التكامل الحسي لدى حديثي الولادة وتطور التواصل بين الحواس

التكامل الحسي لدى حديثي الولادة 

كان يُعتقد في الماضي أن الطفل حديث الولادة يدرك العالم من خلال حواس منفصلة، بحيث يكون ما يراه مختلفًا عما يلمسه أو يسمعه. غير أن الأبحاث الحديثة أثبتت أن هذا التصور غير صحيح، إذ يمتلك الرضيع منذ الأيام الأولى من حياته قدرة على التكامل الحسي، أي الربط بين المعلومات القادمة من الحواس المختلفة لتكوين إدراك موحد للعالم المحيط به.

يعتمد هذا التكامل على قدرة الطفل على نقل المعلومات من حاسة إلى أخرى. فعندما يُوضع في يد الرضيع جسم معين، مثل منشور أو أسطوانة، ويُكرر تقديمه حتى يعتاد عليه، ثم يُزال من يده ويُعرض عليه بصريًا مع جسم آخر مختلف، يستطيع الطفل التمييز بينهما. فإذا نظر لمدة أطول إلى الجسم الذي لم يلمسه من قبل، فإن ذلك يدل على أنه تعرّف بصريًا على الجسم الذي سبق أن استكشفه باللمس، وأدرك أن الجسم الآخر جديد بالنسبة إليه. وتُعرف هذه الاستجابة باسم رد الفعل تجاه الجِدّة، وهي دليل واضح على وجود انتقال للمعلومات بين حاستي اللمس والبصر.

ولا يقتصر هذا التكامل على اللمس والرؤية، بل يشمل أيضًا السمع والبصر. فعندما يسمع الرضيع صوتًا صادرًا من جهة معينة، فإنه يوجّه رأسه نحو مصدر الصوت، مما يدل على أنه يربط بين المعلومة السمعية والمكان الذي يتوقع أن يرى فيه مصدرها. وهذا يؤكد أن الطفل لا يعيش في عوالم حسية منفصلة، بل يدرك البيئة المحيطة به كوحدة متكاملة.

ورغم أن هذه القدرة تكون محدودة مقارنة بما لدى البالغين، فإنها تكون موجودة منذ الولادة، ثم تتطور تدريجيًا مع نمو الطفل وتزايد خبراته الحسية. فكلما تعرض لمثيرات متنوعة وتحسنت كفاءة حواسه المختلفة، أصبحت عملية دمج المعلومات بين الحواس أكثر دقة وفعالية.

يبين التكامل الحسي أن الطفل يولد مزودًا بقدرة مبكرة على الربط بين ما يراه وما يلمسه وما يسمعه، وأن هذه القدرة تشكل أساسًا مهمًا لفهم العالم والتفاعل معه، قبل أن تتطور لاحقًا إلى إدراك متعدد الحواس يشبه إدراك الإنسان البالغ.



التكامل الحسي لدى حديثي الولادة وتطور التواصل بين الحواس

لا يعمل الإدراك الحسي عند الإنسان على أساس حواس منفصلة، بل يعتمد على تكامل المعلومات التي تنقلها مختلف الحواس لتكوين صورة موحدة عن العالم المحيط. ففي حياتنا اليومية، لا نرى الشيء على أنه مختلف عما نلمسه أو نسمعه، وإنما ندركه بوصفه كيانًا واحدًا يجمع خصائص بصرية ولمسية وسمعية في الوقت نفسه. فعلى سبيل المثال، عندما يمسك الشخص كأسًا بيده وينظر إليه، فإنه يدرك أن الكأس الذي يراه هو نفسه الكأس الذي يلمسه، وليس شيئين مختلفين. ويطرح هذا الأمر سؤالًا مهمًا في علم النفس النمائي: هل يمتلك الطفل حديث الولادة هذه القدرة على الربط بين الحواس، أم أنه يعيش في عوالم حسية منفصلة؟

كان الاعتقاد السائد في الماضي أن حديثي الولادة يدركون العالم من خلال أنظمة حسية مستقلة، بحيث تكون الخبرات البصرية منفصلة عن الخبرات اللمسية والسمعية. غير أن الأبحاث الحديثة أثبتت أن هذا التصور غير صحيح، إذ بينت أن الأطفال، منذ الأيام الأولى بعد الولادة، يمتلكون قدرة مبكرة على نقل المعلومات من حاسة إلى أخرى، أي أنهم يستطيعون الربط بين ما يلمسونه وما يرونه أو يسمعونه، وهو ما يعرف بالتكامل أو التواصل بين الحواس.

