كيف تتشكل تفضيلات الوجوه والمشاعر لدى المولود الجديد؟
بعد أن أظهرت الدراسات أن الطفل يستطيع خلال أيام قليلة التعرف إلى وجه أمه، وأنه ينجذب منذ ولادته إلى الوجوه والعينين والنظر المباشر، يبرز سؤال آخر مهم: هل يولد الطفل وهو يفضل نوعًا محددًا من الوجوه البشرية؟ وهل يميل منذ البداية إلى وجوه الأشخاص الذين ينتمون إلى المجموعة العرقية نفسها التي ينتمي إليها؟ أم أن هذه التفضيلات تظهر لاحقًا نتيجة ما يراه في بيئته؟
هذا السؤال مهم لأنه يسمح للباحثين بفهم مقدار ما يكون موجودًا منذ الولادة، ومقدار ما يتشكل تدريجيًا من خلال الخبرة اليومية.
هل يفضل المولود الجديد وجوه أفراد مجموعته العرقية؟
للإجابة عن هذا السؤال عرض الباحثون على الأطفال صورًا لأشخاص ينتمون إلى مجموعات عرقية مختلفة.
وشملت الصور وجوهًا لقوقازيين وآسيويين وأفارقة وأشخاص من شعوب الشرق الأوسط.
وكانت التجربة تقوم على عرض صورتين في الوقت نفسه أمام الطفل.
إحدى الصورتين تظهر وجهًا من المجموعة القوقازية.
والصورة الأخرى تظهر وجهًا من مجموعة عرقية مختلفة.
ثم يقيس الباحثون مدة نظر الطفل إلى كل واحد من الوجهين.
فالمدة التي يخصصها الطفل للنظر إلى صورة مقارنة بالأخرى تستخدم مؤشرًا على وجود تفضيل بصري.
وقارن الباحثون بين أطفال حديثي الولادة وأطفال بلغوا ثلاثة أشهر.
ماذا أظهرت النتائج؟
ظهرت نتيجة مهمة للغاية.
الأطفال حديثو الولادة لم يظهروا تفضيلًا واضحًا لوجوه مجموعة عرقية معينة.
فلم يكن المولود ينظر تلقائيًا مدة أطول إلى الوجه الذي ينتمي إلى المجموعة العرقية التي ينتمي إليها.
وكان اهتمامه بالوجوه المختلفة متقاربًا.
لكن الصورة تغيرت عند عمر ثلاثة أشهر.
ففي هذا العمر بدأ الأطفال يظهرون ميلًا أكبر إلى النظر إلى وجوه الأشخاص الذين ينتمون إلى المجموعة التي اعتادوا رؤيتها بصورة متكررة في محيطهم اليومي.
وهكذا ظهر اختلاف واضح بين لحظة الولادة وبعد مرور بضعة أشهر من الخبرة البصرية.
الخبرة اليومية هي التي تصنع التفضيل
تدل هذه النتائج على أن هذا النوع من التفضيل لا يكون موجودًا بصورة فطرية منذ الولادة.
فالطفل لا يأتي إلى العالم وهو يحمل تفضيلًا بصريًا جاهزًا لوجوه مجموعة عرقية معينة.
بل تتشكل هذه الأفضلية تدريجيًا نتيجة ما يراه.
خلال الأشهر الأولى يتعرض الطفل باستمرار لوجوه الأشخاص المحيطين به.
يرى أفراد الأسرة.
ويرى الأشخاص الذين يقدمون له الرعاية.
ويرى الأقارب وغيرهم ممن يتعاملون معه بانتظام.
ومع تكرار التعرض تصبح بعض أنماط الوجوه أكثر ألفة لديه من غيرها.
وعند بلوغ نحو ثلاثة أشهر يمكن لهذه الخبرة أن تظهر في صورة تفضيل بصري.
وهذا يقدم مثالًا جديدًا على مرونة النظام الإدراكي في الأشهر الأولى.
فالطفل يولد بقدرة واسعة على التعامل مع أنواع مختلفة من الوجوه، ثم تؤثر البيئة التي يعيش فيها في الطريقة التي تتخصص بها خبرته البصرية.
