تطور العلاقات الودية وأهميتها في النمو النفسي للطفل

 اهتم الباحثون بدراسة العلاقات الودية، أو الصداقات، عند الأطفال، من حيث كيفية تكوينها، وتركيب مجموعات الأصدقاء، والعوامل التي تسهم في نشأتها واستمرارها. كما تناولوا دورها في النمو النفسي والمعرفي والاجتماعي، وما توفره من فرص للتواصل وتقاسم الخبرات والتكيف مع البيئات الجديدة.

ولا تبقى الصداقة على الصورة نفسها طوال الطفولة؛ إذ تتغير مع العمر والخبرة، سواء في تكوين المجموعات أو في معايير اختيار الأصدقاء أو في المعاني التي يمنحها الطفل لهذه العلاقة.

تغير تركيب مجموعات الأصدقاء مع العمر

قد تضم مجموعات الأطفال في سن 4 إلى 5 سنوات أولادًا وبنات معًا، وقد تتكون من أطفال من الجنس نفسه. غير أن تفضيل اللعب والصداقة مع أقران من الجنس نفسه يمكن أن يظهر خلال سنوات ما قبل المدرسة، وليس ابتداءً من سن 6 أو 7 سنوات فقط.

وقد رصدت دراسة طولية لأطفال بين 3 و5 سنوات ازدياد هذا الميل مع العمر داخل العينة المدروسة. لذلك لا يصح تعميم غياب التفضيل في سن 4 إلى 5 سنوات، كما لا ينبغي اعتبار الانفصال بين مجموعات الأولاد والبنات قاعدة تنطبق على كل طفل أو موقف.

وفي المدرسة، قد يحتفظ الأطفال بصداقات نشأت في الحضانة أو السنوات الأولى، بينما تتغير المجموعات التي يشاركون فيها يوميًا. وهكذا يمكن أن تستمر صداقة سابقة بالتوازي مع تكوين علاقات جديدة داخل المحيط المدرسي.

تطور العلاقات الودية وأهميتها في النمو النفسي للطفل

حجم مجموعة الأصدقاء

يتغير حجم مجموعة الأصدقاء بحسب العمر والسياق وطبيعة النشاط، كما يختلف عدد شركاء اللعب عن عدد الأصدقاء المقربين. ولهذا يصعب تحديد عدد ثابت يصف صداقات جميع الأطفال في مرحلة عمرية معينة.

فالأعداد مثل 3 أو 4 أصدقاء في سن الرابعة، أو مجموعات من 3 أو 4 بنات مقابل 5 أو 6 أولاد في سن الخامسة أو السادسة، لا يمكن اعتمادها بوصفها متوسطات عامة دون تحديد الدراسة والعينة وطريقة قياس الصداقة.

وقد تظهر مجموعات أكبر لدى الأولاد في بعض السياقات، بينما تكون مجموعات البنات أصغر، لكن هذه الفروق ليست ثابتة في جميع البيئات. وكذلك فإن تقارب الأعداد مع التقدم في العمر يظل مرتبطًا بالسياق المدروس، وليس مسارًا إلزاميًا لجميع الأطفال.

كيف يختار الطفل صديقه؟

تتداخل عوامل متعددة في اختيار الصديق، ولا يوجد تفسير واحد يوضح لماذا تنشأ علاقة مميزة بين شخصين وتستمر مع الزمن. ومع ذلك، يمكن ملاحظة تغير في وزن العوامل المؤثرة في الصداقة مع نمو الطفل.

في الطفولة المبكرة، تؤدي فرص اللقاء دورًا مهمًا؛ فوجود الأطفال في المكان نفسه، ومشاركتهم الروتين واللعب بصورة متكررة، يتيح التعارف ويزيد فرص نشوء علاقة ودية. وقد يسهم التشابه في بعض الخصائص الظاهرة أو الانتماءات الاجتماعية في التقارب أيضًا.

ولا تكفي مشاركة المكان وحدها لضمان الصداقة، لكنها توفر فرصة لتجربة التفاعل واكتشاف ما يستمتع الأطفال بفعله معًا. فمن خلال اللقاءات المتكررة، قد يفضل الطفل شريكًا معينًا في اللعب ويبحث عن مشاركته.

ومع التقدم في العمر، ولا سيما خلال سنوات المدرسة، تصبح الاهتمامات المشتركة والأنشطة المفضلة أكثر وضوحًا في تفسير اختيار الأصدقاء واستمرار العلاقة. وقد يتجلى هذا التطور بين سن 7 و10 سنوات، دون أن تكون هناك حدود عمرية حاسمة، أو أن تغيب الاهتمامات المشتركة عن صداقات الأطفال الأصغر.

الصداقة والنمو المعرفي واللغوي

توفر الصداقة سياقًا متكررًا لاستعمال اللغة والتفكير المشترك. فعندما يتفق الأطفال على لعبة أو يناقشون ما يريدون فعله، يحتاجون إلى التعبير عن أفكارهم والإصغاء إلى الآخرين وتبادل الأدوار أثناء الحديث.

