توضح نظرية التعلق أن الأطفال لا يبنون جميعًا النمط نفسه من العلاقة مع مقدمي الرعاية. ومع ازدياد وضوح التعلق الانتقائي خلال النصف الثاني من السنة الأولى، تظهر اختلافات في طلب القرب والتعامل مع الانفصال والاستفادة من المواساة. وقد تؤثر هذه الخبرات في العلاقات الاجتماعية والعاطفية اللاحقة، دون أن تحدد مستقبل الطفل بصورة نهائية.
كيف يدرس الباحثون أنماط التعلق؟
لدراسة هذه الاختلافات، طورت ماري أينسورث وزملاؤها إجراءً بحثيًا يُعرف باسم «الموقف الغريب». ويتضمن سلسلة منظمة من المواقف القصيرة، يوجد فيها الطفل مع أحد مقدمي الرعاية، ثم يدخل شخص غير مألوف، وتتخللها فترات انفصال وعودة.
يراقب الباحثون استكشاف الطفل للمكان، وتفاعله مع الشخص غير المألوف، واستجابته للانفصال، وسلوكه عند لقاء مقدم الرعاية مجددًا. وتكتسب لحظات العودة أهمية خاصة في فهم كيفية طلبه للراحة واستفادته منها.
قد يشعر الطفل بالحزن أو القلق عند الانفصال، وقد يتحفظ تجاه الشخص الغريب، لكن الاستجابات تختلف بين الأطفال. لذلك لا يكفي البكاء وحده، أو غيابه، لتحديد نمط التعلق. ويتيح هذا الإجراء التمييز بين التعلق الآمن وأنماط التعلق غير الآمن، وفق ملاحظة متخصصة.
التعلق الآمن
في التعلق الآمن (Attachement sécurisé)، يستطيع الطفل الاستفادة من وجود مقدم الرعاية بوصفه مصدرًا للطمأنينة. وقد ينزعج عند مغادرته، لكنه عند عودته يبحث عن التواصل أو يقبل المواساة، ثم يستعيد هدوءه تدريجيًا ويعود إلى اللعب والاستكشاف.
ويعبر هذا النمط عن توقع الطفل أن مقدم الرعاية متاح ويمكن الاعتماد عليه عند الحاجة. ولا يعني ذلك أنه لا يخاف أو لا يبكي، بل أن العلاقة تساعده على تنظيم انفعالاته واستعادة شعوره بالأمان.
أما نسبة 60 إلى 70٪ التي ترد في بعض العروض، فلا تمثل قاعدة ثابتة لجميع الأطفال والمجتمعات. فقد وجدت مراجعة تحليلية منشورة سنة 2023، شملت أكثر من 20 ألف علاقة بين طفل ومقدم رعاية، أن نسبة التصنيف الآمن بلغت 51.6٪ في العينات المجمعة، مع اختلاف التوزيع بحسب العينات والسياقات.
التعلق غير الآمن
لا يمثل التعلق غير الآمن (Attachement insécurisé) استجابة واحدة متطابقة. فقد يقلل بعض الأطفال من إظهار حاجتهم إلى القرب، ويبدون تجنبًا للتواصل عند العودة، بينما يطلب آخرون القرب مع استمرار الغضب أو مقاومة المواساة وصعوبة التهدئة. وقد تظهر لدى بعضهم سلوكيات متناقضة أو غير منظمة.
ولهذا لا يصح تفسير الابتعاد عن الوالد أو مقاومة حمله باعتباره عقابًا متعمدًا على الغياب. فهذه السلوكيات تعكس طرقًا مختلفة للتعامل مع الضغط وطلب الأمان، ولا تكشف وحدها عن نية واعية أو فكرة محددة لدى الطفل.
كما لا يعني التعلق غير الآمن غياب الرابطة العاطفية، بل يتعلق بكيفية تنظيم العلاقة والاستفادة منها في المواقف المقلقة.
أهمية شخصية التعلق
تؤدي شخصيات التعلق دورًا مهمًا في شعور الطفل بالحماية وفي استكشافه للعالم. وتسهم الخبرات المتكررة خلال الأشهر الأولى، ومنها عمر 8 إلى 10 أشهر وما بعده، في بناء توقعاته عن استجابة الآخرين لاحتياجاته.
فعندما يجد رعاية حساسة ومتجاوبة، تتاح له خبرات تدعم الثقة بإمكان الحصول على المساعدة. ومع النمو، يصبح أكثر قدرة على تحمل بعض فترات البعد، مستندًا إلى خبرته بالعلاقة.
أما عدم انتظام الاستجابة أو صعوبة توقعها، فقد يزيدان احتمال تشكل علاقة أقل أمانًا. لكن ذلك لا يستنتج من تأخر عابر في الاستجابة أو من موقف منفرد؛ إذ تتشكل العلاقة عبر خبرات متراكمة وفي ظروف متعددة.
وقد تؤثر هذه التوقعات في العلاقات القريبة خلال الطفولة والمراهقة والرشد، ومنها مدى الارتياح إلى طلب الدعم والاعتماد على الآخرين. ومع ذلك، يظل نمط التعلق قابلًا للتغير مع الخبرات والعلاقات اللاحقة.
