تنتقل الجلسة الرابعة من برنامج التربية الوالدية الإيجابية (EPA) إلى أحد أكثر المبادئ التربوية عمقاً وتأثيراً في تنشئة الأطفال، وهو مبدأ القدوة. فبعد أن تناولت الجلسات السابقة الأساليب التربوية، والتواصل الإيجابي، وإدارة المواقف اليومية، تأتي هذه الجلسة لتؤكد أن جميع هذه المهارات لا تحقق أثرها الكامل ما لم يجسدها الوالدان في سلوكهما اليومي. فالطفل لا يتعلم فقط من الكلمات والتوجيهات، وإنما يتعلم قبل كل شيء من خلال ما يراه ويعيشه داخل أسرته. ومن هنا فإن الأب والأم يشكلان المرجعية التربوية الأولى في حياة الطفل، ويؤثران في طريقة تواصله، وإدارته لانفعالاته، وعلاقاته بالآخرين، وحتى في عاداته اليومية ونظرته إلى الحياة.
ويؤكد برنامج التربية الوالدية الإيجابية أن الطفل يراقب باستمرار تفاصيل الحياة الأسرية، فيتعلم منها بصورة تلقائية، سواء كانت هذه السلوكيات مقصودة أم غير مقصودة. ولذلك فإن بناء طفل متوازن لا يبدأ بتغيير الطفل نفسه، وإنما يبدأ بمراجعة السلوكيات التي يقدمها الوالدان نموذجاً يحتذى به كل يوم.
الأساس العلمي للتعلم بالملاحظة
يفسر علم الأعصاب الحديث جانباً مهماً من ظاهرة التقليد لدى الأطفال من خلال ما يعرف بالخلايا العصبية المرآتية (Mirror Neurons)، وهي مجموعة من الخلايا العصبية التي تنشط عندما يقوم الإنسان بسلوك معين، كما تنشط أيضاً عندما يشاهد شخصاً آخر يؤدي السلوك نفسه. وقد أدى اكتشاف هذه الخلايا إلى فهم أعمق لكيفية تعلم الأطفال بالملاحظة والمحاكاة، إذ تشير الدراسات إلى أن الدماغ لا يكتفي بمشاهدة السلوك، بل يعالجه كما لو أن صاحبه يقوم به فعلياً، مما يسهل عملية التعلم والتقليد.
وبناءً على هذا الأساس العلمي، يصبح من الطبيعي أن يقلد الطفل طريقة حديث والديه، وأسلوب تعاملهما مع الضغوط، وكيفية حل الخلافات، وطريقة استخدام الهاتف، وعلاقتهما بالقراءة، واحترامهما للنظام والقانون، وحتى نبرة الصوت ولغة الجسد. فالطفل لا يميز بين ما يقوله والداه وما يفعلانه، وإنما يمنح الأولوية دائماً لما يراه في الواقع. وقد بينت نظرية التعلم الاجتماعي لألبرت باندورا أن التعلم بالملاحظة يعد أحد أهم مصادر اكتساب السلوك الإنساني، وأن الأطفال يكتسبون أنماطاً سلوكية كاملة بمجرد مشاهدة النماذج التي يعيشون معها بصورة يومية (Bandura, 1977).
ولهذا يقترح البرنامج عرض دعامتين بصريتين خلال الجلسة؛ الأولى تشرح مفهوم الخلايا العصبية المرآتية وآلية عملها في التعلم بالملاحظة، والثانية تبين أثر الدور الأبوي في تشكيل شخصية الطفل. وبعد مشاهدة هذين الموردين، يوجه المنشط سؤالاً مفتوحاً إلى المشاركين: ما السلوكيات التي لاحظتم أن أبناءكم يقلدونها منكم، سواء كانت إيجابية أم سلبية؟ ويشكل هذا السؤال مدخلاً لتأمل الآباء في أثر سلوكهم اليومي أكثر من تركيزهم على سلوك أطفالهم.
القدوة العملية أساس التربية
بعد استيعاب الأساس العلمي للتعلم بالملاحظة، تنتقل الجلسة إلى تطبيق هذا المفهوم من خلال مواقف حياتية بسيطة تعكس أثر القدوة في التربية.
في الموقف الأول، يبدأ الأب بترتيب أدوات المطبخ ووضع كل شيء في مكانه المناسب، ثم يدعو طفله إلى ترتيب ألعابه بالطريقة نفسها، دون إصدار أوامر أو توبيخ. ويتعلم الطفل هنا قيمة النظام من خلال المشاهدة قبل التوجيه.
وفي الموقف الثاني، تجلس الأم تقرأ كتاباً أمام طفلها، فيبدي الطفل رغبته في القراءة أيضاً. ولم تكن الأم بحاجة إلى إلقاء محاضرة عن أهمية القراءة، لأن سلوكها العملي كان كافياً لإثارة فضول الطفل ودافعيته للتعلم.
أما في الموقف الثالث، فيشاهد الطفل والده يحافظ على نظافة الشارع، ويلتزم بقواعد المرور، وينتظر الضوء الأخضر قبل العبور. ومن خلال هذا السلوك البسيط يتعلم الطفل قيم المواطنة، واحترام القانون، والمحافظة على البيئة، دون أن يتلقى درساً مباشراً في التربية المدنية.
وتوضح هذه المواقف أن الطفل لا يحتاج دائماً إلى التعليمات، بل يحتاج إلى نموذج حي يراه باستمرار. فالوالد الذي يمارس النظام يعلم النظام، والوالد الذي يقرأ يغرس حب القراءة، والوالد الذي يحترم الآخرين يعلم الاحترام بصورة تلقائية.