هل يحدث الأمر نفسه مع وجوه النساء والرجال؟
لا يقتصر تأثير الخبرة على المجموعة العرقية.
فقد لاحظ الباحثون ظاهرة مشابهة عندما درسوا تفضيلات الأطفال للوجوه النسائية والذكورية.
إذا كانت الأم هي الشخص الذي يقضي معظم الوقت مع الطفل ويتولى القسم الأكبر من رعايته، فإن الطفل عند عمر ثلاثة أشهر يصبح أكثر ميلًا إلى النظر إلى الوجوه النسائية.
أما إذا كان الأب هو مقدم الرعاية الأساسي ويقضي مع الطفل معظم الوقت، فقد يصبح الطفل أكثر اهتمامًا بالوجوه الذكورية.
وهذه النتيجة مهمة لأنها تؤكد أن الطفل لا يتعلم فقط التعرف إلى شخص واحد بعينه.
إنه يستخرج أيضًا بعض الخصائص العامة من الوجوه التي يراها بصورة متكررة.
فالخبرة المتكررة مع فئة معينة من الوجوه تجعل تلك الفئة أكثر ألفة.
ومع مرور الوقت تظهر هذه الألفة في طريقة توزيع الطفل لانتباهه.
التفضيل لا يعني الرفض
من المهم فهم معنى كلمة التفضيل في هذه الدراسات.
عندما يقال إن الطفل يفضل نوعًا معينًا من الوجوه، لا يعني ذلك أنه يرفض الوجوه الأخرى أو يشعر تجاهها بموقف اجتماعي أو أخلاقي.
فالحديث هنا عن مدة النظر فقط.
أي أن الطفل يمنح وجهًا معينًا قدرًا أكبر قليلًا من الانتباه بسبب الألفة والخبرة.
ولهذا فإن هذه التجارب تكشف طريقة تنظيم الإدراك البصري ولا تصف مواقف اجتماعية واعية.
وهذا أمر بالغ الأهمية عند تفسير نتائج الدراسات التي تجرى على الأطفال في هذه السن المبكرة.
فالطفل لا يمتلك بعد المفاهيم الاجتماعية المعقدة المرتبطة بالهوية أو الانتماء.
إنه ببساطة يتعلم من الأنماط التي تتكرر أمامه.
الخبرة تشكل إدراك الوجوه
تؤكد هذه النتائج فكرة ظهرت مرارًا في دراسة المولود الجديد: الجهاز الإدراكي في بداية الحياة مرن للغاية.
هناك استعداد قوي للنظر إلى الوجوه.
لكن نوع الوجوه الأكثر ألفة يتأثر بما يراه الطفل.
وهكذا تتشكل خبرته تدريجيًا.
في البداية يكون مجال اهتمامه واسعًا.
ثم تترك البيئة اليومية آثارها.
فالوجوه التي يراها باستمرار تصبح مألوفة.
ويصبح الدماغ أكثر خبرة في التعامل مع خصائصها.
ومع مرور الوقت يستطيع الطفل التمييز بصورة متزايدة بين المألوف وغير المألوف.
لماذا تظل الوجوه شديدة الأهمية؟
من بين العدد الهائل من الأشياء التي تحيط بالطفل، تتمتع الوجوه بمكانة خاصة.
فالوجه يرافق معظم التفاعلات المهمة في حياة المولود.
عندما يُحمل يرى وجهًا.
وعندما يُطعم يرى وجهًا.
وعندما يسمع الكلام غالبًا ما يكون أمامه وجه.
وعندما يحاول شخص تهدئته أو ملاعبته فإنه يتواصل معه من خلال الوجه والصوت معًا.
لهذا تصبح الوجوه واحدة من أغنى مصادر المعلومات في البيئة المبكرة.
ورغم أن معظم الوجوه البشرية تتكون من البنية الأساسية نفسها، عينين وأنف وفم، فإن كل وجه يحمل ترتيبًا وتفاصيل خاصة تجعله مختلفًا عن غيره.
كما أن الوجه نفسه لا يبقى ثابتًا.
فالملامح تتغير باستمرار.
