لا يقتصر اهتمام الطفل حديث الولادة بالوجه البشري على ملامحه الخارجية أو على قدرته على التعرف إلى وجه أمه، فالوجه بالنسبة إلى الإنسان وسيلة أساسية للتواصل ونقل المعلومات الاجتماعية والانفعالية. ومن خلال تغير بسيط في العينين أو الحاجبين أو الفم يمكن للوجه أن يعبر عن الفرح أو الحزن أو الخوف أو الغضب أو الدهشة أو الاشمئزاز.
لكن هل يستطيع الطفل الذي لم يمض على ولادته سوى أيام قليلة أن يلاحظ هذه الاختلافات؟ وهل يميز بين وجه سعيد ووجه حزين أو مندهش؟ وإذا كان قادرًا على التمييز بينها، فهل يعني ذلك أنه يفهم فعلًا معنى المشاعر التي تعبر عنها؟
هذه الأسئلة شغلت الباحثين في علم نفس النمو، وقادت إلى سلسلة من التجارب التي حاولت الكشف عن الطريقة التي يتعامل بها المولود الجديد مع تعبيرات الوجه، واتجاه النظر، والتواصل البصري، ثم مع الأصوات التي كان يسمع بعضها منذ المرحلة الجنينية.
الوجه ليس مجرد عينين وأنف وفم
عندما ينظر المولود إلى وجه إنسان، فإنه لا يرى بنية ثابتة لا تتغير. فالوجه يتبدل باستمرار تبعًا لحالة الشخص الذي أمامه.
الابتسامة تغير شكل الفم والخدين والعينين.
والحزن يغير وضعية الفم والحاجبين.
والدهشة توسع العينين وتغير شكل الفم.
والخوف يخلق نمطًا آخر من التغيرات.
ولهذا فإن إدراك الوجوه لا يعني فقط التعرف إلى هوية الشخص، وإنما يعني أيضًا التعامل مع تغيرات مستمرة داخل الوجه نفسه.
وهذه القدرة مهمة للغاية في الحياة الاجتماعية، لأن الإنسان يستخدم الوجه باستمرار لمعرفة ما يحدث لدى الآخرين.
فهل تظهر بدايات هذه القدرة منذ الولادة؟
التجارب الأولى حول إدراك تعابير الوجه
في بعض الدراسات الأولى حول هذه المسألة عرض الباحثون على الأطفال حديثي الولادة ثلاثة أنواع من تعبيرات الوجه.
وجه سعيد.
وجه حزين.
وجه مندهش.
وكان الشخص البالغ يقف أمام الطفل على مسافة تقارب 30 سنتيمترًا.
وهذه المسافة مهمة لأنها تقع تقريبًا ضمن المجال الذي يستطيع المولود رؤية الوجه فيه بدرجة معقولة في الأيام الأولى، كما أنها قريبة من المسافة الطبيعية التي تفصل بين وجه الطفل ووجه الشخص الذي يحمله أو يطعمه.
كان الباحث يعرض على الطفل تعبيرًا واحدًا بصورة متكررة.
فقد يرى الطفل الشخص نفسه وهو يظهر تعبير السعادة مرة بعد أخرى.
ومع استمرار العرض يبدأ اهتمام الطفل بالتعبير في الانخفاض تدريجيًا.
وهذا هو مبدأ التعود الذي سبق الحديث عنه.
فالشيء الذي يتكرر يصبح مألوفًا، ومع الألفة ينخفض زمن النظر إليه.
بعد أن يعتاد الطفل التعبير الأول، يغير الشخص تعبير وجهه.
فإذا كان سعيدًا يصبح حزينًا مثلًا، أو يتحول إلى التعبير المندهش.
ثم يراقب الباحثون ما يحدث.
إذا عاد الطفل إلى إطالة النظر، فإن ذلك يدل على أنه لاحظ شيئًا جديدًا.
أي أنه أدرك أن الوجه أمامه لم يعد يعرض التعبير نفسه.
هل يستطيع المولود التمييز بين السعادة والحزن والدهشة؟
أظهرت نتائج هذه الدراسات أن الأطفال استطاعوا إظهار استجابات مختلفة عند تغير التعبير.
وبحسب هذه النتائج، كان الطفل قادرًا على التمييز بين الوجه السعيد والحزين والمندهش.
لكن المثير للاهتمام لم يكن فقط مقدار الوقت الذي يقضيه الطفل في النظر إلى الوجه، بل أيضًا المنطقة التي يركز عليها داخل الوجه.
