تستكمل الجلسة الثالثة من برنامج التربية الوالدية الإيجابية (EPA) أهدافها بالانتقال من التعرف إلى الأساليب التربوية إلى اكتساب أدوات عملية تساعد الآباء والأمهات على تطبيق التربية الإيجابية في حياتهم اليومية. فإذا كان الجزء الأول قد رسخ فكرة أن الوالدية مهارة تكتسب وليست فطرة جاهزة، فإن هذا الجزء الثاني يركز على كيفية ترجمة هذه القناعة إلى ممارسات تواصلية وسلوكية تعزز العلاقة بين الوالدين وأبنائهم. ويهدف البرنامج إلى تمكين الآباء من اكتشاف أثر أساليبهم التربوية من خلال التجربة المباشرة، ثم تزويدهم بوسائل علمية تساعدهم على إدارة المواقف اليومية الصعبة بطريقة قائمة على الاحترام والتعاطف والحزم في آن واحد.
ويبدأ هذا الجزء بلحظة تشاركية قصيرة يدعو فيها المنشط المشاركين إلى استحضار ما تعلموه في الجزء الأول من الجلسة، وذلك من خلال سؤالين بسيطين يتمحور الأول حول الفكرة التي أثرت فيهم أكثر من غيرها، بينما يدعوهم الثاني إلى التفكير فيما إذا كانت الجلسة السابقة قد دفعتهم إلى مراجعة إحدى ممارساتهم التربوية. ولا يقتصر هذا التوقف على كونه وسيلة لاسترجاع المعارف السابقة، بل يسهم أيضاً في تعزيز الشعور بالتقدير، ويمنح كل مشارك فرصة للتعبير عن تجربته الشخصية، وهو ما يتوافق مع مبادئ تعليم الكبار التي تؤكد أهمية الانطلاق من خبرات المتعلمين وربط المعرفة الجديدة بما يمتلكونه من تجارب سابقة (Knowles, Holton & Swanson, 2015).
ويرتكز هذا الجزء من البرنامج على ثلاثة محاور رئيسة تتمثل في تجسيد الأساليب التربوية من خلال لعب الأدوار، واكتساب مهارات التواصل اللاعنفي، ثم التعرف إلى أدوات عملية تساعد الأسرة على التعامل مع المواقف اليومية والأزمات السلوكية التي قد يمر بها الطفل أو الوالدان.
ويعد لعب الأدوار من أهم الأنشطة التطبيقية التي يعتمدها البرنامج، لأنه يتيح للآباء الانتقال من مجرد الاستماع إلى التجربة الفعلية. ويختار المنشط موقفاً يومياً مألوفاً، كرفض الطفل النوم أو امتناعه عن ترتيب ألعابه، ثم يوزع الأدوار بين المشاركين، بحيث يجسد أحدهم الأسلوب السلطوي القائم على الأوامر والتهديد، بينما يجسد الآخر الأسلوب المتساهل الذي يغيب فيه الحزم والحدود، ويؤدي مشارك ثالث الأسلوب الإيجابي الذي يجمع بين الحزم والتفهم، في حين يقوم مشارك رابع بدور الطفل في المواقف الثلاثة. وبعد انتهاء كل تمثيل، يدعى الشخص الذي أدى دور الطفل إلى وصف مشاعره، وتحديد الموقف الذي شعر فيه بالأمان والاحترام، قبل فتح نقاش جماعي حول الفروق الجوهرية بين الأساليب الثلاثة وأثر كل منها في سلوك الطفل.
وتساعد هذه التجربة المشاركين على إدراك أن الطفل لا يحتاج إلى الخوف حتى يلتزم بالقواعد، كما لا يحتاج إلى غياب الحدود حتى يشعر بالحب، وإنما يحتاج إلى بيئة تربوية متوازنة يشعر فيها بالأمان والاحترام مع وجود قواعد واضحة وثابتة. ولهذا يخلص المشاركون عادة إلى أن الأسلوب الإيجابي هو الأكثر قدرة على تحقيق التعاون الداخلي لدى الطفل، لأنه يبني الانضباط الذاتي بدلاً من الطاعة المؤقتة الناتجة عن الخوف أو الاستجابة العابرة الناتجة عن التساهل.