كما تتيح هذه المواقف فرصًا لطلب التوضيح وشرح المقصود ومراجعة الفكرة عندما لا يفهمها الصديق. ومن خلال اختلاف الرغبات والاقتراحات، يتدرب الطفل على الانتباه إلى وجهة نظر أخرى غير وجهة نظره.

وبذلك يمكن أن تسهم التفاعلات الودية في ممارسة مهارات لغوية ومعرفية مهمة، ضمن أنشطة تحمل معنى للطفل وتثير اهتمامه.

الصداقة وتنظيم المشاعر

تؤدي الصداقة الداعمة دورًا في التعبير عن الانفعالات والتعامل معها. فعندما يمر الطفل بموقف مفرح أو محزن، قد يجد في صديقه من يشاركه الخبرة أو يستمع إليه أو يقدم له المساندة.

وتتيح هذه العلاقة فرصًا للتعبير عن المشاعر وفهم مشاعر الآخرين، وقد تساعد الطفل على مواجهة بعض الصعوبات اليومية. غير أن أثر الصداقة يرتبط بجودتها؛ فالمساندة والتقدير يختلفان عن علاقة يغلب عليها النزاع أو الإقصاء.

وقد بينت دراسة حول صداقات أطفال الروضة أن المساعدة والتقدير داخل الصداقة ارتبطا بجوانب إيجابية من التكيف المدرسي، بينما ارتبط النزاع ببعض الصعوبات. ومن ثم، فإن وجود صديق لا يكفي وحده، بل تهم طبيعة العلاقة وما توفره للطفل.

أهمية الصداقة عند الانتقال إلى بيئة جديدة

تظهر قيمة الصداقة عند انتقال الطفل إلى مدرسة أو حضانة جديدة، أو عند تغير الأشخاص الذين يعتنون به، أو مشاركته في مخيم صيفي أو التحاقه بمؤسسة أخرى. فهذه المواقف تجمع بين اكتشاف المكان والتعرف على أشخاص وقواعد غير مألوفة.

ويمكن لوجود صديق مألوف أن يمنح الطفل شعورًا بالاستمرارية والانتماء، ويشجعه على المشاركة واستكشاف المحيط والانفتاح على الآخرين. كما قد تصبح الصداقات الجديدة جزءًا من عملية التكيف نفسها.

وتعد الفترة الأولى مهمة في بناء الخبرة الجديدة، لكنها لا تحدد وحدها نتيجة الانتقال. وقد أشارت أبحاث الانتقال المدرسي إلى ارتباط الصداقة ببعض جوانب التكيف، مثل تقبل المدرسة والشعور بالمساندة، مع اختلاف النتائج بحسب نوعية العلاقات وظروف الانتقال.

خاتمة

تمثل الصداقة جانبًا مهمًا من حياة الطفل ونموه، وتتغير صورتها ومعاييرها مع العمر والخبرة. فهي تتيح فرصًا لتطوير اللغة والحوار وفهم الآخرين، وتقاسم المشاعر، والحصول على المساندة، والتكيف مع البيئات الجديدة. وتكمن قيمتها في نوعية التفاعل الذي توفره، بما يساعد الطفل على بناء علاقات إيجابية والمشاركة بثقة في محيطه الاجتماعي.

المراجع

[1] Halim, M. L., Ruble, D., Tamis-LeMonda, C., & Shrout, P. E. (2013). Rigidity in Gender-Typed Behaviors in Early Childhood: A Longitudinal Study of Ethnic Minority Children. Child Development, 84(4), 1269–1284.

الرابط: https://doi.org/10.1111/cdev.12057

[2] Ladd, G. W., Kochenderfer, B. J., & Coleman, C. C. (1996). Friendship quality as a predictor of young children’s early school adjustment. Child Development, 67(3), 1103–1118.

الرابط: https://pubmed.ncbi.nlm.nih.gov/8706512/

[3] Tomada, G., Schneider, B. H., de Domini, P., Greenman, P. S., & Fonzi, A. (2005). Friendship as a predictor of adjustment following a transition to formal academic instruction and evaluation. International Journal of Behavioral Development.

الرابط: https://doi.org/10.1177/01650250544000099

[4] Kalvin, C., Bierman, K. L., & Erath, S. A. (2023). Prevention and Intervention Programs Promoting Positive Peer Relations in Early Childhood. Encyclopedia on Early Childhood Development.

الرابط: https://www.child-encyclopedia.com/peer-relations/according-experts/prevention-and-intervention-programs-promoting-positive-peer

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم
جاري تجهيز رابط التحميل
شكرًا لزيارتكم موقع المربي. نتمنى أن تجدوا في هذا الملف ما يفيد عملكم التربوي، ونسعد دائمًا بعودتكم للاستفادة من موارد الموقع ومشاركتها مع من يحتاجها.
5
يرجى الانتظار قليلاً حتى يتم تجهيز رابط التحميل.
سيظهر زر متابعة التحميل بعد انتهاء مدة الانتظار.
🔊
الاستماع إلى المقال Écouter cet article
الحالة: جارٍ تحميل الأصوات...
تقدم القراءة 0%
الأصوات المتوفرة على جهازك: جارٍ الفحص...