فقد لاحظ الباحثون أنه عندما يشاهد الطفل تعبير الفرح أو الحزن، يميل إلى تركيز نظره بدرجة أكبر على منطقة الفم.
أما عندما يشاهد تعبير الدهشة، فيوزع نظره بصورة أكبر بين الفم والعينين.
وهذا قد يشير إلى أن الطفل لا يفحص الوجه بطريقة عشوائية تمامًا، بل تتغير المناطق التي تجذب انتباهه تبعًا لطبيعة التعبير المعروض أمامه.
الفم يحمل معلومات مهمة
من السهل فهم أهمية الفم في بعض التعبيرات.
فالابتسامة تحدث تغيرًا واضحًا في شكله، كما يظهر اختلاف واضح في الفم عند الحزن.
وفي مرحلة تكون فيها حدة بصر الطفل محدودة، قد تكون هذه الاختلافات الكبيرة والواضحة أسهل في الالتقاط من بعض التغيرات الدقيقة الأخرى.
أما في تعبير الدهشة فتحدث تغيرات كبيرة في الفم والعينين معًا، وهو ما قد يفسر اهتمام الطفل بالمنطقتين.
لكن هذه النتائج، رغم أهميتها، لم تحسم المسألة بصورة نهائية.
هل تؤكد كل الدراسات هذه القدرة؟
الإجابة هي لا.
فعندما حاول باحثون آخرون إعادة تنفيذ بعض هذه التجارب، لم يتمكنوا دائمًا من الحصول على النتائج نفسها.
وهذا أمر مهم جدًا في البحث العلمي.
فالنتيجة لا تصبح قوية لمجرد ظهورها في تجربة واحدة، وإنما تزداد الثقة فيها عندما يستطيع باحثون مختلفون تكرار الدراسة والوصول إلى نتائج متقاربة.
وبما أن بعض النتائج المبكرة حول إدراك التعبيرات لم تتكرر دائمًا بالطريقة نفسها، فإن العلماء ما زالوا حذرين في تحديد مقدار قدرة حديثي الولادة على التمييز الدقيق بين المشاعر المختلفة.
وهذا لا يعني أن المولود لا يرى أي اختلاف بين الوجوه، بل يعني أن مستوى هذه القدرة وحدودها الدقيقة لا تزال موضع نقاش علمي.
ماذا كشفت الدراسات الأحدث؟
حاولت الدراسات الحديثة استخدام طرائق أكثر ضبطًا، ومن بينها عرض صور ثابتة لوجوه تحمل تعبيرات مختلفة.
ومن النتائج التي ظهرت أن الطفل حديث الولادة لا يميز بصورة واضحة دائمًا بين وجه خائف ووجه محايد.
أي أن الاختلاف بين التعبيرين لا يؤدي بالضرورة إلى استجابة بصرية قوية يمكن قياسها باستمرار.
لكن عندما تتم المقارنة بين وجه مبتسم ووجه يعبر عن الخوف، يظهر نمط مختلف.
فالأطفال يميلون إلى النظر مدة أطول إلى الوجه المبتسم.
وهذا يشير إلى أن بعض التعابير قد تكون أكثر جذبًا لانتباه المولود من غيرها.
هل يعني ذلك أن الطفل يعرف معنى الابتسامة؟
ليس بالضرورة.
وهذه نقطة أساسية في تفسير الدراسات.
عندما ينظر الطفل مدة أطول إلى الوجه المبتسم، فهذا يثبت وجود اختلاف في استجابته البصرية.
لكنه لا يثبت وحده أن الطفل يفكر: هذا الشخص سعيد.
فالتمييز الإدراكي بين شكلين لا يساوي بالضرورة فهم المعنى النفسي أو العاطفي الذي يحمله كل شكل.
يمكن للطفل أن يلاحظ أن الوجه المبتسم مختلف عن الوجه الخائف أو المحايد من دون أن يمتلك مفهومًا واعيًا عن السعادة أو الخوف.
ولهذا يميز الباحثون بين القدرة على إدراك اختلاف في التعبير وبين فهم الحالة الانفعالية التي يمثلها التعبير.
هل يفهم المولود مشاعر الشخص الآخر؟
حتى الآن، وفق المادة التي بين أيدينا، لا توجد أدلة كافية تسمح بالقول إن المولود الجديد يفهم المعنى العاطفي الكامل لتعبير الوجه.
نحن نعرف أنه يمكن أن يستجيب بطريقة مختلفة لبعض الوجوه.