القدوة في التربية من المنظور الإسلامي
يولي الإسلام أهمية كبيرة لمبدأ القدوة، ويجعله من أهم وسائل التربية والإصلاح. فالقرآن الكريم يؤكد أن انسجام القول مع الفعل شرط أساسي للتأثير في الآخرين، قال تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾
(سورة الصف: 2–3).
وتبين هذه الآية أن المربي يكون أكثر تأثيراً عندما يطبق ما يدعو إليه، لأن الأفعال أبلغ من الأقوال.
كما يقول الله تعالى:
﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾
(سورة فصلت: 34).
وتبرز هذه الآية القوة التربوية للسلوك الحسن، وقدرته على تغيير النفوس وبناء العلاقات الإيجابية.
ويقول سبحانه وتعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾
(سورة التحريم: 6).
وتدل هذه الآية على أن مسؤولية الوالدين لا تقتصر على النصح، وإنما تشمل التربية العملية، والتوجيه المستمر، وتقديم النموذج الصالح الذي يقتدي به الأبناء.
وقد جسد الرسول صلى الله عليه وسلم هذا المبدأ في حياته كلها، فكان يربي أصحابه وأهل بيته بسلوكه قبل كلامه، ولذلك كان أعظم قدوة في التاريخ الإنساني.
نشاط "مرآة السلوك"
يقترح البرنامج نشاطاً تفاعلياً يحمل عنوان "مرآة السلوك"، ويهدف إلى مساعدة الآباء على إدراك أثر سلوكياتهم اليومية في تشكيل شخصية الطفل.
يدعو المنشط المشاركين إلى استحضار موقف حقيقي لاحظوا فيه أن أبناءهم قلدوا سلوكاً معيناً صدر عنهم، سواء كان سلوكاً إيجابياً أو سلبياً. وبعد مشاركة هذه التجارب، يجسد بعض المشاركين تلك المواقف من خلال لعب الأدوار، ثم يناقش الجميع الرسائل التربوية التي حملتها تلك السلوكيات، وكيف يمكن تحويلها إلى فرص لبناء عادات إيجابية داخل الأسرة.
ويكشف هذا النشاط أن كثيراً من السلوكيات التي يكتسبها الأطفال لا تكون نتيجة أوامر مباشرة، بل نتيجة الملاحظة المستمرة لما يفعله الوالدان في حياتهما اليومية. ومن هنا يدرك المشاركون أن كل تصرف يصدر عنهم، مهما بدا بسيطاً، يحمل رسالة تربوية قد تستمر آثارها سنوات طويلة.
النشاط التأملي: الشخص الذي ترك أثراً في طفولتنا
ومن أكثر الأنشطة تأثيراً في هذه الجلسة نشاط تأملي يدعو المشاركين إلى العودة بذاكرتهم إلى مرحلة الطفولة، واستحضار شخص ترك في حياتهم أثراً إيجابياً لا يزال حاضراً حتى اليوم. ويطلب منهم أن يغلقوا أعينهم لبضع دقائق، ثم يستحضروا صورة ذلك الشخص، ويتأملوا صفاته، والطريقة التي كان يعاملهم بها، والمواقف التي جعلته باقياً في ذاكرتهم.
بعد ذلك يصف كل مشارك هذا النموذج، مع التركيز على السلوكيات والقيم التي ميزته، مثل الصبر، والابتسامة، والعدل، والصدق، والاحتواء، والإنصات، أو التشجيع المستمر. وعقب مشاركة هذه الذكريات، يقود المنشط نقاشاً يبين أن ما بقي راسخاً في الذاكرة لم يكن الكلمات وحدها، بل الطريقة التي كان يعامل بها ذلك الشخص الآخرين، والمشاعر الإيجابية التي كان يزرعها في نفوس من حوله.
ويساعد هذا النشاط الآباء على إدراك أن أبناءهم سيحتفظون مستقبلاً بذكريات مشابهة عنهم، وأن ما يترك الأثر العميق في الطفل ليس كثرة النصائح، وإنما نوعية العلاقة التي يعيشها مع والديه، وما يقدمانه له من احترام، وحنان، وثقة، وقدوة حسنة.
خاتمة
تؤكد الجلسة الرابعة من برنامج التربية الوالدية الإيجابية أن التربية تبدأ من سلوك الوالدين قبل كلماتهما، وأن الطفل يتعلم بالمشاهدة أكثر مما يتعلم بالتوجيه المباشر. فالوالدان يشكلان المدرسة الأولى التي يتكون فيها ضمير الطفل وقيمه وعاداته وأنماط تفاعله مع العالم. ومن خلال فهم آليات التعلم بالملاحظة، واستثمار مبدأ القدوة الحسنة، وتنفيذ أنشطة تأملية وتفاعلية مثل "مرآة السلوك"، يصبح الآباء أكثر وعياً بمسؤوليتهم اليومية في بناء شخصية أبنائهم. وهكذا تتحول التربية من سلسلة أوامر وتعليمات إلى نموذج حي يعيش معه الطفل القيم التي نرجو أن يحملها طوال حياته.
المراجع
عن المؤسسة المغربية للتعليم الأولي
Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. Prentice-Hall.
Bandura, A. (1986). Social Foundations of Thought and Action: A Social Cognitive Theory. Prentice-Hall.
Gallese, V., & Goldman, A. (1998). Mirror neurons and the simulation theory of mind-reading. Trends in Cognitive Sciences, 2(12), 493–501.
Rizzolatti, G., & Craighero, L. (2004). The Mirror-Neuron System. Annual Review of Neuroscience, 27, 169–192.
Siegel, D. J., & Bryson, T. P. (2012). The Whole-Brain Child. Delacorte Press.
وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية. القرآن الكريم. سور: الصف، فصلت، والتحريم.
