يولد الطفل مزودًا بمجموعة من القدرات الإدراكية التي تمكنه من التفاعل مع العالم المحيط به، وتستمر هذه القدرات في التطور بسرعة خلال الأشهر الأولى من حياته. وتشمل هذه القدرات الإدراك اللمسي والسمعي والبصري، وهي تشكل الأساس الذي يبنى عليه النمو النفسي والمعرفي للطفل.
تُعد حاسة اللمس أكثر الحواس نضجًا عند الولادة، إذ تبدأ في التطور منذ المراحل الأولى من الحمل. ويظهر ذلك من خلال بعض المنعكسات الفطرية، مثل منعكس القبض (Grasping Reflex)، حيث يقبض الرضيع بقوة على الإصبع أو الجسم الذي يوضع في يده. وقد استغل الباحثون هذا المنعكس لدراسة الإدراك اللمسي، فكانوا يضعون في يد الطفل أجسامًا مختلفة، مثل منشور (Prisme) أو أسطوانة (Cylindre)، ويلاحظون مدة احتفاظه بها. ومع تكرار تقديم الجسم نفسه، يقل اهتمام الرضيع به نتيجة ظاهرة التعوّد، لكن عندما يُقدَّم له جسم جديد يختلف في الشكل أو الملمس، يزداد اهتمامه ويحتفظ به لمدة أطول. وتثبت هذه النتائج أن الأطفال حديثي الولادة قادرون على التمييز بين الأجسام المختلفة من حيث الشكل والملمس، سواء باستخدام اليد اليمنى أو اليسرى، كما يستطيعون استكشاف خصائص الأشياء المحيطة بهم.
أما الإدراك السمعي، فهو أيضًا متطور بدرجة كبيرة منذ الولادة. فقد أثبتت الدراسات أن المولود الجديد يستطيع التعرف على صوت أمه، نتيجة تعرضه له خلال فترة الحمل. ولا تقتصر قدراته على ذلك، بل يستطيع أيضًا التمييز بين الألحان المختلفة بعد الاعتياد على أحدها، كما يمكنه التفريق بين فئات اللغات، مثل التمييز بين اللغات الأوروبية واللغات الآسيوية. ويعكس ذلك امتلاك الرضيع نظامًا سمعيًا فعالًا يساعده على فهم البيئة المحيطة به والتكيف معها منذ الأيام الأولى.
أما الإدراك البصري، فهو أقل الحواس نضجًا عند الولادة مقارنة باللمس والسمع، إلا أنه يشهد تطورًا سريعًا جدًا خلال الأسابيع الأولى. ورغم أن حدة بصر المولود تكون ضعيفة، فإنه يستطيع رؤية الأجسام القريبة التي تبعد عنه نحو 30 إلى 40 سنتيمترًا، خاصة إذا كانت ذات تباين قوي في الألوان أو الأشكال. كما يتمكن من التمييز بين الأشكال المختلفة، وتتطور هذه القدرة بسرعة كبيرة مع مرور الوقت.
ومن أهم المثيرات البصرية التي تجذب انتباه الرضيع الوجه البشري، إذ ينجذب منذ لحظات حياته الأولى إلى كل ما يشبه شكل الوجه. وتكتسب هذه القدرة أهمية كبيرة لأنها تساعد الطفل على التعرف إلى الأشخاص الذين يعتنون به، وخاصة والديه، مما يسهم في تكوين الروابط العاطفية الأولى وبناء علاقة التعلق معهم. فالوجوه بالنسبة للرضيع ترتبط بالرعاية والابتسام والكلام والغذاء، ولذلك تصبح محور اهتمامه الأساسي.
وتشير الأبحاث إلى أن الأطفال عند الولادة يمتلكون قدرة عامة على التمييز بين جميع أنواع الوجوه وجميع أصوات اللغات في العالم. غير أن هذه القدرة تبدأ بالتخصص تدريجيًا خلال الأشهر الستة أو السبعة الأولى، حيث يصبح الطفل أكثر حساسية للوجوه والأصوات التي يتعرض لها باستمرار في بيئته. فإذا نشأ في بيئة آسيوية، أصبح أكثر قدرة على تمييز الوجوه الآسيوية، وإذا نشأ في بيئة أوروبية، تخصص في تمييز الوجوه الأوروبية. ويحدث الأمر نفسه بالنسبة للغة، إذ ينتقل الطفل من القدرة على إدراك جميع أصوات اللغات إلى التخصص في أصوات لغته الأم أو اللغات التي يسمعها باستمرار.
وفي الختام، تؤكد هذه المعطيات أن الطفل يولد مزودًا بأنظمة إدراكية فعالة، تتطور بسرعة بفضل الخبرة والتفاعل مع البيئة. وتُعد هذه القدرات اللمسية والسمعية والبصرية حجر الأساس في فهم العالم المحيط، كما تلعب دورًا جوهريًا في النمو النفسي والمعرفي والاجتماعي للطفل خلال السنوات الأولى من حياته.
عن جامعة جنيف