ونعرف أنه قد يميز بعض التغيرات داخل الوجه.
ونعرف أن بعض التعبيرات تجذبه أكثر من غيرها.
لكننا لا نستطيع من هذه النتائج وحدها التأكيد أنه يدرك أن الشخص الآخر يشعر فعلًا بالفرح أو الحزن أو الخوف.
هذا النوع من الفهم الاجتماعي والانفعالي يتطور تدريجيًا مع نمو الطفل ومع كثرة تفاعلاته مع الآخرين.
اتجاه النظر يغير استجابة الطفل
لا ينظر الطفل إلى تعبير الوجه وحده.
فاتجاه العينين يحمل هو الآخر معلومات مهمة.
وقد اكتشف الباحثون أن استجابة المولود إلى الوجه المبتسم تتأثر باتجاه نظر الشخص.
فعندما يكون الوجه مبتسمًا وفي الوقت نفسه ينظر مباشرة إلى الطفل، يميل المولود إلى تفضيله على الوجه المحايد.
لكن عندما يكون الوجه المبتسم موجها نظره إلى الجانب، لا يظهر التفضيل نفسه بالصورة الواضحة ذاتها.
ويحدث الأمر نفسه عندما يكون التعبير خوفًا بدل الابتسام.
أي أن الابتسامة وحدها ليست العامل الوحيد المؤثر.
النظر المباشر نحو الطفل يضيف معلومة اجتماعية أخرى.
الابتسامة الموجهة إلى الطفل أكثر جذبًا
هذه النتيجة تكشف أن الطفل يتعامل مع أكثر من عنصر في الوقت نفسه.
فهو يرى شكل الفم.
ويرى العينين.
ويلاحظ اتجاه النظر.
ويبدو أن اجتماع الابتسامة مع النظر المباشر يخلق مثيرًا اجتماعيًا أقوى من ابتسامة لا تكون موجهة إليه.
وهذا ينسجم مع ما رأيناه سابقًا من أن المولود يفضل الوجوه التي تنظر إليه مباشرة.
فالاتصال البصري يحتل مكانة مهمة منذ بداية الحياة.
النظر المباشر إشارة اجتماعية
عندما ينظر شخص إلى الطفل مباشرة، فإن العينين تحملان إشارة مهمة.
إنها تقول بصورة غير لفظية إن انتباه الشخص موجه نحوه.
ولا يحتاج الطفل إلى فهم هذا المعنى بصورة واعية كي يستجيب له.
يكفي أن يكون جهازه الإدراكي حساسًا لهذا النمط من النظر.
وقد يكون هذا الاستعداد ذا أهمية كبيرة في بداية العلاقات الاجتماعية، لأن معظم التفاعلات بين الراشد والطفل تتضمن النظر المباشر والكلام وتعابير الوجه في الوقت نفسه.
ماذا نستنتج عن إدراك المشاعر؟
يمكن القول إن المولود منذ الأيام الأولى يستطيع ملاحظة بعض الفروق في تعابير الوجه.
لكن قدرته لا ينبغي المبالغة فيها.
فبعض الدراسات وجدت تمييزًا بين السعادة والحزن والدهشة.
لكن إعادة بعض التجارب لم تنتج النتائج نفسها دائمًا.
كما أن الدراسات الأحدث تشير إلى أن بعض الفروق، مثل الفرق بين الخوف والحياد، ليست واضحة للمولود بالضرورة.
وفي المقابل يبدو الوجه المبتسم أكثر جذبًا من الوجه الخائف في بعض الظروف.
ويصبح هذا التفضيل أوضح عندما ينظر الشخص مباشرة إلى الطفل.
وبذلك يمكن القول إن المولود يمتلك بدايات حساسية للتعبير الاجتماعي، لكن الفهم الكامل للانفعالات لا يزال مرحلة لاحقة في التطور.
الوجه أداة للإدراك الاجتماعي
هذه النتائج تقودنا إلى فكرة أوسع.
فالوجه بالنسبة إلى الطفل ليس مجرد جسم بصري مميز.
إنه مصدر للمعلومات الاجتماعية.
من خلاله يمكن للطفل التقاط اتجاه النظر.
ومن خلال حركة الفم يستطيع الربط بين الكلام والوجه.
ومن خلال الاتصال البصري يصبح التفاعل أكثر وضوحًا.
ومن خلال تكرار مشاهدة وجه معين يستطيع الطفل تعلمه وتذكره.
ولذلك حاول الباحثون معرفة ما إذا كان النظر المباشر أثناء الكلام يساعد المولود فعلًا على تعلم هوية الشخص.
