من أكثر القدرات إثارة للاهتمام لدى الطفل حديث الولادة قدرته المبكرة على التعرف إلى صوت أمه. فالطفل لا يسمع هذا الصوت للمرة الأولى بعد خروجه إلى العالم، بل يكون قد عاش معه مدة طويلة داخل الرحم، ولذلك فإن العلاقة بين الطفل وصوت الأم تبدأ قبل الولادة بوقت طويل.
صوت الأم يصل إلى الجنين داخل الرحم بطريقتين مختلفتين. يصل جزء منه عبر الهواء من خارج الجسم، كما يحدث مع بقية الأصوات الموجودة في البيئة المحيطة بالأم، لكن جزءًا آخر ينتقل عبر أنسجة جسم الأم وعظامها. وهذه الطريقة الثانية تجعل صوتها حاضرًا بصورة خاصة بالنسبة إلى الجنين، لأنه لا يسمعها بالطريقة نفسها التي يسمع بها شخصًا يتحدث من خارج جسمها.
ومع تكرار هذه الخبرة يومًا بعد يوم، يصبح صوت الأم واحدًا من أكثر الأصوات ألفة في البيئة الجنينية.
وعندما يولد الطفل، لا يبدأ التعامل مع هذا الصوت بوصفه صوتًا جديدًا تمامًا.
بل تكشف التجارب أن الأطفال الذين لا يتجاوز عمرهم بضعة أيام يستطيعون بالفعل التمييز بين صوت الأم وصوت امرأة أخرى.
ليس ذلك فقط، بل إنهم يفضلون صوت الأم ويعملون، في بعض التجارب، على سماعه مدة أطول.
كيف عرف العلماء أن الطفل يفضل صوت أمه؟
واجه الباحثون المشكلة نفسها التي تواجه جميع الدراسات التي تتناول حديثي الولادة: لا يستطيع الطفل أن يقول للباحث إن هذا الصوت صوت أمه أو إنه يفضله.
لذلك استخدم العلماء سلوكًا يستطيع المولود التحكم فيه منذ الأيام الأولى، وهو المص.
استُخدمت لهاية أو مصاصة خاصة مزودة بأجهزة حساسة تستطيع قياس طريقة المص.
هذه الأجهزة لا تكتفي بمعرفة ما إذا كان الطفل يمص أم لا، بل تقيس القوة والسرعة والإيقاع.
لاحظ الباحثون أن الأطفال يستطيعون تغيير نمط المص عندما يتغير المثير السمعي الذي يسمعونه.
ومن هنا صمموا تجربة تسمح للطفل نفسه بالتحكم في الصوت.
فإذا مص الطفل وفق نمط معين، كان يسمع صوت أمه.
وإذا غير نمط المص، كان يسمع صوت امرأة غريبة.
في البداية لا يكون الطفل عارفًا بالعلاقة بين طريقة المص والصوت الناتج عنها.
لكن بعد فترة قصيرة من التعرض للتجربة يبدأ في اكتشاف العلاقة بين فعله وبين النتيجة السمعية.
ثم يظهر السلوك الأكثر أهمية.
يبدأ الطفل في تعديل طريقة مصه بصورة تسمح له بسماع صوت أمه مدة أكبر.
وهنا يصبح من الصعب تفسير النتيجة على أنها مجرد صدفة.
فالطفل لا يكتفي بإظهار استجابة مختلفة للصوتين، بل يتعلم كيف يغير سلوكه حتى يحصل على الصوت الذي يفضله.
وهذا يقدم دليلًا على أمرين في الوقت نفسه.
أولهما أن الطفل يستطيع التمييز بين صوت أمه وصوت المرأة الغريبة.
وثانيهما أن صوت الأم يحمل بالنسبة إليه قيمة خاصة تجعله يسعى إلى سماعه.
ذاكرة صوت الأم تبدأ قبل الولادة
لم يتوقف الباحثون عند معرفة أن الطفل يفضل صوت أمه.