تعدد شخصيات التعلق
لا يقتصر التعلق على الأم، ولا يشترط أن يكون مقدم الرعاية أحد الوالدين البيولوجيين. فقد يبني الطفل علاقات مع الأب أو الأجداد أو أخ أكبر يؤدي دورًا مستمرًا في رعايته، أو مع شخص آخر يوفر له العناية والحماية بانتظام.
ويمكن أن تختلف جودة العلاقة من شخص إلى آخر؛ فقد يكون الطفل أكثر أمانًا في علاقته بأحد مقدمي الرعاية مقارنة بعلاقته بآخر. وهذا يوضح أن التعلق يصف علاقة محددة، وليس صفة ثابتة يحملها الطفل في جميع علاقاته.
ولا يلزم أن تكون هذه الروابط متنافسة، بل يمكن أن تتكامل داخل شبكة الرعاية. فمن خلال الخبرة يتعرف الطفل إلى طريقة استجابة كل شخص، ويبني توقعات عن الدعم الذي يستطيع الحصول عليه منه.
دور الدمية أو الشيء الانتقالي
قد يشعر الطفل بالضيق عند الانتقال إلى الحضانة أو البقاء مع مقدم رعاية غير مألوف. ويستعين بعض الأطفال، في بعض البيئات والثقافات، بدمية أو قطعة قماش أو بطانية مفضلة تعرف باسم «الدودو»، ويطلق عليها في علم النفس «الشيء الانتقالي» (Objet transitionnel).
يساعد هذا الشيء بعض الأطفال على تهدئة أنفسهم، لما يحمله من ملمس ورائحة وألفة ترتبط لديهم بالبيت والراحة. ويمكن أن يرافق الطفل إلى الحضانة، خاصة في فترة التكيف، وفق قواعد المؤسسة ومتطلبات النظافة والسلامة.
ومن المفيد احترام أهميته للطفل، وقد يساعد توفير نسخة مشابهة يستعملها بالتناوب على التعامل مع الغسل أو الضياع. أما المحافظة على الرائحة المألوفة فلا تعني الامتناع عن تنظيفه؛ بل يغسل عند الحاجة مع مراعاة تعلق الطفل به.
وبالنسبة للرضع، لا توضع الدمى اللينة أو البطانيات الفضفاضة في مكان النوم خلال السنة الأولى، التزامًا بإرشادات النوم الآمن.
ومع نمو الطفل واتساع ثقته وخبرته، قد تقل حاجته المستمرة إلى هذا الشيء. ويختلف توقيت ذلك من طفل إلى آخر، كما أن استعماله ليس شرطًا لتكون علاقة تعلق آمنة.
هل تحدد خبرات الطفولة مستقبل الإنسان؟
تؤثر العلاقات المبكرة في النمو، لكنها لا تحسم مستقبل الإنسان. فالخبرات مع الوالدين ومقدمي الرعاية تسهم في بناء توقعاته عن القرب والثقة والمساندة، لكنها ليست العامل الوحيد في تشكيل علاقاته.
ويواصل الإنسان تعديل نماذجه الداخلية في ضوء الخبرات الجديدة. فقد تضيف الصداقة أو العلاقة العاطفية أو غيرها من العلاقات المستقرة خبرات تدعم الثقة وتغير بعض التوقعات السابقة.
لذلك فإن الصعوبات المبكرة لا تعني أن الفرد سيواجه النمط نفسه في جميع علاقاته، كما أن التعلق الآمن لا يضمن غياب كل صعوبة لاحقة. فالنمو النفسي عملية مستمرة تتفاعل فيها الخبرات والعلاقات والظروف.
خاتمة
تساعد دراسة أنماط التعلق على فهم اختلاف استجابات الأطفال للانفصال واللقاء، وكيفية استعانتهم بمقدمي الرعاية للحصول على الأمان. ويمكن للطفل أن يبني روابط متعددة تختلف نوعيتها، وأن يستفيد من شيء مألوف يخفف عنه بعض صعوبات الانتقال. وتبقى العلاقات المبكرة مؤثرة وقابلة للتطور، بما يتيح بناء روابط أكثر أمانًا مع تغير الخبرات وتوفر الدعم.
المراجع
[1] Ainsworth, M. D. S., Blehar, M. C., Waters, E., & Wall, S. (1978). Patterns of Attachment: A Psychological Study of the Strange Situation. Hillsdale, NJ: Lawrence Erlbaum Associates.
[2] Madigan, S., et al. (2023). The first 20,000 strange situation procedures: A meta-analytic review. Psychological Bulletin, 149(1–2), 99–132.
الرابط: https://discovery.ucl.ac.uk/id/eprint/10173021/
[3] Bowlby, J. (1969). Attachment and Loss. Volume 1: Attachment. London: Hogarth Press and the Institute of Psycho-Analysis.
الرابط: https://www.abuseincare.org.nz/__data/assets/pdf_file/0018/25551/bowlby-j-attachment-and-loss-volume-1-hogarth-press-1969.pdf
[4] American Academy of Pediatrics. (2021). Transitional Objects: Security Blankets & Beyond. HealthyChildren.org.
الرابط: https://www.healthychildren.org/English/ages-stages/baby/Pages/Transitional-Objects.aspx
[5] American Academy of Pediatrics. How to Keep Your Sleeping Baby Safe: AAP Policy Explained. HealthyChildren.org.
الرابط: https://www.healthychildren.org/English/ages-stages/baby/sleep/Pages/a-parents-guide-to-safe-sleep.aspx