ولإثبات ذلك، اعتمد الباحثون على تجربة تقوم على طريقة التعوّد والاستجابة للجِدّة. ففي البداية، يُوضع في يد الرضيع جسم معين، مثل منشور (Prisme) أو أسطوانة (Cylindre)، فيمسكه الطفل ويستكشفه بيده. ثم يُعاد تقديم الجسم نفسه عدة مرات، ومع كل مرة يقل اهتمام الرضيع به ويقصر زمن احتفاظه به، حتى يصل إلى مرحلة التعوّد، أي يصبح الجسم مألوفًا بالنسبة إليه.

بعد التأكد من حدوث التعوّد، يُزال الجسم من يد الطفل، ثم يُعرض عليه بصريًا جسمان في الوقت نفسه: الجسم الذي كان يمسكه سابقًا، وجسم آخر يختلف عنه في الشكل، مثل عرض المنشور إلى جانب الأسطوانة. ويلاحظ الباحثون اتجاه نظر الطفل ومدة تركيزه على كل جسم. وقد أظهرت النتائج أن الرضيع ينظر لمدة أطول إلى الجسم الذي لم يكن في يده من قبل، لأنه يمثل بالنسبة إليه مثيرًا جديدًا، فيبدي ما يسمى رد الفعل تجاه الجِدّة. أما الجسم الذي سبق أن استكشفه بيده، فلا يثير اهتمامه بالدرجة نفسها لأنه أصبح مألوفًا لديه.

وتدل هذه النتيجة على أن الطفل استطاع الربط بين المعلومات التي حصل عليها من خلال اللمس والمعلومات التي تلقاها لاحقًا عن طريق البصر. فهو لم يرَ الجسم الأول من قبل، ومع ذلك تعرّف عليه عندما عُرض عليه بصريًا، وهو ما يثبت وجود انتقال للمعلومات بين الحاستين. وهذا يعني أن حاستي اللمس والبصر لا تعملان بشكل مستقل، بل تتواصلان منذ الأيام الأولى من الحياة.

ولا يقتصر هذا التكامل الحسي على اللمس والبصر فقط، بل يمتد أيضًا إلى العلاقة بين السمع والبصر. فعندما يسمع الرضيع صوت شخص يتحدث من جهة معينة، فإنه يوجه رأسه نحو مصدر الصوت، مما يدل على أنه يربط بين المعلومة السمعية والمكان الذي يتوقع أن يجد فيه المصدر البصري لذلك الصوت. ويُظهر هذا السلوك أن الطفل لا يعيش في عوالم حسية منفصلة، بل يمتلك منذ الولادة قدرة على بناء روابط بين مختلف الحواس من أجل فهم بيئته بصورة متكاملة.

ومع ذلك، فإن هذه القدرة لا تكون عند الرضيع بالمستوى نفسه الذي تتميز به لدى البالغين. فالإنسان الراشد يدمج المعلومات القادمة من جميع الحواس بسرعة ودقة كبيرتين، ويعيش بشكل طبيعي في عالم متعدد الحواس دون أن يشعر بوجود أي جهد في هذه العملية. أما الطفل حديث الولادة، فرغم امتلاكه لهذه القدرة منذ البداية، فإنها لا تزال في مراحلها الأولى وتحتاج إلى التطور مع مرور الوقت.

ويرجع هذا التطور إلى عاملين رئيسيين. أولهما أن الطفل يتعرض تدريجيًا إلى عدد كبير ومتنوع من المثيرات الحسية في بيئته، مما يزيد من خبرته ويساعده على الربط بين المعلومات القادمة من الحواس المختلفة. أما العامل الثاني فيتمثل في أن جميع حواسه نفسها تستمر في النمو والتحسن تدريجيًا، فكلما أصبحت حاسة البصر أو السمع أو اللمس أكثر نضجًا، أصبحت عملية التواصل والتكامل بينها أكثر كفاءة ودقة.

وفي النهاية، يتعلم الطفل، شيئًا فشيئًا، أن يدرك العالم إدراكًا شاملًا ومتعدد الحواس، بحيث يجمع بين ما يراه وما يسمعه وما يلمسه في تجربة واحدة متكاملة. وتؤكد هذه النتائج أن التكامل الحسي لا يظهر في مراحل متأخرة من النمو، بل يكون حاضرًا منذ الولادة، ثم يتطور باستمرار بفضل نضج الحواس واكتساب الخبرات، ليشكل أحد الأسس الرئيسية للإدراك والتفاعل مع البيئة المحيطة.

 عن جامعة جنيف

el-masoudy mohamed

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم