تطور الأمن العاطفي لدى الأطفال الصغار: من التعلق الأسري إلى الصداقة والانتماء للجماعة

 يبدأ الطفل حياته معتمدًا على الآخرين في تلبية احتياجاته الأساسية، من الغذاء والحماية إلى التهدئة والتواصل. وفي سياق هذه الرعاية اليومية، تتشكل خبراته الأولى عن نفسه وعن الأشخاص المحيطين به: هل يجد من يستجيب لإشاراته؟ هل يستطيع طلب المساعدة؟ وهل يعود إلى الشعور بالطمأنينة عندما يخاف أو ينزعج؟ تمثل هذه الخبرات مدخلًا لفهم تطور الأمن العاطفي في الطفولة المبكرة.

ولا تقتصر دراسة هذا التطور على علاقة الطفل بوالديه، بل تشمل شبكة علاقاته داخل الأسرة، ثم علاقاته بالأقران والمربين والجماعات التي يشارك فيها. وتتداخل هذه العلاقات عبر النمو، فتتيح له أشكالًا مختلفة من المساندة والتعلم والانتماء. ويعرض هذا المقال المحاور الثلاثة المترابطة: التعلق بمقدمي الرعاية، وبناء الصداقات، والتفاعل داخل الجماعات، مع توضيح دلالاتها التربوية.

دمى قماشية في ركن دافئ ترمز إلى الطمأنينة والصداقة والأمن العاطفي في الطفولة المبكرة.

ما المقصود بالأمن العاطفي؟

يمكن فهم الأمن العاطفي بوصفه شعور الطفل بأن هناك أشخاصًا يستطيع الاعتماد عليهم، وأن حاجته إلى الحماية والمواساة ستجد استجابة مناسبة. ولا يعني ذلك غياب الخوف أو الحزن أو الغضب، وإنما وجود علاقات تساعده على التعامل مع هذه الانفعالات واستعادة قدرته على اللعب والاستكشاف والتواصل.

ويختلف هذا المفهوم الواسع عن التعلق، وإن ارتبط به. فالتعلق يشير إلى رابطة محددة مع مقدم رعاية يلجأ إليه الطفل طلبًا للأمان، بينما يتأثر شعوره العام بالأمن أيضًا بطريقة معاملته في البيت والقسم، وخبراته مع أقرانه، ووضوح البيئة المحيطة به. لذلك لا تختزل الطمأنينة في سلوك واحد، مثل الهدوء أو قلة البكاء.

الإنسان كائن اجتماعي منذ بدايات الحياة

لا ينمو الطفل بمعزل عن العلاقات. فمنذ وقت مبكر، تسهم نظراته وأصواته وبكاؤه وابتساماته في جذب انتباه المحيطين به واستمرار التواصل معهم. وهذه السلوكيات ليست خططًا واعية يضعها الرضيع، بل وسائل مبكرة للتعبير والتقارب وطلب الرعاية.

وتكتسب استجابة الراشد أهمية من تكرارها داخل مواقف الحياة اليومية. فعندما يلاحظ اهتمام الطفل بشيء ويشاركه النظر إليه، أو يستجيب لصوته، أو يحاول فهم سبب انزعاجه، ينشأ تفاعل متبادل يتيح للطفل المشاركة بدل أن يكون متلقيًا سلبيًا للعناية. ويؤكد المجلس العلمي الوطني لنمو الطفل أن العلاقات المتجاوبة تشكل سياقًا أساسيًا للنمو المبكر، لأنها تتكيف مع اهتمامات الطفل وقدراته ومبادراته [1].

التعلق: رابطة تتشكل تدريجيًا

يشير التعلق، أو L’attachement بالفرنسية، إلى رابطة عاطفية تتطور بين الطفل وأشخاص يقدمون له رعاية منتظمة، ويستعين بهم عندما يحتاج إلى الحماية أو الراحة. وتظهر أهمية هذه الرابطة خصوصًا في مواقف التعب والخوف والانفصال، حين يبحث الطفل عن القرب أو التهدئة [2].

ولا تتكون العلاقة مكتملة منذ الولادة. تبدأ بتفاعلات مبكرة، ثم تصبح استجابات الطفل أكثر تمييزًا للأشخاص المألوفين مع تراكم الخبرات. وتؤثر حساسية مقدم الرعاية، أي قدرته على ملاحظة الإشارات وفهمها والاستجابة المناسبة لها، في جودة العلاقة.

