تمثل دراسة القدرات الإدراكية والمعرفية لدى الأطفال حديثي الولادة واحدًا من أكثر مجالات علم نفس النمو دقة وصعوبة. فالطفل في أيامه الأولى لا يستطيع أن يشرح للباحث ما الذي يراه، ولا أن يقول له ما إذا كان يميز بين صورتين، ولا أن يصف ما يسمعه أو يشعر به، كما لا يستطيع تنفيذ التعليمات اللفظية التي يمكن استخدامها مع الأطفال الأكبر سنًا أو البالغين.
لهذا السبب كان على الباحثين أن يجدوا طرقًا أخرى تسمح لهم بالدخول إلى العالم الإدراكي للمولود الجديد بصورة غير مباشرة. وكان الحل هو الاعتماد على مجموعة من السلوكيات البسيطة التي يستطيع الطفل القيام بها منذ الأيام الأولى للحياة، ثم قياس هذه السلوكيات بدقة واستخدامها بوصفها مؤشرات على ما يحدث في جهازه الإدراكي والمعرفي.
ومن أهم هذه السلوكيات المص والنظر واللمس. وقد تبدو للوهلة الأولى أفعالًا بسيطة للغاية، لكنها بالنسبة إلى الباحثين أدوات ثمينة تسمح بفهم ما إذا كان الطفل يميز بين مثير وآخر، وما إذا كان يفضل شيئًا معينًا، وما إذا كان يتذكر ما سبق أن رآه أو سمعه.
ولا يقتصر الأمر على الملاحظة العامة، بل يعتمد البحث العلمي على قياسات دقيقة. فقد يقيس الباحث عدد مرات المص أو قوته، أو مدة نظر الطفل إلى صورة معينة، أو الوقت الذي يمسك فيه بجسم ما، أو التغير الذي يطرأ على معدل ضربات قلبه عندما يتعرض لمثير جديد.
ومن خلال هذه المؤشرات البسيطة طوّر علماء النفس خلال العقود الماضية مناهج تجريبية مكنت من الكشف عن كثير من القدرات التي يمتلكها الطفل منذ الأيام الأولى والأسابيع الأولى من العمر.
إن القيمة الأساسية لهذه المناهج تكمن في أنها لا تطلب من الطفل أن يشرح شيئًا أو أن ينفذ تعليمات معقدة، وإنما تعتمد على ما يستطيع فعله بصورة طبيعية.
التكييف: كيف يتعلم الطفل الربط بين الأحداث؟
من أقدم الطرق التي استخدمها الباحثون لدراسة تعلم الطفل طريقة تعرف باسم التكييف.
وتقوم هذه الطريقة على مبدأ عام وبسيط يتمثل في قدرة الإنسان على الربط بين حدثين عندما يتكرران معًا.
هذا النوع من التعلم لا يقتصر على المختبر، بل يحدث بصورة طبيعية في الحياة اليومية للطفل.
فعندما يبتسم الطفل وتستجيب أمه بابتسامة في كل مرة تقريبًا، تتشكل لديه تدريجيًا علاقة بين ابتسامته وبين الاستجابة التي يحصل عليها.
وعندما يبكي الطفل فيأتي أحد والديه ويحمله أو يهدئه، فإن تكرار هذا التسلسل يسمح له بتكوين ارتباط بين بكائه وبين حضور شخص يهتم به.
ومع استمرار الخبرة يبدأ الطفل في اكتشاف وجود علاقات منتظمة بين بعض أفعاله وبين ما يحدث حوله.
يحاول الباحثون إعادة بناء هذا المبدأ في ظروف مخبرية مضبوطة.
فقد يصممون تجربة يحصل فيها الطفل على مكافأة عندما يقوم بحركة معينة. ومثال ذلك أن يؤدي توجيه الطفل رأسه نحو اتجاه معين أو نحو صورة محددة إلى ظهور وجه أمه أمامه أو إلى سماع صوتها.
إذا تعلم الطفل بعد تكرار التجربة أن الحركة تؤدي إلى النتيجة المرغوبة، فقد يبدأ في القيام بها بوتيرة أكبر.
وهنا يستطيع الباحث الاستنتاج أن الطفل أصبح يربط بين الفعل الذي يقوم به وبين الحدث الذي يتبعه.
لكن هذه الطريقة ليست سهلة الاستخدام مع الأطفال حديثي الولادة.
فالطفل في الأيام الأولى لا يمتلك سيطرة إرادية متطورة على كثير من حركات جسمه، كما أن التجربة قد تتطلب منه فهم سلسلة من الأحداث المتتابعة وربطها بعضها ببعض.
