يولد الطفل بحاجات فسيولوجية أساسية، مثل التنفس والنوم والتغذية، إلى جانب حاجته إلى الرعاية العاطفية والأمان والتواصل مع الأشخاص المحيطين به. وتساعده استعداداته وسلوكياته المبكرة على جذب انتباه من يعتنون به، فتبدأ من خلال التفاعل اليومي عملية بناء الروابط العاطفية.
من السلوكيات المبكرة إلى علاقة التعلق
تظهر لدى الرضيع سلوكيات ومنعكسات منذ الأيام الأولى، مثل المص ومنعكس القبض والبكاء والابتسامات التلقائية التي قد تلاحظ أثناء النوم. ثم تظهر الابتسامة الاجتماعية عادةً قرب عمر شهرين، عندما يستجيب الطفل لوجه الشخص الذي يتحدث إليه أو يبتسم له.
وليست هذه السلوكيات كلها رسائل مقصودة أو دليلًا على تعلق مكتمل، لكنها تدخل ضمن التفاعلات المبكرة بين الطفل ومحيطه. فالبكاء يستدعي الانتباه إلى حاجته، والابتسام والتواصل يدعمان استمرار التفاعل مع الأم أو الأب أو أي شخص يقدم له الرعاية.
ومن خلال تكرار الإشارة والاستجابة، يتشكل التعلق تدريجيًا. فالطفل لا يولد بعلاقة تعلق مكتملة مع شخص معين، وإنما باستعدادات تساعده على بنائها مع مرور الوقت.
بدايات التعلق خلال الأشهر الأولى
تمتد المرحلة المبكرة، التي توصف بمرحلة ما قبل التعلق، من الولادة إلى نحو شهرين أو ثلاثة أشهر، مع اختلاف الحدود العمرية بين المراجع والأطفال. وخلالها يستجيب الرضيع لعدد من الأشخاص، وتساعد إشاراته على استدعاء الرعاية دون أن يكون سعيه إلى القرب موجهًا بصورة ثابتة إلى شخص محدد.
ولا يعني ذلك أنه عاجز تمامًا عن التمييز بين المألوف وغير المألوف، وإنما أن علاقة التعلق الانتقائية لم تتضح بعد. لذلك لا يصح اعتبار جميع البالغين متساوين تمامًا في إدراكه، حتى في هذه الفترة المبكرة.
ظهور التفضيل لمقدمي الرعاية
من نحو شهرين أو ثلاثة أشهر إلى قرابة ستة أشهر، يبدأ الطفل في إظهار استجابات أكثر تمييزًا للأشخاص الذين يتعاملون معه باستمرار. وغالبًا ما يكون هؤلاء الأم أو الأب، وقد يكون أحد الأجداد أو شخصًا آخر يتولى الرعاية بصورة منتظمة.
ومع تكرار الخبرات، تصبح هذه الوجوه والأصوات وطريقة التعامل أكثر ألفة، ويزداد حضور أصحابها في حياة الطفل العاطفية. وهكذا يتشكل الرابط تدريجيًا من خلال الرعاية والتواصل المتكرر، دون أن يتطلب ذلك فهمًا واعيًا من الرضيع لطبيعة العلاقة.
وضوح التعلق في النصف الثاني من السنة الأولى
خلال النصف الثاني من السنة الأولى، يصبح التعلق بأشخاص معينين أكثر وضوحًا. ويظهر الطفل تفضيلًا لمقدمي الرعاية المألوفين، ويلجأ إليهم طلبًا للحماية والراحة، خاصة عندما يكون متعبًا أو خائفًا أو منزعجًا.
وقد تتكون هذه العلاقات مع شخص أو أكثر ممن يقدمون رعاية منتظمة، دون وجود عدد ثابت ينطبق على جميع الأطفال. وتغدو شخصيات التعلق مصادر مألوفة للطمأنينة، مع استمرار تطور العلاقة بعد نهاية السنة الأولى.
قلق الانفصال والخوف من الغرباء
مع وضوح التعلق، قد ينزعج الطفل عند ابتعاد الشخص الذي يعتمد عليه، أو يظهر حذرًا تجاه أشخاص غير مألوفين. ويمكن أن يبدأ قلق الانفصال خلال النصف الثاني من السنة الأولى، ويظهر بوضوح لدى بعض الأطفال بين 8 و12 شهرًا، ثم يستمر بعد ذلك.