ومن ثم، فإن وجود الراشد قرب الطفل لا يكفي وحده لوصف طبيعة التعلق؛ فالمهم أيضًا ما يحدث بينهما عندما يحتاج الطفل إلى المساندة. كما لا يمكن الحكم على نمط العلاقة من مشهد عابر، أو من بكاء الطفل عند دخول القسم، أو من سرعة اقترابه من أشخاص جدد.

الأمان والاستكشاف والاستقلال التدريجي

توضح نظرية التعلق أن مقدم الرعاية قد يمثل قاعدة آمنة ينطلق منها الطفل لاستكشاف محيطه، وملاذًا يعود إليه عندما يشعر بالضيق. وبذلك يمكن أن يسير طلب القرب وتجريب الاستقلال معًا: يبتعد الطفل نحو لعبة، ثم ينظر إلى الراشد أو يعود إليه، قبل أن يستأنف نشاطه [2].

ولا تعني أهمية العلاقات الأولى أنها تحدد المستقبل بصورة نهائية. فهي تؤثر في مسار النمو ضمن عوامل متعددة، وتظل الخبرات اللاحقة والدعم المتاح وظروف الحياة ذات أهمية. لذلك ينبغي تجنب تحويل مفاهيم التعلق إلى أحكام ثابتة على الطفل أو إلى وسيلة لإلقاء اللوم على الأسرة.

الأسرة شبكة من العلاقات المتنوعة

يحتل الوالدان موقعًا مهمًا في حياة كثير من الأطفال، وقد يشاركهما الجد أو الجدة أو مقدم رعاية ثابت في تلبية الاحتياجات اليومية. وينبغي فهم دور كل شخص انطلاقًا من الرعاية الفعلية واستمرار العلاقة، مع مراعاة تنوع الأوضاع الأسرية.

وتسهم العلاقات مع الإخوة والأخوات كذلك في الخبرة الاجتماعية للطفل. ففي الحياة اليومية تظهر مواقف التقليد واللعب والمساعدة وتقاسم الأشياء والاختلاف حولها. غير أن العلاقة بالأخ أو الأخت ليست تلقائيًا علاقة تعلق بالمعنى نفسه الذي يصف علاقة الطفل بمقدم رعاية مسؤول عن حمايته وتهدئته.

والدلالة التربوية لهذا التنوع هي النظر إلى شبكة الطفل كما يعيشها، دون افتراض نموذج واحد لجميع الأسر. فمن المفيد أن يعرف المربي الأشخاص المعتادين على رعايته، وطريقة تهدئته، وما يساعده على الانتقال بين البيت والمؤسسة.

اتساع العلاقات خارج الأسرة

مع دخول الحضانة أو التعليم الأولي، يلتقي الطفل راشدين وأطفالًا لم يكونوا جزءًا من حياته اليومية. ويحتاج إلى وقت للتعرف على الوجوه والقواعد والأماكن، وإلى خبرات متكررة تساعده على فهم ما ينتظره.

ولا تعوض هذه العلاقات الأسرة بصورة آلية، وإنما تضيف سياقات جديدة للتواصل. ويمكن للمربي أن يجعل الانتقال أكثر وضوحًا باستقبال ثابت، وتعليمات مفهومة، وروتين متوقع، واستجابة هادئة لطلب المساعدة.

ومن التطبيقات التربوية الممكنة تخصيص وقت قصير للترحيب بالطفل، وإخباره بما سيحدث بعد الوداع، وإتاحة نشاط مألوف يبدأ به يومه. ويظل التكيف متفاوتًا بين الأطفال، فلا تقارن حاجاتهم إلى المساندة على أساس سرعة الانفصال وحدها.

من التفاعل مع الأقران إلى الصداقة

تتيح العلاقات مع الأقران خبرة تختلف عن العلاقة بالراشد. فالطفل يلتقي شريكًا له رغباته وأفكاره، ويحتاج معه إلى التفاوض حول اللعبة والدور والقواعد. ومع تكرار اللقاءات، قد تظهر تفضيلات متبادلة ورغبة في اللعب مع طفل بعينه، بما يشكل أساسًا لصداقات مبكرة.