العينان تفتحان وتغلقان.
والفم يتحرك أثناء الكلام.
والوجه يبتسم أو يتغير تبعًا للحالة الانفعالية.
ولهذا فإن تعلم الوجوه مهمة معقدة جدًا.
ومع ذلك يبدأ الطفل فيها منذ الأيام الأولى.
ويتطور تدريجيًا من مجرد الانجذاب العام إلى الوجه إلى القدرة على التعرف إلى الوجوه المألوفة والتمييز بينها وبين الوجوه الجديدة.
هل إدراك الوجوه خاص بوجه الإنسان؟
إذا كان الطفل ينجذب بقوة إلى الوجوه، فمن الطبيعي أن يسأل الباحثون عما إذا كان هذا النظام الإدراكي متخصصًا منذ البداية في وجوه البشر فقط.
هل يولد الطفل مستعدًا لمعالجة الوجه البشري تحديدًا؟
أم أن نظام إدراك الوجوه في البداية أكثر مرونة ويستطيع التعامل أيضًا مع وجوه كائنات أخرى؟
لاختبار ذلك استخدم العلماء صورًا لوجوه البشر ووجوه القردة.
ثم عرضوا هذه الصور على الأطفال حديثي الولادة وقاسوا استجاباتهم البصرية.
المولود يميز وجه الإنسان عن وجه القرد
أظهرت التجارب أن الأطفال يستطيعون التمييز بين وجه الإنسان ووجه القرد.
أي أن الصورتين لا تعاملان بوصفهما متطابقتين.
فالطفل قادر على اكتشاف وجود اختلاف بين النوعين.
لكن المفاجأة كانت أن الأطفال حديثي الولادة لم يظهروا بالضرورة تفضيلًا تلقائيًا لوجه الإنسان عندما عُرض وجه إنسان ووجه قرد معًا.
وهذا يعني أن امتلاك القدرة على التمييز لا يساوي بالضرورة امتلاك تفضيل.
فالطفل يدرك أن الوجهين مختلفان، لكنه لا يخصص دائمًا وقتًا أطول لوجه الإنسان.
هذه النتيجة تشير إلى أن نظام معالجة الوجوه في بداية الحياة ما يزال واسعًا ومرنًا.
فالطفل لا يولد بنظام مغلق لا يستجيب إلا للوجه البشري.
بل يستطيع معالجة مجموعة أوسع من الوجوه.
الوضع الطبيعي للوجه مهم حتى مع وجوه القردة
قدم الباحثون دليلًا إضافيًا على هذه المرونة.
عندما عرضت على الأطفال وجوه قرود في وضعها الطبيعي وأخرى مقلوبة، فضل الأطفال النظر إلى وجه القرد الموجود في الوضع الطبيعي.
وهذه النتيجة تشبه ما يحدث عند عرض الوجوه البشرية.
إذن ليست استجابة الطفل لشكل الوجه مقصورة بصورة كاملة على الإنسان.
فحتى وجه كائن آخر يمكن أن يعالج بطريقة تتأثر باتجاهه وتنظيمه.
وهذا يعزز فكرة أن نظام إدراك الوجوه عند الولادة يتمتع بقدر كبير من المرونة.
إنه مستعد للتعلم من البيئة، ولم يتخصص بصورة نهائية بعد في نوع واحد من الوجوه.
ماذا يحدث عندما توضع عيون بشرية في وجه قرد؟
أجرى الباحثون تجربة أكثر غرابة للكشف عن أهمية العينين.
استخدموا صورًا لوجوه قرود، لكنهم استبدلوا عيون القردة بعيون بشرية.
ثم عرضوا هذه الصور على الأطفال وقارنوا استجاباتهم لها.
عند الولادة لم يظهر الأطفال تفضيلًا خاصًا لوجه القرد الذي يحتوي على عيون بشرية.
أي أن إضافة العينين البشريتين لم تكن كافية في هذه المرحلة لجعل الصورة أكثر جذبًا.
لكن النتيجة تغيرت بعد بضعة أشهر.
ابتداءً من عمر ثلاثة أشهر بدأ الأطفال يفضلون وجوه القردة التي تحتوي على عيون بشرية.