تجربة النساء اللواتي يتحدثن إلى الأطفال
في إحدى الدراسات عُرضت على الأطفال حديثي الولادة مقاطع فيديو لنساء يتحدثن إليهم.
لكن الباحثين غيروا عنصرًا مهمًا بين المقاطع.
في بعض الحالات كانت المرأة تتحدث وهي تنظر مباشرة إلى الطفل.
أي أن وجهها وصوتها ونظرتها كلها كانت موجهة نحوه.
وفي حالات أخرى كانت المرأة تتحدث بالكلام نفسه تقريبًا، لكنها تنظر إلى جهة أخرى ولا تحقق اتصالًا بصريًا مباشرًا.
بعد انتهاء مرحلة العرض، قدم الباحثون للطفل صورًا لوجوه.
كان أحدها وجه المرأة التي سبق أن ظهرت له.
وكان الوجه الآخر جديدًا لم يره من قبل.
ثم قيس زمن النظر إلى كل صورة.
ماذا أظهرت النتائج؟
ظهر فرق واضح بحسب طريقة التواصل السابقة.
عندما كانت المرأة قد تحدثت إلى الطفل وهي تنظر إليه مباشرة، استطاع الطفل فيما بعد إظهار استجابة تدل على التعرف إلى وجهها.
فقد نظر مدة أطول إلى الوجه الذي سبق أن تحدث إليه بالنظر المباشر.
أما عندما كانت المرأة قد تكلمت وهي تنظر بعيدًا عن الطفل، فلم يظهر فرق واضح بين الوجه المألوف والوجه الجديد.
هذه النتيجة تشير إلى أن النظر المباشر لا يجذب الانتباه في اللحظة نفسها فقط.
بل قد يساعد أيضًا على التعلم والتذكر.
النظر والكلام يعملان معًا
عندما ينظر الشخص مباشرة إلى الطفل ويتحدث إليه، تجتمع عدة إشارات اجتماعية.
الصوت يصل إلى الأذن.
حركة الفم تظهر للعين.
العينان موجهتان مباشرة نحو الطفل.
والوجه كله يصبح مرتبطًا بتجربة تواصلية.
وهذا التكامل قد يجعل من السهل على الطفل تسجيل الوجه في ذاكرته.
أما عندما يكون الكلام موجودًا من دون اتصال بصري مباشر، فقد تكون الإشارة الاجتماعية أقل قوة بالنسبة إلى المولود.
وهذا يقدم مثالًا آخر على أن التعلم المبكر لا يعتمد على حاسة واحدة.
فالمولود يجمع بين النظر والصوت والحركة.
التواصل البصري يساعد في التعرف إلى الأشخاص
يمكن أن تبدو عملية النظر إلى طفل أثناء الحديث معه أمرًا طبيعيًا وبسيطًا في الحياة اليومية.
لكن هذه الدراسات تشير إلى أنها تحمل قيمة إدراكية مهمة.
فالطفل لا يسمع صوتًا فقط.
إنه يتعلم أن صوتًا معينًا مرتبط بوجه معين.
وعندما يكون هذا الوجه موجها نحوه مباشرة، يبدو التعلم أقوى.
ولهذا تصبح التفاعلات اليومية المعتادة، مثل الاقتراب من الطفل والنظر إليه والكلام معه، جزءًا من البيئة التي يتعلم من خلالها التعرف إلى الأشخاص.
من البصر إلى السمع
بعد دراسة الوجه والعينين والتعبيرات، ننتقل إلى حاسة أخرى شديدة الأهمية في بداية الحياة وهي السمع.
وعلى خلاف البصر الذي يكون في مرحلة مبكرة نسبيًا من النضج عند الولادة، يبدأ الجهاز السمعي العمل قبل الولادة بمدة.
فالجنين يعيش داخل الرحم في عالم صوتي.
الرحم ليس مكانًا صامتًا.
متى يبدأ الجنين في الاستجابة للأصوات؟
تشير المادة إلى أن الجنين يبدأ بالاستجابة إلى الأصوات ابتداءً من الشهرين السادس والسابع من الحمل.
وهذا يعني أن هناك فترة طويلة قبل الولادة يتعرض خلالها الجنين لمجموعة متنوعة من الأصوات.
وهذه الأصوات لا تكون جميعها قادمة من خارج جسم الأم.
فجزء مهم منها يأتي من جسمها نفسه.
ما الذي يسمعه الجنين داخل الرحم؟
يسمع الجنين نبضات قلب الأم.
ويسمع صوت تنفسها.
ويسمع أصواتها الداخلية المختلفة.
كما يصل إليه صوتها عندما تتحدث.
ويمكن أن تصل إليه الموسيقى وبعض الأصوات الموجودة في البيئة الخارجية.
لكن الأصوات الخارجية لا تصل إليه بالطريقة نفسها التي يسمعها بها شخص موجود خارج الرحم.
فجدار البطن والسائل الأمنيوسي والأنسجة المحيطة تغير شدة الأصوات وخصائصها.
ومع ذلك تصل كمية من المعلومات السمعية تكفي لأن يكتسب الجنين خبرة ببعض الأنماط الصوتية.
صوت الأم جزء من البيئة اليومية للجنين
من بين الأصوات التي يسمعها الجنين بصورة متكررة صوت الأم.
فهو صوت يتكرر يومًا بعد يوم.
ولا يصل فقط من الخارج، بل ينتقل أيضًا عبر أنسجة جسم الأم.
ولهذا يكون صوتها أحد أكثر الأصوات حضورًا في البيئة الجنينية.
وعندما يولد الطفل لا يبدأ التعرف إلى العالم السمعي من الصفر.
فبعض الأصوات التي يسمعها في الخارج ترتبط بخبرات بدأت قبل الولادة.
هل يتذكر المولود أصوات الرحم؟
تشير الدراسات إلى أن بعض آثار هذه الخبرات تبقى بعد الولادة.
فعندما يسمع المولود أصواتًا كانت موجودة بصورة متكررة في البيئة الرحمية، يمكن أن تظهر لديه استجابات خاصة.
ومن الأمثلة نبضات قلب الأم.
عندما يسمع الطفل بعد الولادة إيقاعًا مألوفًا يشبه نبض القلب الذي كان يسمعه في الرحم، قد يهدأ.
وقد يزداد معدل المص لديه.
وفي بعض الحالات قد يصبح أكثر ميلًا إلى النوم.
هذه الاستجابات تشير إلى أن الصوت ليس جديدًا تمامًا عليه.
فقد سبق أن تعرض له خلال الحياة الجنينية.
الذاكرة تبدأ قبل الولادة
إذا كان المولود يستجيب بصورة خاصة لصوت سمعه قبل ولادته، فإن ذلك يعني أن جهازه العصبي احتفظ بأثر من هذه الخبرة.
ولا يعني ذلك ذاكرة واعية كالتي لدى الشخص البالغ.
فالطفل لا يسترجع صورة للرحم ولا يتذكر حدثًا كما نسترجع نحن قصة من الماضي.
بل يتعلق الأمر بنوع مبكر من الذاكرة يسمح له بالتعرف إلى أنماط صوتية مألوفة.
وهذه الفكرة مهمة جدًا في فهم استمرارية النمو.
فالولادة ليست خطًا يفصل بين مرحلتين لا علاقة بينهما.
ما تعلمه الجنين داخل الرحم يمكن أن يؤثر في سلوكه بعد الولادة.
الصوت المألوف يمنح نوعًا من الاستقرار
عندما ينتقل الطفل إلى العالم الخارجي، تتغير أشياء كثيرة في وقت واحد.
يتغير الضوء.
وتتغير الحرارة.
ويتغير تأثير الجاذبية.
ويتغير نمط التغذية.
وتصبح الأصوات أكثر وضوحًا وتنوعًا.
وفي وسط هذه التغيرات توجد بعض العناصر المألوفة.
من بينها أصوات سمعها من قبل.
وهذه الألفة قد تساعد على تفسير سبب هدوئه أحيانًا عندما يتعرض لبعض الإيقاعات المعروفة.
إنها ليست بالضرورة استجابة واعية، لكنها تكشف أن الخبرة السابقة تؤثر في السلوك الحالي.
كيف تجتمع الحواس في أول علاقة اجتماعية؟
عندما نضع نتائج البصر والسمع معًا تظهر صورة أكثر تكاملًا.
الطفل يسمع صوت أمه قبل الولادة.
وبعد الولادة يبدأ في رؤية وجهها.
ثم يتكرر ظهور الوجه مع الصوت نفسه.
وتتحرك الشفاه بالتزامن مع الكلام.
وتنظر العينان إليه مباشرة.
وقد تظهر ابتسامة على الوجه.
وهكذا يحصل الطفل في موقف واحد على سلسلة من المعلومات المتزامنة.
صوت.
وجه.
نظرة.
حركة فم.
تعبير.
ومع تكرار هذه التجربة يبدأ الدماغ في الربط بين هذه العناصر.
لذلك لا يمكن فهم الإدراك المبكر دائمًا بدراسة كل حاسة بمعزل عن الأخرى.
المولود كائن اجتماعي قبل أن يتكلم
من السهل أن نربط التواصل باللغة، لكن المولود يدخل العلاقات الاجتماعية قبل أن يستطيع نطق أي كلمة.
ينظر إلى الوجه.
ويستجيب للنظر المباشر.
ويلاحظ بعض تغيرات التعبير.
ويسمع الأصوات.
ويتعرف إلى بعض الأنماط المألوفة.
ويستفيد من اجتماع الصوت والوجه في تعلم هوية الأشخاص.
وهكذا يبدأ التواصل قبل الكلام.
والعلاقة الاجتماعية تسبق اللغة المنطوقة بوقت طويل.
ماذا تعني هذه النتائج للآباء؟
لا تعني هذه الأبحاث أن على الأب أو الأم إجراء تجارب على الطفل أو تدريبه باستمرار على التعرف إلى التعبيرات.
بل تقدم أساسًا علميًا لفهم قيمة التفاعل الطبيعي.
عندما ينظر الأب أو الأم إلى الطفل أثناء الكلام معه، فإن الطفل يحصل على معلومات غنية.
وعندما يبتسم الشخص للطفل، يشاهد المولود تغيرًا في الوجه.
وعندما يسمع صوتًا مألوفًا، قد يرتبط لديه بإحساس من الألفة.
لكن الطفل يحتاج أيضًا إلى الراحة والنوم ولا ينبغي الإفراط في تحفيزه.
الغاية ليست تحويل كل تواصل إلى درس.
بل فهم أن التفاعل اليومي الطبيعي نفسه يحمل فرصًا كثيرة للتعلم.
بين ما نعرفه وما لا نعرفه
تكشف هذه الدراسات قدرًا كبيرًا من قدرات المولود، لكنها تذكرنا أيضًا بأهمية عدم المبالغة في تفسير النتائج.
نحن نعرف أن بعض تعبيرات الوجه تؤدي إلى استجابات بصرية مختلفة.
لكننا لا نعرف أن المولود يفهم معنى المشاعر كما يفهمها الطفل الأكبر.
ونعرف أن النظر المباشر يساعد في جذب الانتباه والتعرف إلى الأشخاص.
ونعرف أن الخبرة السمعية تبدأ قبل الولادة.
ونعرف أن بعض الأصوات المألوفة تترك أثرًا يمكن ملاحظته بعد الولادة.
لكن النمو الانفعالي والاجتماعي سيستمر سنوات طويلة، وستصبح هذه القدرات أكثر دقة وتعقيدًا مع الخبرة والنضج.
الإنسان يبدأ التعلم الاجتماعي منذ الأيام الأولى
تقدم هذه الأبحاث في النهاية صورة مغايرة تمامًا للمولود بوصفه كائنًا لا يدرك شيئًا مما يجري حوله.
فمنذ الأيام الأولى يبدأ في جمع معلومات اجتماعية.
يلاحظ الوجوه.
ويلتفت إلى اتجاه العينين.
ويستجيب إلى بعض التعبيرات.
ويتعلم الأشخاص بصورة أفضل عندما يتحدثون إليه وهم ينظرون نحوه.
كما يحمل معه من الحياة الجنينية خبرة سمعية تساعده على التعرف إلى بعض الأصوات المألوفة.
وهكذا تبدأ رحلة التواصل قبل الكلمات.
وتبدأ الذاكرة قبل أن يستطيع الطفل أن يخبرنا بما يتذكره.
وتبدأ العلاقة بين الوجه والصوت والنظر والانفعال منذ اللحظات الأولى من الحياة خارج الرحم.
ومن هنا نفهم أن العالم الاجتماعي للطفل لا يبدأ عندما ينطق أول كلمة، وإنما يبدأ قبل ذلك بكثير، عبر النظرات والأصوات والتعبيرات التي تحيط به منذ الأيام الأولى.
المصدر
إدوار جنتاز وكارين مازينس، بالتعاون مع فلور لوجون وجينيفر مالسير وأمايا بالاما، مادة حول الكفاءات الإدراكية لدى الأطفال حديثي الولادة، ضمن الدورات المفتوحة واسعة النطاق MOOCs بجامعة جنيف حول التطور النفسي للطفل.