ولا تتطابق الصداقة مع مجرد وجود طفلين في المكان نفسه. فهي تتضمن جانبًا من الاختيار والتبادل والاستمرار، وإن اختلفت صورتها ودرجة ثباتها بحسب العمر والخبرة. كما لا يعني اتساع العلاقات مع الأقران أن الطفل توقف عن الحاجة إلى دعم الراشدين.

وتوفر هذه التفاعلات فرصًا لتعلم قواعد التعامل وممارسة ضبط السلوك في مواقف اجتماعية فعلية. لكنها قد تتضمن أيضًا الرفض أو الإقصاء، ولذلك تعتمد قيمة الخبرة على نوعيتها، لا على كثرة الاحتكاك بالأطفال وحدها [3].

ماذا يتعلم الطفل داخل الصداقة؟

يمكن أن يكتشف الطفل أثناء اللعب المشترك أن استمرار النشاط يحتاج إلى الإصغاء والاقتراح والانتظار وطلب التوضيح. وقد يتعلم أن صديقه لا يفهم قصده من الإشارة وحدها، فيجرب وصفًا أوضح، أو يقترح حلًا عندما يريد كلاهما الأداة نفسها.

وتحدد البحوث التربوية مهارات مهمة للعلاقات الإيجابية، منها التعاون في اللعب، والمحادثة، وفهم المشاعر، وتنظيم الانفعال، وحل الخلافات بوسائل مناسبة. ويمكن دعم هذه المهارات بالنمذجة والقصص والدمى والممارسة اليومية المنظمة [4].

ولا يعني ذلك مطالبة الطفل بالتنازل دائمًا أو قبول كل طلب. فمن الأهداف أيضًا تعلم التعبير عن الرفض بطريقة محترمة وطلب المساعدة عند التعرض للأذى.

ديناميكيات الجماعة: علاقات تتجاوز الصداقة الثنائية

عندما يشارك الأطفال في مجموعة صغيرة، تظهر علاقات لا تختزل في صداقة بين طفلين. فقد تتكون مجموعات فرعية حول اهتمام مشترك، ويتولى بعض الأطفال المبادرة، بينما يراقب آخرون قبل الانضمام، وتتغير الأدوار أثناء النشاط.

ويختلف التفاعل بحسب السياق. فالطفل الذي يقترح أفكارًا كثيرة في لعبة بناء مألوفة قد يقل كلامه في نشاط لغوي جديد. وقد يشارك بسهولة مع صديق يعرفه، ويتردد في مجموعة كبيرة أو في موقف لم يفهم قواعده.

لذلك ينبغي وصف السلوك في سياقه بدل تثبيت صفات شاملة على الطفل. فقولنا إنه لم يشارك في حوار هذه المجموعة أدق من وصفه بأنه غير اجتماعي. وتشير دراسة علاقات الأقران إلى أهمية التمييز بين الخبرات الثنائية مع الأصدقاء والخبرات داخل الجماعة الأوسع [3].

دور المربي في بناء جماعة داعمة

يمكن للمربي تهيئة مجموعات صغيرة بمهام واضحة وأدوار قابلة للتبادل، وملاحظة من يحصل على فرص الكلام ومن يبقى خارج النشاط. ويقترح، عند الحاجة، طريقة للانضمام إلى اللعب أو عبارة لطلب الأداة، ثم يتيح للأطفال متابعة التفاعل.

كما ينبغي الانتباه إلى تكرار الإقصاء أو السخرية والتدخل لإيقاف الأذى، دون الاكتفاء بدعوة الطفل المتضرر إلى التحمل. وفي الخلافات اليومية البسيطة، يمكن مساعدة الأطفال على وصف ما حدث وسماع وجهات النظر واقتراح حل عملي.

وتدعم برامج التعلم الاجتماعي والعاطفي استعمال التعليم الصريح للمهارات مع ممارستها داخل اليوم الدراسي، بدل حصرها في درس منفصل عن العلاقات الفعلية [4].

الأمن العاطفي مسؤولية يومية مشتركة

يمكن ترجمة الاهتمام بالأمن العاطفي إلى ممارسات بسيطة ومتواصلة:

— الإصغاء إلى الطفل ومحاولة فهم حاجته قبل تفسير سلوكه.

