لا يصل الطفل إلى العالم الخارجي خاليًا تمامًا من الخبرة الحسية، فالأشهر التي يقضيها داخل الرحم لا تمر من دون تعلم. فالجنين يسمع الأصوات من حوله، ويتعرض لإيقاع اللغة التي تتحدث بها أمه، ويختبر نكهات وروائح تصل إليه عبر السائل الأمنيوسي، كما يعيش باستمرار خبرات مرتبطة باللمس والحركة. ولهذا تكشف الدراسات أن المولود الجديد يمتلك منذ أيامه الأولى قدرات إدراكية أكثر تطورًا مما كان يُعتقد سابقًا.
ومن بين أكثر هذه القدرات إثارة قدرته على التمييز بين اللغة التي اعتاد سماعها قبل الولادة ولغات أخرى تختلف عنها في إيقاعها ونبرتها، إضافة إلى قدرته المبكرة على الشم والتذوق واستخدام الفم واليدين لاستكشاف الأشياء.
هل يبدأ تعلم اللغة قبل الولادة؟
عندما نتحدث عن تعلم اللغة عند الجنين، لا يعني ذلك أنه يفهم الكلمات أو يعرف معانيها أو يستطيع تحليل الجمل كما يفعل الطفل الأكبر سنًا. فالجنين لا يمتلك بطبيعة الحال معرفة لغوية بهذا المعنى.
لكن اللغة ليست كلمات ومعاني فقط.
لكل لغة إيقاعها الخاص، وطريقة مميزة في توزيع النبرات، وصعود الصوت وهبوطه، وطول المقاطع، وطريقة تعاقب الأصوات.
وخلال الحمل يسمع الجنين هذه الخصائص مرارًا، وخاصة عندما تتحدث الأم.
صوت الأم هو أحد أكثر الأصوات حضورًا في البيئة الجنينية، ولذلك يسمع الجنين الإيقاع اللغوي للغة التي تستخدمها بصورة متكررة.
وهكذا يبدأ قبل الولادة في تكوين ألفة مع موسيقى اللغة، حتى وإن كان لا يفهم كلمة واحدة منها.
هل يستطيع المولود التمييز بين لغته الأم ولغة أجنبية؟
تشير الدراسات إلى أن المولود يستطيع بعد الولادة مباشرة إظهار استجابات مختلفة عندما يسمع اللغة التي اعتاد سماعها أثناء الحمل مقارنة بلغة أخرى تختلف عنها في الإيقاع والنبرة.
وهذه النتيجة تعني أن الطفل لا يبدأ تعلم الخصائص الصوتية للغة بعد الولادة فقط، بل تكون لديه خبرة سابقة بها.
لقد كان يسمعها وهو داخل الرحم.
ومع تكرار التعرض أصبحت بعض خصائصها مألوفة لجهازه السمعي.
وعندما يسمعها من جديد بعد الولادة، لا تكون بالنسبة إليه صوتًا مجهولًا تمامًا.
كيف اكتشف العلماء ذلك؟
لأن المولود لا يستطيع أن يقول للباحث: هذه لغتي الأم، وهذه لغة مختلفة، كان على العلماء استخدام سلوك يستطيع الطفل القيام به منذ الأيام الأولى، وهو المص.
استُخدمت لهاية خاصة مزودة بأجهزة قادرة على تسجيل قوة المص وسرعته وإيقاعه.
ثم عُرضت على الطفل تسجيلات صوتية بلغته الأم وتسجيلات بلغة أجنبية.
ولاحظ الباحثون أن نمط المص يتغير عندما يسمع الطفل اللغة المألوفة.
هذا التغير في السلوك يدل على أن المثيرين السمعيين لا يعالجان بالطريقة نفسها.
فالطفل يلاحظ وجود فرق بين اللغة التي سمعها مرارًا قبل الولادة وبين لغة ذات نمط صوتي مختلف.
وهكذا يصبح المص أداة يستطيع العلماء من خلالها معرفة ما إذا كان الطفل يميز بين أنواع مختلفة من الأصوات.
لغة الأم جزء من الذاكرة الجنينية
هذه النتائج تضاف إلى الأدلة الأخرى التي تشير إلى أن الجنين قادر على الاحتفاظ بآثار بعض الخبرات السمعية.
فكما يستطيع المولود التعرف على صوت أمه وبعض الألحان التي تكررت أثناء الحمل، يستطيع أيضًا إظهار ألفة مع الخصائص العامة للغة التي كانت تحيط به.
ولا يعني ذلك أنه يتذكر كلمات محددة أو محادثات بعينها.