ولهذا يكون تطبيق التكييف مع المولود أكثر صعوبة منه مع طفل أكبر سنًا.
ومع ذلك توجد حركة تكون متطورة نسبيًا منذ الولادة وهي حركة المص.
المص ليس مجرد وظيفة مرتبطة بالتغذية، بل يمكن استخدامه أيضًا في التجارب النفسية. فعندما يلاحظ الباحث أن الطفل يغير معدل المص استجابة لمثير معين، يمكن استخدام هذا التغير مؤشرًا على التعلم أو التمييز.
ومع تطور وسائل البحث ظهرت مناهج أخرى أكثر سهولة في التطبيق، ولذلك أصبحت طريقة التكييف أقل استخدامًا مقارنة ببعض الطرق الأخرى في دراسة حديثي الولادة.
النظر بوصفه نافذة على تفضيلات الطفل
من الطرق المهمة جدًا في دراسة الإدراك المبكر قياس مدة النظر.
الفكرة هنا بسيطة في ظاهرها لكنها شديدة الفائدة.
إذا عرضنا أمام الطفل شيئين في الوقت نفسه، ثم لاحظنا أنه ينظر إلى أحدهما مدة أطول بصورة منتظمة، فإن هذا الاختلاف في مدة النظر يمكن أن يقدم لنا معلومات عن قدرته على التمييز وعن تفضيلاته.
في هذا النوع من التجارب يجلس الطفل أو يوضع في مقعد خاص يسمح له برؤية المثيرات المعروضة أمامه.
ثم تظهر أمامه صورتان في الوقت نفسه، إحداهما في الجهة اليمنى والأخرى في الجهة اليسرى.
وتسجل كاميرا حركة عيني الطفل واتجاه نظره، كما يقيس الباحثون المدة التي يقضيها في النظر إلى كل صورة.
إذا كانت مدة النظر إلى الصورتين متقاربة جدًا، فلا يستطيع الباحث أن يستنتج بسهولة أن الطفل يفضل إحداهما على الأخرى.
وقد يكون الطفل قادرًا على رؤيتهما لكنه لا يظهر تفضيلًا واضحًا لأي منهما.
أما إذا كان ينظر إلى إحدى الصورتين مدة أطول بصورة متكررة، فإن ذلك يدل على وجود اختلاف في استجابته للمثيرين.
والاستنتاج المهم هنا هو أن الطفل لا يتعامل مع الصورتين باعتبارهما شيئًا واحدًا تمامًا، بل يلاحظ فرقًا بينهما ويمنح إحداهما اهتمامًا أكبر.
لكن العلماء لا يكتفون بمراقبة طفل واحد ثم إصدار حكم عام.
فالطفل قد ينظر إلى جهة معينة لأسباب كثيرة لا علاقة لها بطبيعة الصورة، وقد يكون متعبًا أو مشتتًا أو قد تحدث النتيجة بالمصادفة.
لهذا تجمع بيانات عدد من الأطفال، ثم تستخدم الاختبارات الإحصائية للتأكد من أن التفضيل الذي ظهر ليس نتيجة سلوك فردي عابر.
وتساعد هذه الاختبارات الباحثين على معرفة ما إذا كان الاتجاه نفسه يتكرر عند عدد كاف من الأطفال بحيث يصبح من الممكن اعتباره ظاهرة حقيقية.
وبذلك تتحول حركة بسيطة مثل النظر إلى أداة علمية تسمح بالكشف عن عالم الطفل الإدراكي.
التعود: عندما يصبح المألوف أقل إثارة للاهتمام
من أكثر المناهج أهمية في دراسة الإدراك عند حديثي الولادة طريقة التعود والاستجابة للجدة.
تعتمد هذه الطريقة على ظاهرة يعرفها كل إنسان في حياته اليومية.
فالأشياء الجديدة تجذب الانتباه عادة، لكن عندما نراها مرات كثيرة وتصبح مألوفة، يقل اهتمامنا بها تدريجيًا.
إذا دخل شخص غرفة للمرة الأولى فقد يلاحظ تفاصيل كثيرة فيها، لكن بعد أن يقضي فيها أيامًا أو أسابيع تصبح تلك التفاصيل مألوفة فلا يعود يركز عليها بالدرجة نفسها.
يحدث شيء شبيه بذلك عند الطفل.
يعرض الباحث على الطفل المثير نفسه مرات متكررة.
قد يكون المثير صورة أو شكلاً بصريًا أو شيئًا آخر يمكن قياس استجابة الطفل له.
في البداية قد ينظر الطفل إليه مدة طويلة نسبيًا لأنه جديد.
ومع تكرار العرض يبدأ زمن النظر في الانخفاض.
هذا الانخفاض يسمى التعود.
أي أن المثير لم يعد جديدًا بالنسبة إلى الطفل، وأصبح مألوفًا لديه.
بعد الوصول إلى هذه المرحلة يعرض الباحث مثيرًا جديدًا.
وهنا تكون الاستجابة ذات أهمية كبيرة.
إذا ازداد زمن نظر الطفل مرة أخرى عند ظهور المثير الجديد، فإن هذا يعني أنه لاحظ أن ما يراه الآن مختلف عن الشيء الذي اعتاد عليه.
أما إذا لم يتغير زمن النظر وبقيت استجابته على المستوى نفسه تقريبًا، فقد يشير ذلك إلى أنه لم يميز بين المثير القديم والجديد.
وبذلك يستطيع الباحث استخدام التغير في مدة النظر لمعرفة ما إذا كان الطفل قادرًا على التمييز بين شيئين.
التعود دليل على وجود الذاكرة
تكشف طريقة التعود عن أمر أعمق من مجرد التفضيل البصري، فهي تقدم أيضًا دليلًا على وجود نوع من الذاكرة عند الطفل.
لكي يعتاد الطفل على شيء رآه مرات عديدة، يجب أن يحتفظ بمعلومات ما عنه.
فلو كانت كل مرة يرى فيها المثير بمثابة اللقاء الأول معه، لما انخفض اهتمامه تدريجيًا.
سيظل المثير جديدًا في كل مرة.
لكن ما يحدث في التجربة هو العكس.
يرى الطفل المثير مرارًا، ثم يقل اهتمامه به.
وعندما يظهر مثير جديد، يزداد اهتمامه من جديد.
وهذا يعني أن انخفاض النظر لا يمكن تفسيره ببساطة بأن الطفل أصبح متعبًا.
لو كان التعب هو السبب الوحيد، لما عاد الاهتمام إلى الارتفاع فور ظهور شيء مختلف.
ولهذا يرى الباحثون أن الطفل يقوم خلال تجربة التعود بعدة عمليات معرفية.
في البداية يجمع معلومات عن الشيء الذي يراه.
ثم يحتفظ ببعض هذه المعلومات في ذاكرته قصيرة المدى.
وعندما يظهر المثير من جديد يقارن ما يراه الآن بالمعلومات التي سبق أن جمعها عنه.
إذا تطابقت المعلومات بدرجة كبيرة، يصبح الشيء مألوفًا ولا يعود بحاجة إلى تخصيص القدر نفسه من الانتباه له.
أما عندما يظهر شيء مختلف، فإن الطفل يلاحظ عدم التطابق بين الخبرة الجديدة وبين ما اختزنه سابقًا، فيعود اهتمامه إلى الارتفاع ويطيل النظر.
إنها عملية تبدو بسيطة عندما نراقب الطفل من الخارج، لكنها تكشف في الحقيقة عن نشاط معرفي مهم: استقبال المعلومات وتخزينها ومقارنتها بالمعلومات الجديدة.
الطفل محب للاكتشاف
تكشف تجارب التعود عن سمة لافتة في سلوك الأطفال حديثي الولادة وهي الميل إلى الأشياء الجديدة.
فعندما يصبح الشيء معروفًا ومألوفًا، يقل اهتمام الطفل به، بينما تجذب الجدة انتباهه مرة أخرى.
ولهذا يوصف الأطفال أحيانًا بأنهم محبون للاكتشاف.
إنهم يوجهون انتباههم إلى ما يحمل معلومات جديدة.
ولا يعني ذلك أن الطفل يفضل كل شيء جديد مهما كانت طبيعته.
فالشيء الجديد إذا كان شديد التعقيد أو بعيدًا جدًا عما يستطيع الطفل فهمه قد لا يكون جذابًا بالطريقة نفسها.
وتظهر هنا فكرة مهمة في عملية التعلم: أفضل المعلومات ليست دائمًا المألوفة تمامًا ولا الجديدة بصورة مطلقة، بل تلك التي تتضمن قدرًا من الجدة يمكن للطفل التعامل معه انطلاقًا مما سبق أن تعلمه.
وهكذا لا يبدأ التعلم في كل مرة من الصفر.
المعرفة الجديدة تبنى فوق المعرفة السابقة.
وكل خبرة جديدة تدخل في علاقة مع ما خزنه الطفل بالفعل.
ولهذا تلعب الذاكرة دورًا أساسيًا في النمو المعرفي.