بل طرحوا سؤالًا أكثر دقة.
أي نسخة من صوت الأم تكون أكثر ألفة بالنسبة إليه؟
فالطفل بعد الولادة يسمع صوت أمه في الهواء مباشرة.
لكن هذه ليست الطريقة نفسها التي كان يسمع بها الصوت داخل الرحم.
داخل جسم الأم تمر الموجات الصوتية عبر الأنسجة والعظام والسائل المحيط بالجنين، ولذلك تتغير بعض خصائص الصوت.
إذا كان الطفل قد تعلم صوت أمه بعد الولادة فقط، فمن المتوقع أن يفضل النسخة العادية التي يسمعها خارج الرحم.
أما إذا كانت ذاكرته قد بدأت قبل الولادة، فقد يكون أكثر استجابة للصوت عندما يعاد تشغيله بطريقة تشبه ما كان يسمعه في البيئة الجنينية.
وأظهرت التجارب أن الطفل يفضل صوت الأم عندما يعرض بالطريقة التي تحاكي وصوله إليه داخل الرحم.
وهذه النتيجة ذات أهمية كبيرة.
فهي تعني أن خبرة الطفل بالصوت لم تبدأ بعد ولادته.
الجنين كان يسمع صوت أمه.
وكان جهازه العصبي يسجل بعض خصائصه.
وعندما خرج إلى العالم الخارجي ظل قادرًا على التعرف إلى هذا النمط الصوتي الذي عاش معه قبل الولادة.
الذاكرة الجنينية ليست ذاكرة واعية
عندما نقول إن الطفل يتذكر صوت أمه، لا يعني ذلك أن لديه ذاكرة واعية مشابهة لذاكرة الشخص البالغ.
فهو لا يستعيد تجربة من الحمل بصورة قصة أو صورة ذهنية.
لكن جهازه العصبي احتفظ بآثار التجربة.
وحين يسمع الصوت مرة أخرى تظهر استجابة مختلفة عن استجابته لصوت جديد.
وهذا يكفي ليكشف وجود شكل مبكر من الذاكرة والتعلم.
كيف يتفاعل الجنين مع صوت الأم قبل الولادة؟
حتى قبل لحظة الولادة نفسها يمكن ملاحظة اختلاف في استجابة الجنين للأصوات.
فقد تابع الباحثون معدل ضربات قلب الجنين أثناء سماعه أصواتًا مختلفة.
وعندما يسمع صوت أمه يرتفع معدل نبض قلبه.
أما عندما يسمع صوت امرأة غريبة فإن معدل النبض ينخفض.
هذا الاختلاف لا يعني بالضرورة أن الجنين يفهم هوية المتحدث بالطريقة نفسها التي يفهمها بها الراشد، لكنه يدل على أن صوت الأم ليس مجرد صوت آخر بالنسبة إليه.
إنه صوت مألوف يستجيب له الجهاز العصبي بصورة مميزة.
وبذلك يمكن القول إن عملية التعرف إلى صوت الأم تبدأ قبل الولادة بفترة طويلة، ثم تستمر بعد الولادة.
هل يتعرف المولود إلى صوت أبيه أيضًا؟
بعد اكتشاف هذه القدرة لدى الطفل كان من الطبيعي أن يتساءل الباحثون عن صوت الأب.
هل يستطيع الطفل التعرف إليه بالسرعة نفسها؟
حاول العلماء إجراء تجارب مشابهة باستخدام صوت الأب.
لكن النتائج لم تكن مماثلة.
فالأطفال لا يظهرون التعرف نفسه إلى صوت الأب في الأيام الأولى بعد الولادة.
ووفق المصدر، لا يظهر التعرف الواضح إلى صوت الأب إلا في عمر يقارب أربعة أشهر.
ويرتبط الفرق بين صوت الأم وصوت الأب بحجم الخبرة السابقة.
فالجنين يسمع صوت أمه باستمرار داخل الرحم.