وبعد هذا النشاط، ينتقل البرنامج إلى أحد أهم محاوره التطبيقية، وهو التواصل اللاعنفي (Nonviolent Communication - NVC)، الذي طوره عالم النفس الأمريكي مارشال روزنبرغ. ويعد هذا النموذج من أكثر نماذج التواصل استخداماً في التربية الحديثة، لأنه يقوم على بناء الحوار من خلال التعاطف، والاحترام المتبادل، والتعبير الصادق عن المشاعر والاحتياجات، بدلاً من اللوم أو التهديد أو إصدار الأحكام. ويرى روزنبرغ أن أغلب الصراعات الإنسانية لا تنشأ بسبب سوء النوايا، وإنما نتيجة العجز عن التعبير عن الاحتياجات بصورة واضحة ومحترمة (Rosenberg, 2015).
ويعتمد التواصل اللاعنفي على أربعة مكونات مترابطة. تبدأ الخطوة الأولى بالملاحظة الموضوعية، حيث يصف الوالد السلوك كما هو دون إضافة أحكام أو أوصاف سلبية. فبدلاً من القول: "أنت دائماً فوضوي"، يصف الواقع قائلاً: "ألاحظ أن ألعابك ما تزال منتشرة في الغرفة". ويساعد هذا الأسلوب على تجنب شعور الطفل بالاتهام أو التقليل من قيمته، ويجعل الحوار أكثر هدوءاً وموضوعية.
وتتمثل الخطوة الثانية في التعبير عن المشاعر، إذ يعبر الوالد بصدق عما يشعر به نتيجة هذا الموقف، دون أن يحمل الطفل مسؤولية تلك المشاعر. فعوض أن يقول: "أنت تزعجني"، يمكنه أن يقول: "أشعر بالقلق". ويؤدي هذا التحول اللغوي إلى تعليم الطفل أن المشاعر أمر طبيعي يمكن التعبير عنه بطريقة هادئة، كما يحد من ميل الحوار إلى الصراع أو الدفاع عن النفس.
أما الخطوة الثالثة فتتمثل في توضيح الحاجة التي تقف وراء ذلك الشعور، لأن نموذج التواصل اللاعنفي يفترض أن المشاعر ترتبط دائماً باحتياجات إنسانية أساسية. ففي المثال السابق، يمكن للوالد أن يوضح قائلاً: "أحتاج إلى أن يكون المنزل مرتباً حتى أشعر بالراحة والاطمئنان". ويؤدي هذا الأسلوب إلى نقل التركيز من اتهام الطفل إلى شرح الاحتياج الحقيقي الذي يسعى الوالد إلى تحقيقه.
وتتمثل الخطوة الرابعة في تقديم طلب واضح، محدد، وقابل للتنفيذ، بعيداً عن التهديد أو الإكراه. فيمكن للوالد أن يقول: "هل يمكنك أن ترتب ألعابك قبل موعد النوم؟". ويتميز هذا الطلب بأنه يحترم الطفل ويمنحه فرصة للتعاون بإرادته، بدلاً من فرض الطاعة بالقوة أو التخويف.
وعند جمع هذه المكونات الأربع في موقف واحد، يتحول الخطاب التربوي من لغة قائمة على النقد واللوم إلى لغة قائمة على الحوار والاحترام، فيقول الوالد: "عندما أرى ألعابك ما تزال منتشرة في الغرفة، أشعر بالقلق لأنني أحتاج إلى أن يكون المكان مرتباً وآمناً، فهل يمكنك أن ترتبها قبل وقت النوم؟". ويبرز هذا المثال كيف يمكن للجمل البسيطة أن تغير طبيعة العلاقة بين الوالد والطفل، دون أن يفقد الوالد سلطته التربوية أو يتخلى عن القواعد الأسرية.