لذلك لا يمثل قلق الانفصال مرحلة رابعة مستقلة تبدأ بالضرورة عند عمر 12 شهرًا، بل يرتبط بتطور التعلق الانتقائي. وقد يبكي الطفل أو يتمسك بمقدم الرعاية أو يطلب عودته عندما يشعر بغيابه.
وتعد هذه الاستجابات من المظاهر الممكنة للنمو، لكنها تختلف في توقيتها وشدتها. كما أن شدة البكاء وحدها لا تقيس قوة العلاقة أو درجة أمان التعلق.
النموذج الداخلي للتعلق
مع تراكم خبرات الرعاية، يبدأ الطفل في بناء توقعات عن الأشخاص الذين يلجأ إليهم: من يستجيب لحاجته؟ ومن يوفر له الراحة؟ وماذا يحدث عندما يطلب القرب؟ وتشكل هذه التوقعات أساس ما يسمى النموذج الداخلي للتعلق، أو نموذج العمل الداخلي (Internal Working Model).
ولا يظهر هذا النموذج فجأة عند بلوغ سنة، بل يتطور تدريجيًا مع الخبرة والنمو. ويساعد الطفل على توقع استجابات الآخرين وتنظيم سلوكه في المواقف المختلفة.
ويستمر هذا البناء والتعديل خلال السنوات الأولى، بما فيها الثالثة والرابعة والخامسة، ولا يتوقف عند عمر محدد، بل يظل قابلًا للتغير في ضوء العلاقات والخبرات اللاحقة.
التعلق الآمن واستكشاف العالم
يتيح التعلق الآمن للطفل الاعتماد على مقدم الرعاية بوصفه قاعدة ينطلق منها لاستكشاف محيطه، وملاذًا يعود إليه عندما يحتاج إلى المساعدة. فقد ينشغل بلعبة أو يتحرك نحو مكان جديد، ثم يبحث عن القرب عندما يواجه موقفًا مخيفًا أو صعبًا.
وتساعد خبرة وجود شخص متجاوب ومتاح على بناء الطمأنينة اللازمة للتعلم والاستكشاف. ولا تعني هذه الخبرة أن مقدم الرعاية حاضر في كل لحظة، بل أن الطفل يبني تدريجيًا توقعًا بإمكان الحصول على الدعم عند الحاجة.
خاتمة
يتطور التعلق خلال السنة الأولى من استعدادات وتفاعلات مبكرة إلى روابط أكثر وضوحًا مع مقدمي الرعاية المألوفين. ومع هذا التطور، قد يظهر قلق الانفصال والحذر من الغرباء، وتتكون توقعات داخلية عن الرعاية والأمان. ويسهم التعلق الآمن في دعم الثقة والاستكشاف والاستقلال التدريجي، ويوفر أساسًا مهمًا للعلاقات الاجتماعية اللاحقة، مع استمرار تأثير الخبرات الجديدة في مسار النمو.
المراجع
[1] Bowlby, J. (1969). Attachment and Loss. Volume 1: Attachment. London: Hogarth Press and the Institute of Psycho-Analysis.
الرابط: https://www.abuseincare.org.nz/__data/assets/pdf_file/0018/25551/bowlby-j-attachment-and-loss-volume-1-hogarth-press-1969.pdf
[2] Centers for Disease Control and Prevention. Milestones by 2 Months.
الرابط: https://www.cdc.gov/act-early/milestones/2-months.html
[3] American Academy of Pediatrics. Emotional and Social Development: 8 to 12 Months. HealthyChildren.org.
الرابط: https://www.healthychildren.org/English/ages-stages/baby/Pages/Emotional-and-Social-Development-8-12-Months.aspx
[4] American Academy of Pediatrics. (2022). Separation Anxiety & Sleeping Trouble in Young Children. HealthyChildren.org.
الرابط: https://www.healthychildren.org/English/healthy-living/sleep/Pages/Separation-Anxiety-and-Sleeping.aspx
