للدكتور أحمد عبد الحميد
ماجستير أصول التربية جامعة طنطا - مصر
في ظاهر الأمر، يبدو التعليم مؤسسةً تستهلك الموارد؛ مبانٍ تُشيَّد، ومعلمون يتقاضون أجورهم، وكتب تُطبع، وتجهيزات تُشترى، وميزانيات تُرصد كل عام. غير أن هذه الصورة، على وضوحها، لا تكشف سوى الجانب المرئي من حكاية أكثر اتساعًا؛ حكاية تبدأ بموارد تُنفق اليوم، وتمتد آثارها إلى إنسان سيشارك غدًا في تشكيل الاقتصاد والمجتمع، وربما في إعادة رسم ملامحهما.
فما الذي نشتريه حقًا حين ننفق على التعليم؟ هل نشتري سنوات دراسية، أم نبني قدرة الإنسان على التفكير والإنتاج والاختيار؟ وهل يمكن الحكم على كفاءة مؤسسة تعليمية من حجم ما تنفقه، أم أن الحكم الحقيقي يبدأ من السؤال عما صنعه هذا الإنفاق في عقول المتعلمين، وفي فرصهم، وفي قدرتهم على مواجهة عالم لا يتوقف عن التغير؟
من هذه الأسئلة يتشكل المدخل الحقيقي إلى اقتصاديات التعليم؛ ذلك المجال الذي لا يقتصر على حساب تكلفة العملية التعليمية، بل يبحث في كيفية تخصيص موارد محدودة لتحقيق أفضل النتائج الممكنة، وفي طبيعة العلاقة بين ما يقدمه المجتمع للتعليم وما يعود عليه من آثار اقتصادية واجتماعية وإنسانية.
مفارقة تستحق التأمل في اقتصاديات التعليم أن المجتمع قد يعرف، بدقة، تكلفة المقعد الدراسي، لكنه لا يعرف بالقدر نفسه القيمة التي أضافها هذا المقعد إلى صاحبه؛ وقد يُحسن حساب ما أنفقه على إعداد أجياله، دون أن يمتلك دائمًا أدوات كافية لتقدير ما أهدره من قدراتها.
ليست هذه فجوة حسابية فحسب، بل فجوة في فلسفة التقييم ذاتها؛ إذ تقع بين ما تستطيع المؤسسات عَدَّه، وما ينبغي عليها أن تفهمه، وبين الموارد التي تدخل المنظومة التعليمية، والقدرات التي يُفترض أن تخرج منها.
فالتعليم ليس عملية نقل للمعرفة داخل مؤسسات فقط ، ولا معادلة مالية يُستخرج طرفها الأخير من حاصل طرح التكلفة من العائد. إنه عملية تتداخل فيها الموارد الاقتصادية مع التكوين الإنساني، ويتحول فيها الزمن إلى خبرة، والخبرة إلى قدرة، والقدرة إلى إمكان إنتاجي واجتماعي قد تتجاوز آثاره الحدود التي رُسمت له عند بداية الاستثمار.
ومن هنا، فإن السؤال الأكثر أهمية في اقتصاديات التعليم ليس كيف نُموّل التعليم فحسب، بل كيف نمنع التمويل من أن يتحول إلى غاية مستقلة عن وظيفته؛ وكيف نضمن ألا تصبح سلامة الإجراءات المالية بديلًا عن سلامة النتائج التعليمية.
فالميزانية قد تكون كافية، والمؤسسة قد تكون مكتملة التجهيز، ومعدلات النجاح قد تبدو مطمئنة، ومع ذلك تظل هناك فجوة بين اكتمال البناء الإداري واكتمال الأثر التعليمي. وقد تنجح المنظومة في إدارة مدخلاتها، بينما لا تحقق بالمستوى نفسه قدرتها على إنتاج المعرفة القابلة للاستخدام، أو تنمية المهارات التي تمنح المتعلم استقلالًا في التفكير ومرونة في مواجهة التحولات.
ولعل أكثر أشكال الهدر التعليمي هو المتعلم فقد ينتقل بين الصفوف، ويحصل على الشهادات، ويستكمل سنوات الدراسة، دون أن تتناسب حصيلته المعرفية مع المسار الذي اجتازه. هنا تنفصل الحركة الإدارية عن التقدم المعرفي، ويصبح من الممكن أن يتقدم المتعلم داخل النظام دون أن يتقدم بالقدر نفسه في امتلاك أدوات الفهم والتطبيق.
وتظهر هذه المسألة بوضوح في العلاقة بين التعليم وسوق العمل. فحين تُصمم المخرجات التعليمية وفق الاحتياجات القائمة وحدها، قد تنجح المنظومة في الاستجابة للحاضر، لكنها تظل معرضة للتأخر أمام التحولات التي تعيد تشكيل المهن والمهارات.
أما التعليم الذي ينمي قدرة الإنسان على التعلم والتكيف وإعادة توظيف معرفته، فإنه لا يكتفي بإعداد قوة عاملة للاقتصاد القائم، بل يسهم في بناء قدرة المجتمع على التعامل مع اقتصاد لم تتحدد ملامحه كاملة بعد.