تتميز الأنظمة الحسية لدى الأطفال المبتسرين بعدم اكتمال نضجها مقارنة بالأطفال المولودين في موعدهم الطبيعي، ويزداد هذا النقص في النضج كلما كانت الولادة أكثر تبكيرًا. ولهذا يسعى الباحثون إلى الإجابة عن سؤالين رئيسيين: كيف تتطور القدرات الحسية لدى الأطفال المبتسرين؟ وهل تشبه قدرات الأطفال المولودين في موعدهم أم تختلف عنها؟
وللإجابة عن هذين السؤالين، تُدرس الحواس وفق ترتيب تطورها داخل الرحم، إذ تنمو بشكل متسلسل يبدأ بحاسة اللمس، ثم الشم، ثم التذوق، ثم السمع، وأخيرًا البصر.
أولًا: حاسة اللمس
اعتمد الباحثون في دراسة الإدراك اللمسي لدى الأطفال المبتسرين على طريقة التعوّد والاستجابة للجِدّة. فقد وضعوا في يد الطفل المبتسر جسمًا صغيرًا، إما منشورًا (Prisme) أو أسطوانة (Cylindre)، وكرروا تقديم الجسم نفسه حتى يعتاد عليه الطفل. وكان ذلك يظهر من خلال أنه يبدأ بالإفلات من الجسم بسرعة أكبر كلما تكرر تقديمه له، وهو ما يدل على حدوث التعوّد اللمسي.
وبعد التأكد من تعوّد الطفل على الجسم الأول، قدم الباحثون له جسمًا مختلفًا في اليد نفسها. وقد أظهرت النتائج أن الطفل يستعيد اهتمامه بالجسم الجديد، فيحتفظ به في يده مدة أطول مقارنة بالجسم الذي اعتاد عليه. وقد بينت هذه التجربة أن الأطفال المبتسرين، ابتداءً من ثلاثة أشهر قبل الموعد الطبيعي للولادة، يستطيعون تذكر الجسم الذي لمسوه، كما يستطيعون التمييز بين الأجسام المختلفة في الشكل.
ولم يكتف الباحثون بذلك، بل درسوا أيضًا ما يعرف بـ الانتقال بين اليدين (Transfert intermain). ففي هذه التجربة، عُوِّد الطفل على جسم معين في إحدى يديه، ثم بعد انتهاء مرحلة التعوّد، عُرض عليه الجسم المألوف والجسم الجديد في اليد الأخرى. فإذا كان التعوّد قد تم في اليد اليمنى، فإن الاختبار كان يُجرى في اليد اليسرى، والعكس صحيح.
وقد كشفت النتائج أن الأطفال المبتسرين أبدوا تفضيلًا للجسم الجديد عند اختباره باليد الأخرى، مما يدل على انتقال المعلومات من يد إلى أخرى. ويُفسَّر ذلك بوجود تواصل وظيفي مبكر بين نصفي الكرة المخية، حيث تنتقل المعلومات اللمسية من أحد نصفي الدماغ إلى النصف الآخر. وتؤكد هذه النتائج أن الأطفال المبتسرين يمتلكون، منذ ثلاثة أشهر قبل موعد الولادة الطبيعي، قدرة مبكرة على تبادل المعلومات بين نصفي الدماغ.
وبناءً على مجمل هذه الدراسات، خلص الباحثون إلى أن القدرات اللمسية للأطفال المبتسرين تشبه إلى حد كبير القدرات الموجودة لدى الأطفال المولودين في موعدهم الطبيعي، كما أنها تظهر في مرحلة مبكرة جدًا من النمو.
ثانيًا: حاسة الشم
اهتم الباحثون بعد ذلك بدراسة الإدراك الشمي لدى الأطفال المبتسرين، وقارنوه بإدراك الأطفال المولودين في موعدهم الطبيعي. ولتحقيق ذلك، استخدموا أيضًا طريقة التعوّد والاستجابة للجِدّة، حيث عرضوا على الأطفال رائحتين مختلفتين هما الفانيليا واليانسون. وقد تعوّد نصف الأطفال على رائحة الفانيليا، بينما تعوّد النصف الآخر على رائحة اليانسون.
واعتمد الباحثون في قياس الاستجابة على تعابير الوجه. فمع تكرار تقديم الرائحة نفسها، انخفضت الحركات والتعابير الوجهية، مما دل على حدوث التعوّد. وعندما قُدمت الرائحة الجديدة، ازدادت تعابير الوجه من جديد، وهو ما دل على أن الأطفال، سواء كانوا مبتسرين أو مولودين في موعدهم، قادرون على تذكر الروائح والتمييز بينها منذ وقت مبكر جدًا.
وفي دراسة أخرى، لم يقتصر الباحثون على التمييز بين الروائح، بل ركزوا على قيمتها الانفعالية. فقد استخدموا رائحتين مختلفتين؛ الأولى هي الفانيليا بوصفها رائحة محببة، والثانية حمض البيوتيريك (Acide butyrique)، وهي رائحة كريهة تشبه رائحة الزبدة الفاسدة.
وقد أظهرت النتائج أن الأطفال المبتسرين يزداد معدل تنفسهم عند استنشاق رائحة الفانيليا، بينما ينخفض معدل التنفس عند استنشاق رائحة حمض البيوتيريك. ويُفسر الباحثون ذلك بأن الإنسان عندما يشم رائحة محببة يميل إلى التنفس بسرعة أكبر للاستمتاع بها، بينما يحاول تقليل تنفسه عند وجود رائحة كريهة، مما يؤدي إلى تباطؤ معدل التنفس. وتبين هذه الدراسة أن الأطفال المبتسرين لا يميزون بين الروائح فحسب، بل يميزون أيضًا بين الرائحة السارة والرائحة غير السارة وفقًا لقيمتها الانفعالية.
كما تناولت دراسة ثالثة التعلم الشمي لدى الأطفال المبتسرين. فقد وضع الباحثون داخل حاضنة بعض الأطفال وشاحًا يحمل رائحة الفانيليا لمدة سبع عشرة ساعة، بينما لم يتعرض أطفال آخرون لهذه الرائحة. وبعد ذلك خضع جميع الأطفال لسحب عينة دم، وهو إجراء طبي روتيني.
وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين تعرضوا مسبقًا لرائحة الفانيليا أبدوا عددًا أقل من تعابير الألم والبكاء أثناء أخذ عينة الدم مقارنة بالأطفال الذين لم يتعرضوا للرائحة. وقد دل ذلك على أن الأطفال المبتسرين قادرون على التعلم من خلال الروائح، وأن هذا التعلم يمكن أن يساعدهم في التخفيف من الإحساس بالألم.
ثالثًا: حاسة التذوق
أما بالنسبة للتذوق، فيوضح الباحث أن خبرة الأطفال المبتسرين في هذا المجال محدودة في بداية حياتهم، لأن معظمهم يُغذَّى بواسطة أنبوب تغذية يصل إلى المعدة عبر الفم أو الأنف، ولذلك لا يختبر الطعام بالطريقة الطبيعية خلال الفترة الأولى بعد الولادة.
ورغم هذا النقص في الخبرة التذوقية، فقد أجريت دراسة قديمة نسبيًا لاختبار قدرتهم على التمييز بين المذاقات. ففي هذه الدراسة، وُضع على لهاية الطفل قبل التغذية بالأنبوب محلول سكري أو ماء عادي. وقد لاحظ الباحثون أن الأطفال الذين تلقوا المحلول السكري أظهروا زيادة واضحة في حركات المص غير الغذائي (Succion non nutritive)، في حين لم يظهر الأطفال الذين تلقوا الماء أي تغير في هذا السلوك.
وتؤكد هذه النتائج أن الأطفال المبتسرين، رغم قلة خبرتهم في التذوق، يمتلكون منذ وقت مبكر قدرة على التمييز بين المذاقات، كما أنهم يظهرون تفضيلًا واضحًا للطعم الحلو.
خاتمة
تُظهر مجمل هذه الدراسات أن الأطفال المبتسرين يمتلكون قدرات حسية تظهر في مراحل مبكرة جدًا من النمو، رغم عدم اكتمال نضج أجهزتهم الحسية مقارنة بالأطفال المولودين في موعدهم الطبيعي. فقد أثبتت الأبحاث أنهم قادرون على التذكر والتمييز اللمسي، ونقل المعلومات بين اليدين، والتمييز بين الروائح وتقييمها انفعاليًا، والتعلم من الخبرات الشمية، إضافة إلى امتلاكهم قدرة مبكرة على تمييز المذاقات وتفضيل الطعم الحلو. وتشير هذه النتائج إلى أن القدرات الحسية الأساسية لدى الأطفال المبتسرين تشبه إلى حد كبير تلك الموجودة لدى الأطفال المولودين عند اكتمال الحمل، وهو ما يساعد الباحثين والأطباء على فهم احتياجاتهم ووضع برامج رعاية تدعم نموهم الحسي والنفسي منذ الأسابيع الأولى من حياتهم.
عن جامعة جنيف