كل مرة تتحدث فيها الأم يكون صوتها حاضرًا في بيئته.
أما صوت الأب، رغم إمكانية وصوله من الخارج، فلا يكون حاضرًا بالقدر نفسه ولا ينتقل عبر جسم الأم بالطريقة التي ينتقل بها صوتها.
وهكذا تصبح الخبرة المتكررة عاملًا حاسمًا.
الصوت الذي سمعه الجنين بصورة مستمرة يصبح أسرع في التعرف بعد الولادة.
صوت الأم والأمان المبكر
تكشف هذه الدراسات أيضًا لماذا يمكن لصوت الأم أن يحمل تأثيرًا خاصًا على الطفل بعد الولادة.
فالطفل ينتقل عند الميلاد إلى بيئة جديدة تمامًا.
تتغير الحرارة والضوء والجاذبية واللمس وطريقة التنفس والتغذية.
لكن وسط كل هذه التغيرات يبقى صوت الأم عنصرًا يحمل شيئًا من الألفة.
إنه واحد من الأصوات القليلة التي سبقت العالم الخارجي.
ولهذا قد يهدأ الطفل عند سماعه.
وقد يتوقف عن البكاء.
وقد يصبح أكثر انتباهًا أو استقرارًا.
وهذا لا يحتاج إلى برنامج تدريبي أو إلى تشغيل تسجيلات معقدة.
يكفي أن يكون صوت الأم حاضرًا بصورة طبيعية في حياتها اليومية مع الطفل.
الكلام مع الطفل يبدأ قبل أن يفهم الكلمات
قد يظن بعض الناس أن التحدث إلى المولود لا فائدة منه لأنه لا يفهم معنى الكلمات.
لكن الدراسات الواردة في المصدر تظهر أن أهمية الصوت لا تقتصر على معنى الكلمات.
فالطفل يسمع الإيقاع والنبرة واللحن والخصائص الصوتية.
وقد يكون الصوت نفسه مألوفًا لديه قبل أن يفهم أي كلمة.
ولهذا فإن الكلام والغناء الطبيعيين يشكلان جزءًا من العلاقة بين الأم والطفل منذ الأيام الأولى.
ويشير المصدر إلى أن تحدث الأم مع طفلها وغناءها له يمكن أن يساعدا على تقوية العلاقة بينهما، مستفيدين من الألفة السابقة لصوتها.
هل يدرك المولود المشاعر في نبرة الصوت؟
كما يحمل الوجه إشارات انفعالية، يحمل الصوت أيضًا معلومات عن الحالة العاطفية للمتحدث.
فالجملة نفسها يمكن أن تقال بنبرة سعيدة أو حزينة أو غاضبة أو محايدة.
وتتغير في كل حالة سرعة الكلام وارتفاع الصوت وإيقاعه ونغمته.
وقد بحث العلماء فيما إذا كان المولود يستطيع منذ البداية الاستجابة لهذه الفروق.
وتشير الدراسات الواردة في المصدر إلى أنه يستطيع التمييز بين بعض النبرات الصوتية.
فعندما يسمع نبرة مبهجة وسعيدة، يميل إلى فتح عينيه أكثر.
أما عند سماع نبرة محايدة أو حزينة أو غاضبة فتكون استجابته أقل.
وتظهر هنا مرة أخرى حساسية الطفل المبكرة للخصائص الاجتماعية للصوت.
فهو لا يستجيب إلى وجود الصوت وحده، بل تتغير استجابته عندما تتغير طريقته.
اللغة الأم تؤثر حتى في إدراك النبرة
لكن هناك تفصيلًا مهمًا في هذه النتائج.
هذه القدرة على الاستجابة الواضحة للنبرة تظهر بصورة أفضل عندما تكون النبرة ضمن اللغة الأم التي اعتاد الطفل سماعها داخل الرحم.
وهذا يعني أن الطفل لا يتعلم فقط الخصائص العامة للصوت البشري.
