الولادة المبكرة: تعريفها، انتشارها، آثارها، وسبل دعم نمو الأطفال الخدج

يولد معظم الأطفال بعد اكتمال مدة الحمل، أي بعد حوالي 42 أسبوعًا من انقطاع الطمث (Semaines d'aménorrhée)، وهي المدة التي تُحسب ابتداءً من اليوم الأول لآخر دورة شهرية للأم. غير أن نسبة من الأطفال، تُقدر بحوالي 10% من مجموع المواليد، يولدون قبل بلوغ هذا الأجل، ويُطلق عليهم اسم الأطفال المبتسرين أو الخدج. وتكتسب دراسة الولادة المبكرة أهمية كبيرة، لأن فهم خصائص هؤلاء الأطفال يساعد الباحثين والأطباء على معرفة قدراتهم، وكيفية تفاعلهم مع البيئة المحيطة، مما يسمح بتقديم أفضل الوسائل لدعم نموهم النفسي والجسدي.

ولكي يتم تحديد مفهوم الولادة المبكرة بدقة، تعتمد منظمة الصحة العالمية (OMS) تعريفًا واضحًا، إذ تعتبر أن كل ولادة تحدث قبل الأسبوع السابع والثلاثين من الحمل تُعد ولادة مبكرة. وبعد ذلك تُقسم الولادات المبكرة إلى عدة فئات تبعًا لعمر الحمل. فهناك الولادة المبكرة القصوى، وهي التي تحدث قبل الأسبوع الثامن والعشرين من الحمل، إلا أنها نادرة جدًا. أما أغلب الولادات المبكرة فتحدث بين 30 و32 أسبوعًا من الحمل، وتشكل هذه الفئة حوالي 80% من جميع حالات الولادة المبكرة. ويؤكد الباحث أن الأطفال الذين يولدون قبل الأسبوع الثامن والعشرين هم الأكثر عرضة للمضاعفات التي قد تؤثر في نموهم لاحقًا.


خطاطة للمادة


ولا تُعد الولادة المبكرة ظاهرة هامشية أو نادرة، بل تمثل قضية صحية عالمية. فالإحصاءات تشير إلى أن حوالي 10% من الأطفال المولودين سنويًا في العالم يولدون قبل الأوان، أي ما يزيد على 15 مليون طفل كل سنة. كما تبين البيانات أن نسبة الولادات المبكرة في تزايد مستمر في مختلف أنحاء العالم، سواء في الدول الغنية أو في الدول ذات الدخل المنخفض. ففي البلدان الغنية، ارتفعت النسبة من حوالي 5 أو 6% إلى 7 أو 8%، كما لوحظت زيادة مماثلة في الدول الفقيرة.

وقد تترتب على الولادة المبكرة آثار مختلفة في النمو النفسي والعصبي للطفل. فقد يعاني بعض الأطفال من اضطرابات حركية قد تصل إلى الشلل، أو من صعوبات معرفية وفكرية، أو من اضطرابات في المجال الانفعالي والعاطفي، إضافة إلى مشكلات أخرى قد تؤثر في تطورهم. ومع ذلك، يوضح الباحث أن هذه المضاعفات لا تصيب جميع الأطفال المبتسرين، وإنما تقتصر أساسًا على نسبة صغيرة منهم، وخاصة أولئك الذين وُلدوا قبل الأسبوع الثامن والعشرين من الحمل.

ولفهم كيفية مساعدة هؤلاء الأطفال، يركز الباحثون على مجالين أساسيين يمكن التدخل فيهما لتحسين نموهم النفسي.

يتمثل المجال الأول في بيئة قسم حديثي الولادة (الخداج أو طب حديثي الولادة – Néonatologie)، حيث يقضي الطفل المبتسر الأسابيع الأولى من حياته. ويدرس الباحثون في هذا المجال تأثير مختلف المثيرات الحسية التي يتعرض لها الطفل، مثل الأصوات، والإضاءة، والروائح، والمثيرات البصرية. ويتساءلون عما إذا كانت هذه المثيرات مناسبة لحاجاته، أو أنها قوية جدًا، مثل الضوضاء أو شدة الإضاءة، أو أنها غير كافية، مما قد يحرم الطفل من بعض الخبرات الحسية الضرورية لنموه. لذلك يسعى الباحثون إلى معرفة أفضل الظروف البيئية التي يمكن أن تدعم النمو النفسي للطفل داخل قسم حديثي الولادة.

أما المجال الثاني فيتعلق بالبيئة الأسرية، لأن الولادة المبكرة لا تؤثر في الطفل وحده، بل تُحدث أيضًا ضغوطًا نفسية وقلقًا شديدًا لدى الأسرة، وخاصة لدى الأم، التي قد تشعر بالذنب وتحمل نفسها مسؤولية ولادة طفلها قبل الأوان. ولهذا السبب، أصبحت البيئة الأسرية موضوعًا مهمًا للبحث، إذ يسعى المختصون إلى مساعدة الوالدين على فهم قدرات الطفل المبتسر، والتعرف إلى سلوكياته، وتعلم الطريقة المناسبة للتفاعل معه. فكلما ازدادت معرفة الوالدين بخصائص طفلهم وبكيفية التواصل معه، ازدادت فرص تكوين تفاعلات إيجابية تدعم نموه النفسي وتساعده على التطور.

وتبين الدراسات أن فهم الولادة المبكرة يتطلب تكاملًا بين التخصصات الطبية والنفسية. فمن الناحية الطبية، تؤدي أقسام حديثي الولادة دورًا أساسيًا في ضمان بقاء الطفل على قيد الحياة، وتقديم الرعاية والعلاجات المناسبة له. أما من الناحية النفسية، فيعمل الباحثون على فهم سلوك الطفل المبتسر، وتحديد كيفية استجابته للمثيرات المختلفة، وكيف يمكن للوالدين ملاحظة إشاراته وسلوكياته، مثل معرفة ما إذا كان يشعر بالتوتر أو بالراحة، وما إذا كان يستجيب للمثيرات التي يتعرض لها أو لا يستجيب لها. ويساعد هذا الفهم الوالدين على بناء تفاعل إيجابي مع طفلهم، وهو تفاعل يعد عنصرًا أساسيًا في تعزيز نموه النفسي.

وفي الختام، تؤكد الدراسات أن الولادة المبكرة ليست مجرد حدث طبي يتعلق بخروج الطفل إلى الحياة قبل موعده، بل هي حالة تستوجب فهمًا شاملًا يجمع بين الطب وعلم النفس. كما أن تحسين البيئة داخل أقسام حديثي الولادة، ومساندة الأسرة وتوجيهها، وفهم قدرات الطفل المبتسر وكيفية تفاعله مع محيطه، كلها عوامل تسهم في دعم نموه النفسي والجسدي، وتزيد من فرص تطوره بصورة سليمة.

 عن جامعة جنيف

el-masoudy mohamed

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم