تُعد نظرية التعلق التي طورها الطبيب النفسي والمحلل النفسي البريطاني جون بولبي من النظريات المؤثرة في فهم النمو النفسي والاجتماعي. فقد أعادت النظر في طبيعة العلاقة بين الطفل ومقدم الرعاية، وأبرزت أن طلب القرب والحماية يمثل حاجة أساسية، لا مجرد نتيجة لحصول الرضيع على الغذاء. ومن خلال الجمع بين الملاحظة الإكلينيكية ومفاهيم مستمدة من علوم متعددة، حاول بولبي تفسير تشكل الروابط المبكرة، واستمرارها، وما يحدث عند تهديدها أو انقطاعها.
وتكتسب هذه النظرية أهمية تربوية لأنها تساعد على فهم سلوكيات مألوفة، مثل بكاء الطفل عند الانفصال، وعودته إلى الراشد أثناء اللعب، وطلبه المواساة عندما يخاف. غير أن الاستفادة منها تتطلب التمييز بين الاستعداد البيولوجي والخبرة المكتسبة، وبين وجود علاقة تعلق وجودتها، وبين تأثير الطفولة المبكرة والاعتقاد بأنها تحدد المستقبل بصورة نهائية.
السياق التاريخي لنشأة النظرية
بدأ اهتمام بولبي بالعلاقات المبكرة قبل الحرب العالمية الثانية، ثم اتسع في مرحلة ما بعدها، حين برزت مشكلات الأطفال المنفصلين عن أسرهم أو المقيمين في المستشفيات ومؤسسات الرعاية. وقد أثارت هذه الأوضاع أسئلة حول ما يحتاجه الطفل إلى جانب التغذية والنظافة والعلاج.
وفي عام 1951، نشر تقريره «الرعاية الأمومية والصحة النفسية» بتكليف من منظمة الصحة العالمية. كما أسهمت ملاحظات جيمس روبرتسون، الذي عمل معه، في لفت الانتباه إلى استجابات الأطفال الصغار عند إبعادهم عن أسرهم ووضعهم في بيئات غير مألوفة. وقد عرض بولبي لاحقًا هذه الخلفية في مراجعته لمسار تطوير أفكاره [1].
ولا يصح افتراض أن جميع المؤسسات كانت تقدم الرعاية نفسها أو أن جميع الأطفال عاشوا خبرة متطابقة. لكن السؤال الذي أصبح محوريًا هو: هل تكفي تلبية الاحتياجات الجسدية إذا غابت علاقة مستقرة ومتجاوبة مع شخص مألوف؟
ظهر عرض مهم لأفكار بولبي في مقال «طبيعة رابطة الطفل بأمه» سنة 1958، ثم توسع البناء النظري في المجلد الأول من «التعلق والفقد» سنة 1969 [2، 3].
ما المقصود بالتعلق؟
يشير التعلق إلى رابطة مستمرة نسبيًا تجعل الطفل يبحث عن القرب من شخص مألوف عندما يحتاج إلى الأمان أو المواساة. أما سلوك التعلق فيشير إلى الأفعال التي تظهر في موقف معين لتحقيق هذا القرب، مثل البكاء أو التمسك أو النداء أو التتبع.
وقد يبقى الارتباط قائمًا حتى عندما لا تظهر هذه السلوكيات؛ فالطفل المنهمك في اللعب ليس بالضرورة أقل تعلقًا من طفل يطلب الحمل في لحظة خوف. وتتغير الحاجة إلى القرب بحسب حالة الطفل والموقف، مثل التعب أو المرض أو وجود شخص غريب.
ركزت كتابات بولبي المبكرة على الأم، لكن من المهم في الاستعمال التربوي مراعاة من يقدم الرعاية المنتظمة فعلًا، وعدم اختزال حياة الطفل العاطفية في شخص واحد أو في صيغة أسرية واحدة.
أولًا: الإيثولوجيا ودراسة السلوك الحيواني
وجد بولبي في الإيثولوجيا، أي الدراسة العلمية لسلوك الحيوان، أدوات تساعد على تفسير سلوكيات التقارب والحماية. فقد أبرزت هذه الدراسات أن بعض أنماط السلوك تستند إلى استعدادات بيولوجية، وأن فهمها يحتاج إلى النظر في وظيفتها ضمن حياة النوع وبيئته.
وأتاحت له هذه المقاربة تجاوز تفسير العلاقة بالراشد باعتبارها ناتجة عن الإطعام وحده. فإذا كانت بعض الصغار تسعى إلى القرب من كائن مألوف دون أن يكون ذلك القرب مرتبطًا مباشرة بتقديم الغذاء، فإن الحاجة إلى العلاقة تستحق تفسيرًا مستقلًا.
لكن الاستعداد الفطري لا يعني أن السلوك يظهر مكتملًا أو أن الخبرة لا تؤثر فيه. فالنمو والتعلم والتفاعل مع البيئة تسهم في تنظيم السلوك وتوجيهه نحو أشخاص محددين.
البصمة أو الانطباع المبكر
من الظواهر التي لفتت انتباه بولبي أبحاث كونراد لورنز حول البصمة لدى بعض الطيور، ومنها صغار الإوز. وتتعلق هذه الظاهرة بتعلم مبكر يحدث خلال فترة حساسة، فتتعرف الصغار على منبه مناسب وتتجه إلى اتباعه. ويمكن أن يكون هذا المنبه، في ظروف تجريبية، إنسانًا أو جسمًا متحركًا.
لذلك فإن عبارة «يتعلق الفرخ بأول كائن يراه» تبسيط يحتاج إلى ضبط؛ إذ تتدخل خصائص المنبه وتوقيت التعرض والخبرة. كما أن البصمة تتضمن تعلمًا، وإن كان قائمًا على استعدادات خاصة بالنوع.
وقد ذكر بولبي أن معرفته بأعمال لورنز دفعته إلى دراسة العلاقات بين الصغار ومقدمي الرعاية عند أنواع أخرى [1]. غير أن التعلق البشري لا يتكون بمجرد رؤية أول شخص بعد الولادة، بل يتطور تدريجيًا عبر تفاعلات متكررة.
العزلة الاجتماعية وحدود المقارنة بالإنسان
أثارت أبحاث الحرمان والعزلة لدى الحيوانات، ومنها دراسات هاري هارلو على الرئيسيات، الاهتمام بأهمية الاتصال الاجتماعي والراحة الجسدية. وقد ناقش بولبي هذه الأدلة ضمن بنائه النظري، إلى جانب ملاحظات الأطفال [3].
وتختلف الدراسات في شروطها؛ فالحرمان من مقدم رعاية، والعزل عن الأقران، والعزلة الاجتماعية الأوسع ليست حالات متطابقة. وقد ترتبط ظروف الحرمان الشديد باضطرابات في السلوك الاجتماعي والانفعالي وبجوانب أخرى من النمو.
ومع ذلك، لا تنقل نتائج الحيوان إلى الإنسان بصورة مباشرة. فهي تساعد على صياغة أسئلة وتفسيرات محتملة، بينما يحتاج فهم الأطفال إلى أدلة بشرية ومراعاة اللغة والثقافة وتنوع الرعاية. كما لا يجوز مساواة انفصال يومي قصير في سياق رعاية داعمة بالعزلة الشديدة التي درستها بعض التجارب.
ثانيًا: التحليل النفسي وأهمية الخبرات المبكرة
انطلق بولبي من خلفية في التحليل النفسي، واحتفظ بالاهتمام بتاريخ الطفل العاطفي وبأثر العلاقات المبكرة في حياته اللاحقة. لكنه اختلف مع تفسيرات تجعل الرابطة بمقدم الرعاية مجرد دافع ثانوي مشتق من إشباع الجوع.
فالتعلق في تصوره نظام له وظيفة خاصة، هي المحافظة على الحماية والقرب. ويعني ذلك أن الطفل قد يطلب الراشد لأنه خائف أو يحتاج إلى المواساة، حتى عندما لا يكون جائعًا.
ومن المفاهيم المرتبطة بنظريته «نماذج العمل الداخلية»، أي توقعات يبنيها الطفل تدريجيًا عن نفسه وعن الآخرين: هل أستطيع طلب المساعدة؟ هل الشخص الذي أعتمد عليه متاح؟ وما الذي يحدث عندما أعبر عن ضيقي؟
وقد تؤثر هذه التوقعات في العلاقات اللاحقة مع الأصدقاء والشركاء والأبناء، لكنها ليست قدرًا ثابتًا. فالخبرات الجديدة والعلاقات الداعمة والتغيرات في ظروف الحياة يمكن أن تسهم في مراجعتها. ولذلك لا يصح استنتاج مستقبل شخص كاملًا من خبرة مبكرة واحدة.
ثالثًا: المنظور التطوري ووظيفة الحماية
استفاد بولبي من التفكير التطوري المرتبط بداروين لفهم الوظيفة التكيفية للتعلق. فالرضيع البشري يعتمد على الآخرين في تلبية حاجاته، ومن ثم فإن السلوكيات التي تحافظ على قرب مقدم الرعاية يمكن أن تخدم حمايته وبقاءه.
يساعد البكاء والنداء والتشبث والتتبع على استدعاء الراشد أو الوصول إليه، بينما تسهم الابتسامة والتواصل البصري والأصوات في استمرار التفاعل. وتظهر هذه السلوكيات وتتغير مع النمو، ولا تكون كلها متاحة بالصورة نفسها منذ الولادة.
ووصفها بالتكيفية لا يعني أن الطفل يخطط عمدًا للتحكم في الكبار. فالوظيفة التطورية للسلوك تختلف عن النية الواعية. كما أن البكاء قد يعبر عن ألم أو جوع أو تعب، وليس كل بكاء دليلًا مستقلًا على طبيعة التعلق.
ويفسر هذا المنظور لماذا لا يمثل طلب الحماية نقيضًا للاستقلال؛ فالقرب الذي يعيد الطمأنينة يمكن أن يتيح للطفل العودة إلى الاستكشاف.
رابعًا: السيبرنيتيك وتنظيم سلوك التعلق
استفاد بولبي من السيبرنيتيك ونظرية أنظمة التحكم لتفسير كيفية تنظيم السلوك وفق المعلومات الواردة من البيئة. فالنظام الموجه نحو هدف يقارن حالته الراهنة بالحالة المطلوبة، ثم يعدل نشاطه بحسب التغذية الراجعة.
وفي التعلق، يتعلق الهدف بالمحافظة على قدر مناسب من القرب والإتاحة والحماية، وليس بالمسافة الجسدية وحدها. فقد يطمئن الطفل إلى وجود الراشد على مسافة قريبة وهو يلعب، بينما يحتاج إلى حمله أو مواساته عندما يفزع.
وإذا شعر الطفل بتهديد أو بابتعاد مقدم الرعاية، قد يزداد البحث عن القرب. وعندما يستعيد الإحساس بالحماية، يمكن أن يقل هذا النشاط ويعود الاهتمام باللعب. وهذا مثال توضيحي لطريقة عمل التنظيم، وليس وصفًا آليًا متطابقًا لكل طفل [3].
التغذية الراجعة أوسع من تكرار سلوك ناجح
يتضمن التفاعل أن يصدر الطفل إشارة، ويستجيب الراشد، ثم تتغير حالة الطفل وسلوكه. وقد يسهم التعلم في تعديل طرق التواصل، لكن تفسير بولبي لا يختزل في أن الطفل يكرر البكاء لأنه حصل على مكافأة.
فالتغذية الراجعة تقدم معلومات عن تحقق الأمان وإمكان الوصول إلى الراشد، وتساعد على تنظيم السلوك. كما أن وجود حلقة تفاعل لا يضمن وحده تعلقًا آمنًا؛ إذ تهم نوعية الاستجابة ومدى ملاءمتها واستقرار الرعاية.
وقد تتكون علاقة تعلق رغم قصور بعض جوانب الرعاية. لذلك ينبغي التمييز بين وجود الرابطة والشعور بالأمان داخلها، وعدم افتراض أن كل ارتباط قوي ظاهر هو بالضرورة ارتباط آمن.
تكامل المداخل الأربعة
تجيب هذه المداخل عن جوانب متكاملة: تساعد الإيثولوجيا على فهم أنماط السلوك والاستعدادات، ويطرح المنظور التطوري سؤال وظيفتها في الحماية، ويبرز التحليل النفسي أهمية الخبرة والتوقعات العاطفية، وتوضح أنظمة التحكم كيفية تعديل السلوك وفق الموقف.
ومن ثم، فالتعلق ليس رد فعل منفردًا ولا مجرد شعور بالمحبة، بل تنظيم يتداخل فيه الاستعداد البيولوجي مع تاريخ العلاقة والنمو والسياق. وتكمن أهمية تصور بولبي في الجمع بين هذه المستويات بدل الاكتفاء بتفسير واحد.
دلالات تربوية للأسرة والمربي
يمكن الاستفادة من النظرية في قراءة طلب الطفل للقرب بوصفه إشارة تحتاج إلى فهم، مع ملاحظة ظروفه قبل الحكم عليه. كما يمكن دعم الانتقال إلى القسم باستقبال واضح وروتين مألوف وتواصل مع الأسرة واستجابة هادئة للضيق.
وتشمل التطبيقات المقترحة:
— التحقق من الحاجة الجسدية والعاطفية التي قد يعبر عنها البكاء.
— إتاحة طلب المساعدة دون إهانة أو تخويف.
— تشجيع الاستكشاف مع بقاء الراشد متاحًا.
— فهم السلوك عبر مواقف متعددة بدل تفسيره من حادثة واحدة.
— دعم مقدمي الرعاية أنفسهم، لأن ظروفهم تؤثر في قدرتهم على الاستجابة.
وتؤكد مراجعة منظمة الصحة العالمية أهمية التفاعل بين الطفل ومقدم الرعاية ضمن سياق النمو والصحة، بما يجعل دعم العلاقة جزءًا من الاهتمام بالطفل وبيئته معًا [4].
خاتمة
قدمت نظرية جون بولبي تفسيرًا للتعلق باعتباره حاجة أساسية للحماية والقرب، تجمع بين الاستعداد البيولوجي والخبرة العلائقية. واستفادت من الإيثولوجيا والتحليل النفسي والمنظور التطوري والسيبرنيتيك لفهم نشأة الرابطة وتنظيم سلوكها وآثارها. وتظل قراءتها الدقيقة ضرورية لتجنب مساواة التعلق البشري بالبصمة عند الطيور، أو اختزاله في المكافأة، أو اعتبار الخبرات الأولى حكمًا نهائيًا على المستقبل. وبذلك تساعد النظرية على فهم الطفل داخل علاقاته، وعلى تهيئة رعاية تدعم الطمأنينة والاستكشاف والنمو.
المراجع
[1] Bowlby, J. (1988). Commentary on “The nature of the child’s tie to his mother.” Citation Classic, Current Contents, No. 28, July 11.
تعليق كتبه بولبي عن الخلفية الإكلينيكية والعلمية لتطوير نظريته، ويتضمن الإحالة إلى تقريره لمنظمة الصحة العالمية سنة 1951.
الرابط: https://garfield.library.upenn.edu/classics1988/A1988N971700001.pdf
[2] Bowlby, J. (1958). The nature of the child’s tie to his mother. The International Journal of Psycho-Analysis, 39(5), 350–373.
السجل الببليوغرافي للمقال في PubMed:
https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/13610508/
[3] Bowlby, J. (1969). Attachment and Loss. Volume 1: Attachment. London: Hogarth Press and the Institute of Psycho-Analysis.
المرجع الأساسي للتعلق وصلته بالإيثولوجيا والتطور وأنظمة التحكم.
نسخة متاحة عبر موقع اللجنة الملكية النيوزيلندية للتحقيق في الانتهاكات داخل الرعاية:
https://www.abuseincare.org.nz/__data/assets/pdf_file/0018/25551/bowlby-j-attachment-and-loss-volume-1-hogarth-press-1969.pdf
[4] World Health Organization. (2004). The importance of caregiver-child interactions for the survival and healthy development of young children: A review.
صفحة المرجع لدى منظمة الصحة العالمية:
https://www.who.int/publications-detail-redirect/924159134X