فمن دون الاحتفاظ بالمعلومات السابقة لن يستطيع الطفل التعرف إلى ما هو مألوف، ولن يستطيع إدراك ما هو جديد، ولن يكون من الممكن بناء المعارف تدريجيًا.
كيف تتحول النظرة إلى عملية تعلم؟
عندما يطيل الطفل النظر إلى مثير جديد، فإن الأمر لا يعني مجرد أنه يحب النظر إليه.
فالانتباه يسمح له بجمع معلومات.
ومع استمرار النظر يبدأ المثير في التحول من شيء جديد إلى شيء مألوف.
وعندما يصبح مألوفًا يتراجع الانتباه، وبذلك يستطيع الطفل توجيه موارده نحو شيء جديد آخر.
هذه الدورة المتكررة بين الجدة والتعود تشكل إحدى الوسائل التي يتعرف بها الطفل إلى العالم المحيط به.
يرى شيئًا.
ينتبه إليه.
يجمع عنه المعلومات.
يتذكره.
يعتاد عليه.
ثم ينتقل إلى شيء جديد.
وبهذه الطريقة تتسع خبرته تدريجيًا.
من هنا يمكن فهم لماذا تعد الذاكرة والانتباه عمليتين مترابطتين في نمو الطفل.
فالجدة تجذب الانتباه، والذاكرة تسمح بالتعرف إلى المألوف، والتمييز بين الاثنين يسمح باستمرار عملية الاستكشاف والتعلم.
ماذا يرى الطفل حديث الولادة؟
كان الاعتقاد منتشرًا في الماضي بأن المولود الجديد لا يستطيع الرؤية بعد ولادته.
ويرتبط هذا التصور جزئيًا بملاحظة أن الطفل لا ينظر إلى العالم بالطريقة التي ينظر بها البالغ، ولا يستطيع متابعة التفاصيل البعيدة أو الدقيقة بالمستوى نفسه.
لكن الأبحاث الحديثة أثبتت أن فكرة عدم رؤية المولود للأشياء فكرة غير صحيحة.
المولود يرى.
إلا أن جهازه البصري لا يزال في بداية تطوره.
ومن بين الحواس المختلفة يعد البصر أقلها نضجًا عند الولادة.
ولا يصل النظام البصري إلى مستوى رؤية الإنسان البالغ مباشرة، بل يستغرق تطوره عدة سنوات.
وهذا يعني أن السؤال الصحيح ليس: هل يرى المولود أم لا؟
بل: ماذا يستطيع أن يرى، وبأي درجة من الوضوح؟
حدة البصر عند حديث الولادة
حدة البصر هي القدرة على رؤية التفاصيل الدقيقة وفصل العناصر القريبة بعضها عن بعض.
وتكون حدة بصر الطفل حديث الولادة أضعف بكثير من حدة بصر الشخص البالغ.
ويشير المصدر إلى أن حدة البصر لدى المولود أقل بحوالي 10 إلى 30 مرة من حدة البصر لدى البالغ.
هذا الفرق كبير، لكنه لا يعني أن عالم الطفل البصري فارغ.
بل يعني أن التفاصيل التي يراها البالغ بوضوح شديد قد تبدو للمولود أقل وضوحًا وأكثر ضبابية.
ولتقريب الفكرة يقدم المصدر مثالًا بسيطًا.
يستطيع الطفل حديث الولادة رؤية شريط أسود عرضه نحو سنتيمتر واحد موضوع على خلفية بيضاء من مسافة تقارب 50 سنتيمترًا.
أي أن التباين بين الأسود والأبيض واضح بما يكفي لكي يكتشفه جهازه البصري حتى في هذه المرحلة المبكرة.
ويستطيع الطفل أيضًا رؤية ملامح وجه موجود على مسافة تقارب 30 سنتيمترًا.
وهذه المسافة ليست عرضية.
فهي قريبة جدًا من المسافة التي تفصل عادة بين وجه الأم ووجه طفلها أثناء الرضاعة.
ومن هنا تظهر أهمية البيئة الطبيعية التي يعيش فيها الطفل.
فحتى مع محدودية حدة بصره، تسمح المسافة القريبة التي يكون فيها وجه الشخص الذي يحمله أو يطعمه بأن تقع أهم المثيرات الاجتماعية داخل المجال الذي يستطيع المولود رؤيته بصورة أفضل نسبيًا.
الوجه القريب في عالم الطفل
وجود الوجه على مسافة تقارب 30 سنتيمترًا يعني أن كثيرًا من لحظات الرعاية اليومية تمنح الطفل فرصة طبيعية للنظر إلى وجه الشخص الذي يتعامل معه.
أثناء الرضاعة يكون وجه الأم قريبًا.