— تقديم قواعد واضحة مع تجنب الإهانة والتخويف.

— الاعتراف بالمشاعر مع وضع حدود للسلوك المؤذي.

— إتاحة فرص للعب التعاوني والاختيار وطلب المساعدة.

— التواصل بين الأسرة والمربي حول المواقف المتكررة وطرق الدعم.

— ملاحظة العلاقات عبر الزمن بدل إصدار أحكام من حادثة واحدة.

ولا تستلزم الرعاية استجابة مثالية في كل لحظة. فالعلاقات تبنى أيضًا من خلال العودة إلى التواصل وتوضيح سوء الفهم وإصلاح المواقف الصعبة. ويقدم التفاعل المتبادل بين الطفل والراشد فرصًا متكررة لهذا التواصل والاستجابة [5].

خاتمة

يتطور الأمن العاطفي داخل شبكة من العلاقات تبدأ بالرعاية المبكرة، وتتسع لتشمل الأسرة والأقران والمربين والجماعات. ولكل مستوى وظيفته: توفر علاقات التعلق مصدرًا للحماية والراحة، وتتيح الصداقات التبادل والتعاون، وتمنح الجماعة فرصًا لتعلم المشاركة والتعامل مع اختلاف الأدوار والرغبات. وفهم هذا الترابط يساعد الأسر والمربين على دعم الطفل دون اختزاله في سلوك عابر، وعلى بناء بيئة يستطيع فيها طلب المساعدة والتعبير عن نفسه واستكشاف محيطه.

المراجع

[1] National Scientific Council on the Developing Child. (2004). Young Children Develop in an Environment of Relationships. Working Paper No. 1. Center on the Developing Child, Harvard University.

موضوع المرجع: دور العلاقات المتجاوبة في النمو المبكر.

الرابط: https://developingchild.harvard.edu/resources/working-paper/wp1/

[2] Encyclopedia on Early Childhood Development. Attachment. الملف الموضوعاتي حول التعلق، قسم Synthesis.

موضوع المرجع: تشكل التعلق ووظيفة مقدم الرعاية بوصفه مصدرًا للأمان والاستكشاف.

الرابط: https://www.child-encyclopedia.com/attachment

[3] Boivin, M., & Provost, L. (2024). The Origin of Peer Relationship Difficulties in Early Childhood and their role in Children’s Psychosocial Adjustment and Development. Encyclopedia on Early Childhood Development. Revised edition.

موضوع المرجع: العلاقات مع الأقران والصداقات والخبرات داخل الجماعات وصعوباتها.

الرابط: https://www.child-encyclopedia.com/peer-relations/according-experts/origin-peer-relationship-difficulties-early-childhood-and-their

[4] Kalvin, C., Bierman, K. L., & Erath, S. A. (2023). Prevention and Intervention Programs Promoting Positive Peer Relations in Early Childhood. Encyclopedia on Early Childhood Development. 2nd revised edition.

موضوع المرجع: تنمية المهارات الاجتماعية والعاطفية ودعم العلاقات الإيجابية بين الأطفال.

الرابط: https://www.child-encyclopedia.com/peer-relations/according-experts/prevention-and-intervention-programs-promoting-positive-peer

[5] Center on the Developing Child, Harvard University. A Guide to Serve & Return and Early Childhood Development.

موضوع المرجع: التفاعل المتبادل والمتجاوب بين الطفل ومقدم الرعاية.

الرابط: https://developingchild.harvard.edu/resource-guides/guide-serve-and-return/

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم
جاري تجهيز رابط التحميل
شكرًا لزيارتكم موقع المربي. نتمنى أن تجدوا في هذا الملف ما يفيد عملكم التربوي، ونسعد دائمًا بعودتكم للاستفادة من موارد الموقع ومشاركتها مع من يحتاجها.
5
يرجى الانتظار قليلاً حتى يتم تجهيز رابط التحميل.
سيظهر زر متابعة التحميل بعد انتهاء مدة الانتظار.
🔊
الاستماع إلى المقال Écouter cet article
الحالة: جارٍ تحميل الأصوات...
تقدم القراءة 0%
الأصوات المتوفرة على جهازك: جارٍ الفحص...