كيف يمكن فهم هذه النتيجة؟
خلال الأشهر الأولى يقضي الطفل وقتًا طويلًا في النظر إلى الوجوه البشرية.
وكما رأينا سابقًا، تعد العينان من أكثر أجزاء الوجه أهمية في التفاعل.
ينظر الناس إلى الطفل.
وتتغير اتجاهات أعينهم.
ويحدث تواصل بصري متكرر.
ومع تزايد هذه الخبرة يبدو أن العين البشرية تكتسب أهمية خاصة داخل نظام إدراك الوجه.
ولهذا، حتى عندما توضع العينان البشريتان داخل وجه قرد، يمكنهما عند عمر ثلاثة أشهر تقريبًا أن تزيدا من اهتمام الطفل بالصورة.
مرة أخرى يظهر تأثير الخبرة بوضوح.
ما لم يكن مميزًا عند الولادة يصبح أكثر أهمية بعد شهور قليلة من التفاعل مع البشر.
تخصص تدريجي وليس فوريًا
تقدم هذه التجارب صورة واضحة عن تطور الإدراك.
فالطفل يولد بنظام مرن قادر على التعامل مع نطاق واسع من المثيرات.
ثم تأتي الخبرة وتعيد تنظيم هذا النظام تدريجيًا.
كلما شاهد الطفل وجوه البشر وتفاعل معها، ازدادت خبرته في معالجة خصائصها.
وتكتسب العينان والنظر المباشر وملامح الوجه أهمية متزايدة.
وهكذا ينتقل الإدراك من مرونة واسعة في البداية إلى قدر أكبر من التخصص مع مرور الوقت.
هذه العملية لا تحدث في يوم واحد.
بل تتشكل نتيجة آلاف المواقف اليومية الصغيرة التي يرى فيها الطفل أشخاصًا يتحركون ويتحدثون وينظرون إليه.
من إدراك الوجوه إلى التعبير عن المشاعر
لا يقتصر الوجه على تحديد هوية الشخص.
فهو أيضًا إحدى أهم وسائل التعبير عن المشاعر.
الفرح والحزن والانزعاج والدهشة والاشمئزاز وغيرها من الحالات تظهر بدرجات مختلفة على الوجه.
ولهذا اهتم العلماء بالسؤال عما إذا كان التعبير الوجهي يبدأ بعد الولادة فقط، أم أن جذوره تظهر في مرحلة أبكر.
وهنا ساعد تطور تقنيات التصوير الطبي الباحثين على مراقبة الجنين نفسه قبل الولادة.
ماذا تكشف صور الجنين رباعية الأبعاد؟
أتاح التصوير بالموجات فوق الصوتية رباعي الأبعاد، المعروف اختصارًا باسم 4D، فرصة لمشاهدة حركات وجه الجنين بتفاصيل أكبر مما كان ممكنًا في السابق.
وبفضل هذه التقنية استطاع الباحثون متابعة تغيرات ملامح الوجه داخل الرحم.
وأظهرت الملاحظات أن الجنين، ابتداءً من نحو الأسبوع 34 من الحمل، يستطيع إنتاج عدد محدود من تعابير الوجه.
ومن بينها الابتسام.
هذه النتيجة مهمة لأنها تبين أن بعض الحركات التي تشكل أساس التعبير الوجهي تظهر قبل الولادة نفسها.
فالطفل لا يحتاج إلى دخول العالم الخارجي كي يبدأ وجهه في تنفيذ أنماط حركية يمكن التعرف إليها بوصفها أشكالًا أولية من التعبير.
ابتسامة المولود أثناء النوم
بعد الولادة يمكن مشاهدة الابتسام لدى الأطفال حديثي الولادة، وخاصة أثناء النوم.
قد يرى الأب أو الأم الطفل نائمًا ثم تظهر على وجهه ابتسامة قصيرة.
وقد لوحظ هذا السلوك أيضًا لدى صغار الشمبانزي.
ويشير التشابه إلى أن هذا النوع المبكر من الابتسام قد تكون له جذور بيولوجية مشتركة.
أي أن ظهوره لا يحتاج بالضرورة في بدايته إلى تعلم اجتماعي معقد.
ومع ذلك فإن تعابير الطفل تتطور بعد الولادة وتصبح تدريجيًا أكثر ارتباطًا بالتفاعل مع الأشخاص والأحداث المحيطة.
هل يبتسم الطفل بسبب ما يحدث حوله؟
لا تقتصر ابتسامات حديث الولادة على النوم.
فقد أظهرت التجارب أن بعض المثيرات الممتعة يمكن أن تؤدي إلى استجابات وجهية إيجابية.
ومن الأمثلة الواردة في المصدر رائحة الفانيليا.
عندما يتعرض الطفل لرائحة الفانيليا، وهي رائحة توصف في التجربة بأنها ممتعة، قد يظهر على وجهه تعبير يشمل الابتسام.
وهذا يعني أن الوجه يستطيع منذ وقت مبكر أن يعكس اختلاف استجابة الطفل للمثيرات.
رائحة كريهة وتعبير الاشمئزاز
عندما يتغير نوع المثير تتغير تعابير الوجه أيضًا.
فعند تقديم رائحة كريهة، مثل رائحة البيض الفاسد، يظهر على الطفل تعبير واضح عن الاشمئزاز.
وهنا يصبح الفرق بين استجابته للمثير الممتع والمثير المنفر ظاهرًا على الوجه.
فالطفل لا يستجيب للروائح المختلفة بالطريقة نفسها.
بل تظهر على ملامحه تغيرات متوافقة مع طبيعة التجربة التي يتعرض لها.
وهذا يقدم للباحثين وسيلة أخرى لدراسة الحالات الانفعالية المبكرة.
الصوت المزعج يظهر على الوجه أيضًا
لا تقتصر الاستجابات على الروائح.
عندما يسمع الطفل صوتًا مزعجًا، يمكن أن تتغير ملامحه.
ومن الاستجابات التي رصدها الباحثون عقد الحاجبين وإظهار علامات الانزعاج.
وهكذا تستطيع مثيرات قادمة من حواس مختلفة أن تنعكس على الوجه.
الرائحة قد تنتج استجابة إيجابية أو تعبير اشمئزاز.
والصوت المزعج قد يؤدي إلى تغيرات تدل على الانزعاج.
وبذلك يصبح الوجه نافذة يمكن من خلالها ملاحظة بعض حالات الطفل الداخلية.
هل تعني هذه التعبيرات أن مشاعر المولود تشبه مشاعر الراشد؟
ينبغي التعامل بحذر مع هذا السؤال.
المادة التي بين أيدينا تؤكد أن الطفل يستطيع منذ الأيام الأولى إظهار عدد من التعبيرات الوجهية المختلفة استجابة لمثيرات مختلفة.
لكن هذه التعبيرات في البداية محدودة.
ومع النمو تصبح أكثر تنوعًا وتعقيدًا.
أي أن القدرة على إظهار بعض مظاهر الابتسام أو الاشمئزاز أو الانزعاج في بداية الحياة لا تعني أن النظام الانفعالي للمولود مكتمل بالصورة التي نجدها عند الطفل الأكبر أو الراشد.
إنها بداية لمسار تطوري طويل.
ومع نمو الدماغ وتزايد الخبرات الاجتماعية تصبح تعابير الوجه أكثر تنوعًا وأكثر ارتباطًا بالأشخاص والمواقف.
من الوجه إلى العلاقة الاجتماعية
تكشف كل هذه النتائج عن أهمية استثنائية للوجه في بداية الحياة.
الطفل ينجذب إلى الوجه.
ويتذكر بعض الوجوه.
ويتعلم الوجه المألوف.
وتتغير تفضيلاته تبعًا للوجوه التي يراها باستمرار.
ويكتسب اهتمامًا متزايدًا بالعينين.
وفي الوقت نفسه يستخدم وجهه هو نفسه للتعبير عن بعض الحالات.
وبذلك يصبح الوجه أداة مزدوجة.
من خلاله يستقبل الطفل المعلومات عن الآخرين.
ومن خلاله أيضًا تبدأ حالاته الداخلية في الظهور للآخرين.
وهذا التبادل يشكل أساسًا مهمًا للعلاقة الاجتماعية المبكرة.
فالوالدان ينظران إلى ملامح الطفل ويحاولان فهم ما إذا كان مرتاحًا أو منزعجًا.
والطفل بدوره ينظر إلى وجوههما ويجمع المعلومات منها.
وهكذا تبدأ دورة التواصل قبل ظهور اللغة بزمن طويل.
ما الذي تكشفه هذه الدراسات عن الأشهر الأولى؟
تكشف الأبحاث أن الكثير مما نراه عند عمر ثلاثة أشهر لم يكن موجودًا بالطريقة نفسها لحظة الولادة.
حديث الولادة لا يظهر تفضيلًا عرقيًا للوجوه.
وبعد أشهر من رؤية فئة معينة بصورة متكررة، يبدأ التفضيل في الظهور.
حديث الولادة لا يفضل وجه القرد ذي العينين البشريتين.
لكن بعد ثلاثة أشهر من الخبرة بالوجوه البشرية تصبح العين البشرية ذات أهمية خاصة.
وهذا يعني أن الفترة القصيرة بين الولادة وثلاثة أشهر ليست مجرد مرحلة نمو جسدي.
إنها فترة تعلم إدراكي شديد السرعة.
الطفل يتعرض خلالها لكمية كبيرة من المعلومات، ويبدأ دماغه بتنظيمها واكتشاف الأنماط المتكررة فيها.
الخبرة تغير ما يجذب انتباه الطفل
يمكن تلخيص الفكرة الأساسية في أن ما يجذب نظر الطفل لا تحدده الفطرة وحدها.
هناك استعدادات موجودة منذ البداية، مثل الاهتمام بالوجوه.
لكن داخل هذا الإطار الواسع تتدخل الخبرة.
فالوجوه التي يراها كثيرًا تصبح أكثر ألفة.
والخصائص التي تتكرر أمامه تكتسب وزنًا أكبر.
وهكذا تتكيف قدراته الإدراكية مع البيئة التي يعيش فيها.
إنه مثال واضح على التفاعل بين الاستعداد البيولوجي والتعلم.
فالطفل لا يولد بصفحة فارغة تمامًا، ولا يولد أيضًا بنظام نهائي ثابت.
إنه يولد بمجموعة من الاستعدادات المرنة التي تسمح للخبرة بتشكيلها.
من النظرة الأولى إلى التعلم الاجتماعي
عندما ينظر المولود إلى وجه أمامه قد يبدو الأمر بسيطًا جدًا.
لكن الدراسات تكشف أن هذه النظرات تحمل وراءها قدرًا كبيرًا من العمل الإدراكي.
فالطفل يلاحظ الاختلاف بين الوجوه.
ويتعلم المألوف منها.
ويبدأ في تخصيص انتباهه تبعًا لما يتكرر في بيئته.
ويميز بين وجه إنسان ووجه قرد.
ويستجيب إلى اتجاه الوجه.
وتزداد أهمية العينين مع الخبرة.
وفي الوقت نفسه تتطور قدرته على التعبير بوجهه عن بعض الحالات.
كل ذلك يحدث قبل أن ينطق كلمة واحدة.
وقبل أن يستطيع الطفل أن يخبرنا بما يراه أو يشعر به، تكشف نظراته وتعابير وجهه أن عملية التعلم الاجتماعي بدأت بالفعل.
ومن هنا يتضح أن الأشهر الأولى ليست فترة انتظار سلبية، بل مرحلة نشطة جدًا يعيد فيها الدماغ تنظيم معرفته بالعالم وفق الخبرات التي يتلقاها يومًا بعد يوم.
المصدر
إدوار جنتاز وكارين مازينس، بالتعاون مع فلور لوجون وجينيفر مالسير وأمايا بالاما، مادة حول الكفاءات الإدراكية لدى الأطفال حديثي الولادة، ضمن الدورات المفتوحة واسعة النطاق MOOCs بجامعة جنيف حول التطور النفسي للطفل.