وعندما يحمل الأب أو الأم الطفل أمامهما، تكون ملامح الوجه في مجال قريب أيضًا.
وهكذا لا يحتاج الطفل إلى رؤية التفاصيل الدقيقة البعيدة لكي يبدأ في جمع المعلومات البصرية عن الأشخاص المحيطين به.
إن قدرته البصرية المبكرة، رغم أنها أقل نضجًا من قدرة الراشد، ملائمة بدرجة معينة للبيئة التي يعيش فيها.
وهذه الملاحظة مهمة لأنها تساعد على التخلص من تصورين متناقضين.
التصور الأول يقول إن الطفل لا يرى شيئًا، وهو تصور غير صحيح.
والتصور الثاني قد يفترض أنه يرى العالم منذ الولادة بالوضوح نفسه الذي يراه به البالغ، وهذا غير صحيح أيضًا.
الحقيقة تقع بين الاثنين.
الطفل يمتلك رؤية حقيقية منذ الولادة، لكنها رؤية لا تزال في طور النمو، وتكون أكثر قدرة على التقاط بعض المثيرات الواضحة والقريبة من غيرها.
لماذا تعد دراسة البصر عند حديثي الولادة مهمة؟
يسمح فهم القدرات البصرية المبكرة بتفسير كثير من السلوكيات التي يظهرها المولود.
فعندما لا يستجيب الطفل لتفصيل صغير موجود على مسافة بعيدة، لا يعني ذلك بالضرورة أنه غير منتبه إلى العالم كله، بل قد يكون ذلك التفصيل ببساطة خارج حدود قدرته البصرية في تلك المرحلة.
وفي المقابل، عندما يقرب الشخص وجهه من الطفل أو يعرض عليه شكلاً واضح التباين، تزداد فرصة أن يستطيع المولود رؤيته.
وتوضح هذه النتائج كذلك أن نمو الإدراك البصري عملية تدريجية.
فالطفل يبدأ بمجموعة من الإمكانات الحقيقية لكنها محدودة، ثم تتحسن حدة البصر وتتطور قدرته على معالجة المعلومات المرئية مع مرور الوقت.
وهذا التطور لا يحدث بمعزل عن بقية الخبرات.
فالطفل يستخدم بصره إلى جانب السمع والشم واللمس والتذوق، وتتكامل هذه الحواس تدريجيًا في بناء معرفته بالعالم.
من المص والنظر إلى فهم العقل المبكر
تكشف الطرق التجريبية المستخدمة مع حديثي الولادة عن براعة كبيرة في البحث النفسي.
فمن سلوكيات صغيرة جدًا استطاع الباحثون استخلاص معلومات مهمة عن العمليات العقلية المبكرة.
تغير في عدد مرات المص يمكن أن يدل على التعلم.
ثوان إضافية من النظر يمكن أن تكشف تفضيلًا.
انخفاض مدة النظر مع التكرار يمكن أن يكشف التعود.
عودة الاهتمام عند ظهور مثير جديد يمكن أن تدل على التمييز والذاكرة.
وبهذه الأدوات أصبح من الممكن دراسة الطفل قبل أن يمتلك اللغة وقبل أن يستطيع الإجابة عن سؤال واحد.
وهذا يوضح أن غياب الكلام لا يعني غياب الإدراك.
فالطفل يستطيع أن يلتقط المعلومات وأن يتعلم منها وأن يخزن بعضها وأن يقارن بين الخبرات القديمة والجديدة، حتى وإن لم يكن قادرًا على التعبير عن ذلك بالكلمات.
والأهم أن هذه النتائج تساعدنا على النظر إلى المولود باعتباره كائنًا نشطًا في علاقته بالعالم منذ البداية.
فهو لا ينتظر حتى تكبر قدراته كي يبدأ في التعلم، وإنما يستخدم الإمكانات المتاحة له في كل مرحلة من مراحل نموه.
وكلما تطورت أدوات البحث، أصبح العلماء أكثر قدرة على الكشف عن تفاصيل هذا العالم الإدراكي المبكر، من متابعة الأجسام المتحركة ورؤية الألوان، إلى التمييز بين الوجوه والتعرف إلى وجه الأم، وهي جوانب تكمل الصورة العلمية المدهشة لقدرات المولود في أيامه الأولى.
المصدر
إدوار جنتاز وكارين مازينس، بالتعاون مع فلور لوجون وجينيفر مالسير وأمايا بالاما، مادة حول الكفاءات الإدراكية لدى الأطفال حديثي الولادة، ضمن الدورات المفتوحة واسعة النطاق MOOCs بجامعة جنيف حول التطور النفسي للطفل.
