Occurring Family Routines and Rituals. Journal of Family Psychology, 16(4), 381–390.
Minuchin, S. (1974). Families and Family Therapy. Harvard University Press.
Spagnola, M., & Fiese, B. H. (2007). Family Routines and Rituals: A Context for Development in the Lives of Young Children. Infants & Young Children, 20(4), 284–299.
UNICEF. (2021). Parenting for Every Child: Positive Parenting Resources. United Nations Children's Fund.