ويؤكد البرنامج أن التواصل اللاعنفي لا يهدف إلى إلغاء السلطة الوالدية، بل إلى إعادة بنائها على أساس الاحترام والتعاون. فهو يستبدل اللوم بالملاحظة، والنقد بالتعبير عن المشاعر، والأوامر القسرية بطلبات واضحة ومحترمة. كما يرسخ لدى الطفل القدرة على فهم مشاعره والتعبير عنها، وهي مهارة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالذكاء العاطفي والصحة النفسية في المستقبل (Goleman, 1995).
ولتعزيز اكتساب هذه المهارات، يقترح البرنامج تنظيم ورشات تطبيقية يستخدم فيها الآباء بطاقات المشاعر والاحتياجات، إلى جانب تمثيل مواقف واقعية يعيشونها مع أطفالهم، حتى يتدربوا عملياً على تحويل مواقف الغضب أو الإحباط إلى فرص للحوار والتفاهم. ويؤكد البرنامج أن الهدف ليس منع الغضب أو إنكار الانفعالات، وإنما تعلم التعبير عنها بطريقة بناءة تحافظ على العلاقة وتساعد الطفل على التعلم.
وتختتم الجلسة بمشهد تطبيقي تجسد فيه أم مبادئ التواصل اللاعنفي أثناء حديثها مع طفلها الذي يترك ألعابه مبعثرة في الغرفة. فتبدأ بملاحظة الواقع دون لوم، ثم تعبر عن قلقها على سلامته، وتوضح حاجتها إلى أن يكون المكان آمناً ومنظماً، قبل أن تدعوه إلى التعاون معها في ترتيب الألعاب مع وعد بالسماح له بالعودة إلى اللعب بعد الانتهاء. ويظهر هذا النموذج كيف يمكن للحزم والاحترام أن يجتمعا في موقف واحد، بحيث يشعر الطفل بأنه مفهوم ومحترم، وفي الوقت نفسه يدرك مسؤوليته تجاه القواعد الأسرية.
خاتمة
يبرز الجزء الثاني من الجلسة الثالثة أن نجاح التربية الإيجابية لا يعتمد فقط على معرفة الأساليب التربوية، بل يرتبط أيضاً بامتلاك أدوات تواصل فعالة تساعد الوالدين على تحويل المواقف اليومية إلى فرص للتعلم والنمو. ومن خلال لعب الأدوار، والتواصل اللاعنفي، والتدريب العملي على التعبير عن المشاعر والاحتياجات، يكتسب الآباء والأمهات مهارات تمكنهم من بناء علاقة تقوم على الثقة، والتعاون، والاحترام المتبادل. ويؤكد البرنامج أن التربية الإيجابية ليست مجموعة من التعليمات الجاهزة، وإنما أسلوب حياة يقوم على التعلم المستمر، والوعي الذاتي، والإيمان بأن كل حوار هادئ مع الطفل يسهم في بناء شخصيته وتنمية قدرته على ضبط ذاته والتفاعل الإيجابي مع الآخرين.
المراجع
عن المؤسسة المغربية للتعليم الأولي
Goleman, D. (1995). Emotional Intelligence. Bantam Books.
Knowles, M. S., Holton, E. F., & Swanson, R. A. (2015). The Adult Learner (8th ed.). Routledge.
Nelsen, J. (2015). Positive Discipline (Revised Edition). Ballantine Books.
Rosenberg, M. B. (2015). Nonviolent Communication: A Language of Life (3rd ed.). PuddleDancer Press.
Siegel, D. J., & Bryson, T. P. (2012). The Whole-Brain Child. Delacorte Press.
UNICEF. (2021). Parenting for Every Child: Positive Parenting Resources. United Nations Children's Fund.