بل يبدأ قبل الولادة في تكوين خبرة بإيقاع اللغة التي يسمعها حوله.
فاللغة لها موسيقاها الخاصة.
وتختلف أنماط النبر والإيقاع وارتفاع الصوت بين اللغات.
وبما أن الجنين يتعرض باستمرار للغة التي تتحدث بها الأم ومن حولها، فإنه يكتسب ألفة مبكرة مع هذه الخصائص.
وعندما يولد قد يستجيب بصورة أوضح للنبرة الانفعالية عندما تكون موجودة داخل النمط اللغوي الذي أصبح مألوفًا لديه.
نبرة الأم الحنونة قبل الولادة
يرى الباحثون أن الجنين يبدأ بالتعود على نبرة صوت أمه قبل الولادة، خصوصًا عندما تتحدث بنبرة هادئة ومليئة بالمودة.
وهذا يعزز الفكرة العامة التي تتكرر في جميع هذه الدراسات: الحياة النفسية والإدراكية لا تبدأ لحظة الولادة من الصفر.
فالعالم الخارجي الجديد يرتبط بخبرات سبق أن بدأت في الرحم.
هل يتأثر المولود ببكاء طفل آخر؟
الصوت لا ينقل الكلمات أو نبرة الحديث فقط.
هناك أصوات لها قيمة انفعالية قوية، مثل بكاء طفل.
وقد تساءل الباحثون عما إذا كان المولود يتأثر ببكاء طفل آخر.
أجريت تجارب على أطفال كان متوسط عمرهم نحو 34 ساعة فقط.
أي أنهم لم يقضوا في العالم الخارجي سوى يوم أو يومين تقريبًا.
وعندما سمع هؤلاء الأطفال بكاء طفل آخر، ازداد بكاؤهم.
لكن مجرد وجود صوت قوي لم يكن كافيًا لإحداث التأثير نفسه.
فعندما كان الطفل في بيئة هادئة كانت استجابته أقل.
وعندما سمع صوتًا صناعيًا مسجلًا بالشدة نفسها تقريبًا، لم تكن استجابته مساوية لاستجابته لبكاء الطفل الحقيقي.
وهذا الاختلاف مهم.
فلو كان الطفل يبكي فقط لأن الصوت مرتفع أو مزعج، فمن المتوقع أن تؤدي الأصوات الصناعية بالقوة نفسها إلى استجابة مشابهة.
لكن استجابته الخاصة لبكاء طفل آخر تشير إلى حساسية مبكرة لهذا النوع من الأصوات.
هل هذه بداية للتعاطف؟
ينظر الباحثون إلى هذه الاستجابة أحيانًا باعتبارها واحدة من الأشكال المبكرة جدًا للاستجابة الانفعالية للآخرين.
فالطفل يتأثر بحالة طفل آخر كما تنقلها أصوات البكاء.
ولا يعني ذلك أن المولود يمتلك تعاطفًا واعيًا ومعقدًا كما نجده لدى الطفل الأكبر أو الراشد.
فهو لا يفهم بالضرورة أن الطفل الآخر يعاني ولا يقرر مساعدته.
لكن هناك استجابة عاطفية أولية تحدث عندما يسمع صوت بكاء صادرًا من طفل آخر.
ولهذا يمكن النظر إليها باعتبارها إحدى البدايات المبكرة لما سيصبح لاحقًا نظامًا أكثر تعقيدًا للتفاعل مع مشاعر الآخرين.
الموسيقى تبدأ قبل الولادة أيضًا
لا تقتصر البيئة الصوتية للجنين على أصوات البشر ونبض القلب.
فالجنين قد يسمع أيضًا الموسيقى التي تشغلها الأم، أو الأصوات القادمة من التلفاز أو المذياع، أو غيرها من الأصوات المتكررة في المنزل.
ومن هنا ظهر سؤال مهم.
هل يمكن للجنين أن يتذكر لحنًا موسيقيًا بعد الولادة؟
إذا كانت الأم تسمع مقطوعة معينة بصورة متكررة خلال الحمل، فهل سيبدو هذا اللحن مألوفًا للطفل بعد ولادته؟
التجارب تشير إلى أن الإجابة نعم.
عندما يسمع الطفل بعد الولادة اللحن نفسه الذي تعرض له مرارًا أثناء الحمل، تتغير حالته.
قد يهدأ.
وقد ينتقل من النشاط والانزعاج إلى حالة أكثر استقرارًا وانتباهًا.
وقد يصبح أكثر استرخاءً.
وهذا يعني أن اللحن ليس بالنسبة إليه مجرد مجموعة جديدة من الأصوات.
هناك شيء مألوف فيه.
من الموسيقى إلى شارة برنامج تلفزيوني
أراد الباحثون اختبار ما إذا كانت الظاهرة تخص الموسيقى المقصودة التي تسمعها الأم، أم أن أي نمط صوتي متكرر يمكن أن يترك أثرًا.
ولهذا درسوا استجابة الأطفال لشارة برنامج تلفزيوني.
كانت بعض الأمهات تتابع برنامجًا معينًا بصورة منتظمة أثناء الحمل.
ونتيجة لذلك كان الجنين يسمع شارة البرنامج مرات عديدة.
بعد الولادة شغّل الباحثون الشارة للأطفال.
وأظهرت النتائج أن الأطفال الذين تعرضوا لها أثناء الحمل استجابوا إليها بصورة تختلف عن الأطفال الذين لم تكن أمهاتهم يتابعن البرنامج نفسه.
هذه النتيجة مهمة لأنها تكشف أن الجنين لا يحتاج إلى تدريب مقصود كي يتعلم الصوت.
يكفي التكرار.
إذا كان لحن أو إيقاع معين يتكرر في البيئة، يمكن أن يترك أثرًا في الذاكرة.
التعلم قبل الولادة يحدث في الحياة اليومية
هذه الدراسات لا تعني أن على الحوامل تشغيل موسيقى محددة من أجل تدريب الجنين.
المهم في النتائج العلمية هو أنها تكشف قدرة الجنين على التعلم من البيئة الصوتية الطبيعية.
فالأصوات اليومية المتكررة يمكن أن تصبح مألوفة.
وصوت الأم يصبح مألوفًا.
وقد تصبح بعض الألحان أو الشارات مألوفة.
ثم تظهر آثار هذه الخبرة بعد الولادة.
الذاكرة السمعية من أوضح أمثلة الاستمرارية بين الجنين والمولود
من بين القدرات المختلفة التي درسها العلماء، تقدم الذاكرة السمعية مثالًا واضحًا للغاية على استمرارية التطور عبر الولادة.
قبل الولادة يسمع الطفل.
وقبل الولادة يتعلم بعض الخصائص الصوتية.
وبعد الولادة يستفيد من هذا التعلم.
يتعرف إلى صوت أمه.
يفضل الطريقة التي كان يسمع بها صوتها داخل الرحم.
يستجيب بصورة خاصة للغة التي اعتاد سماعها.
يتذكر ألحانًا تكررت أثناء الحمل.
وهكذا لا توجد قطيعة كاملة بين الحياة الجنينية والحياة بعد الولادة.
العالم الجديد يحمل عناصر مألوفة من العالم السابق.
الصوت والوجه يلتقيان بعد الولادة
أثناء الحمل يستطيع الجنين سماع الأم لكنه لا يستطيع رؤية وجهها.
بعد الولادة يحدث شيء جديد.
الصوت الذي يعرفه أصبح له وجه.
تتكلم الأم ويتحرك فمها.
وتنظر إلى الطفل.
وتتغير تعابير وجهها.
ويصبح الصوت مرتبطًا تدريجيًا بملامح الشخص الذي يصدره.
وهذا يساعد على فهم النتائج التي رأيناها سابقًا، حيث كان صوت الأم يساهم في تعلم الطفل لوجهها.
فالخبرة السابقة بالصوت تشكل قاعدة يبني عليها الطفل معرفة جديدة بعد الولادة.
المولود لا يعيش عالمًا من الحواس المنفصلة
عندما ننظر إلى هذه النتائج مجتمعة، يظهر بوضوح أن إدراك المولود لا يحدث في قنوات منعزلة.
فهو لا يسمع صوتًا وحده ويرى وجهًا وحده.
الصوت يأتي من وجه.
والفم يتحرك أثناء الكلام.
والعينان تنظران إليه.
ونبرة الصوت تحمل حالة انفعالية.
وتعبير الوجه يحمل معلومات إضافية.
ومع تكرار التفاعل يربط الطفل بين هذه العناصر.
وهكذا يتشكل التعلم عبر عدة حواس في الوقت نفسه.
ما الذي تكشفه هذه القدرات عن المولود؟
تكشف أن الطفل الذي لم يمض على ولادته سوى أيام قليلة يحمل معه بالفعل تاريخًا صغيرًا من الخبرة.
لقد سمع أمه قبل أن يراها.
وسمع اللغة قبل أن يتكلم.
وسمع أنماطًا موسيقية قبل أن يولد.
وتأثر بالأصوات قبل أن يستطيع الاستجابة إليها بحركات إرادية معقدة.
ثم يواصل بعد الولادة التعلم من البيئة الجديدة.
وهذه الحقيقة تغير الطريقة التي نفهم بها بداية الحياة.
فالولادة ليست لحظة يبدأ فيها الإدراك.
إنها لحظة ينتقل فيها الإدراك من بيئة إلى أخرى.
رسالة للوالدين
يمكن أن تمنح هذه النتائج الآباء والأمهات فهمًا أعمق لقيمة التواصل البسيط مع الطفل.
فالحديث معه ليس عديم الجدوى لمجرد أنه لا يفهم الكلمات.
والغناء له ليس مجرد وسيلة للترفيه.
وصوت الأم ليس بالنسبة إليه صوتًا جديدًا تمامًا.
لقد بدأت قصة هذا الصوت معه قبل الولادة.
لكن في الوقت نفسه لا ينبغي تحويل هذه المعرفة إلى ضغط على الأسرة أو إلى برنامج تحفيز متواصل.
فالطفل لا يحتاج إلى أصوات لا تنتهي أو موسيقى طوال اليوم.
إنه يحتاج أيضًا إلى النوم والراحة والهدوء.
القيمة الأساسية تكمن في التفاعل الطبيعي والمتوازن.
صوت مألوف.
كلام هادئ.
غناء بسيط.
قرب إنساني.
واستجابة لحاجات الطفل.
من الرحم إلى العالم الخارجي
تشكل هذه الدراسات واحدة من أكثر الصور وضوحًا لاستمرارية النمو الإنساني.
فالجنين يسمع.
ويتعلم.
ويحتفظ ببعض آثار الخبرة.
ثم يأتي إلى العالم وتظهر تلك الآثار في سلوكه.
صوت الأم مألوف.
لغة البيئة مألوفة في إيقاعها.
بعض الألحان مألوفة.
حتى بعض الأصوات اليومية المتكررة يمكن أن تترك أثرًا.
ومن خلال هذه الخبرات يبني الطفل جسورًا بين حياته قبل الولادة وحياته بعدها.
وهكذا يتضح أن العالم السمعي للمولود الجديد ليس صفحة بيضاء، بل عالم بدأ تشكله بالفعل داخل الرحم، ثم يواصل توسعه وتنظيمه منذ اللحظات الأولى بعد الولادة.
المصدر
إدوار جنتاز وكارين مازينس، بالتعاون مع فلور لوجون وجينيفر مالسير وأمايا بالاما، مادة حول الكفاءات الإدراكية لدى الأطفال حديثي الولادة، ضمن الدورات المفتوحة واسعة النطاق MOOCs بجامعة جنيف حول التطور النفسي للطفل.