بل يحتفظ بنمط صوتي عام.
إنه نوع مبكر من التعلم السمعي، يقوم على التكرار والألفة.
وبعد الولادة تصبح هذه الخبرة السابقة نقطة انطلاق يتابع منها الطفل رحلته نحو تعلم اللغة بصورة أكثر تعقيدًا.
من السمع إلى الشم والتذوق
لا يقتصر التعلم قبل الولادة على الصوت.
فالجنين يعيش أيضًا في بيئة كيميائية غنية تسمح له بالتعرض لروائح ونكهات مختلفة.
وتصل بعض هذه النكهات والروائح إلى السائل الأمنيوسي المحيط به.
ولهذا لا تبدأ حاستا الشم والتذوق من نقطة الصفر بعد الولادة.
بل تعدان من الحواس المتطورة نسبيًا عند المولود.
وهذا يظهر بوضوح في طريقة استجابته للمذاقات والروائح المختلفة خلال الأيام الأولى من حياته.
ماذا يفضل المولود من المذاقات؟
عندما يقدم للطفل حديث الولادة مذاق حلو، تظهر عليه عادة علامات أكثر إيجابية وارتياحًا.
فالطعم الحلو يحظى بتفضيل واضح منذ بداية الحياة.
وقد يبدو الطفل أكثر استرخاء ورضًا عند تذوقه.
وعلى النقيض من ذلك، تتغير ملامحه عندما يتعرض إلى الطعم المر أو الحامض.
فقد يعبس أو يظهر تعبيرًا يدل على عدم الارتياح والرفض.
وهكذا يمكن ملاحظة أن المولود لا يستجيب لجميع المذاقات بالطريقة نفسها.
فالحلو يجذب استجابة إيجابية، بينما المر والحامض يؤديان إلى تعبيرات أكثر سلبية.
ويشير المصدر إلى أن هذا الميل الطبيعي نحو الطعم الحلو يساعد الطفل على تقبل حليب الأم، الذي يتجه مذاقه نحو الحلاوة.
وبذلك يكون التفضيل المبكر للطعم الحلو متناسبًا مع واحد من أهم مصادر التغذية خلال الأشهر الأولى.
التذوق ليس قدرة تتطور بعد أشهر
هذه النتائج تكشف أن حاسة التذوق تعمل بصورة واضحة منذ الولادة.
فالطفل لا يحتاج إلى أشهر طويلة حتى يبدأ في إظهار اختلاف بين المذاقات.
إنه يستجيب لها من الأيام الأولى.
ويظهر وجهه أحيانًا بوضوح أن المذاق الذي يتلقاه إما مقبول بالنسبة إليه وإما غير مريح.
وهكذا يصبح الفم جزءًا من نظام إدراكي يعمل منذ البداية، ولا يقتصر دوره على الحصول على الغذاء.
هل يستطيع الطفل التعرف على رائحة أمه؟
الشم من القدرات اللافتة جدًا لدى المولود.
فبعد أيام قليلة فقط من الولادة يستطيع الطفل التمييز بين رائحة أمه ورائحة امرأة أخرى.
وعندما يُتاح له الاختيار بين الروائح، يظهر ميلًا نحو رائحة الأم.
هذه القدرة مهمة لأنها تكشف سرعة تعلم الطفل للخصائص الحسية المرتبطة بالشخص الذي يقدم له الرعاية.
فالطفل يقضي وقتًا طويلًا بالقرب من أمه.
يحمل بين ذراعيها.
ويرضع بالقرب من جسدها.
وتتكرر رائحتها باستمرار في محيطه.
كما يشير المصدر إلى أن خبراته المرتبطة بالروائح تبدأ أصلًا خلال الحمل، ثم تتواصل بعد الولادة.
وهكذا تصبح رائحة الأم واحدة من المثيرات المألوفة جدًا في حياة الطفل المبكرة.
الرائحة كوسيلة للتعرف
حين نفكر في التعرف إلى الأم، قد يخطر ببالنا أولًا وجهها وصوتها.
لكن المولود يستخدم أكثر من حاسة.
صوتها مألوف.
ووجهها يصبح مألوفًا خلال الأيام الأولى.
ورائحتها بدورها تحمل معلومات تسمح له بالتمييز بينها وبين الآخرين.
وهذا يؤكد مرة أخرى أن إدراك الطفل متعدد الحواس.
فالمعرفة بالشخص لا تقوم على مصدر واحد فقط.
بل تتشكل من اجتماع الصوت والوجه والرائحة واللمس وغيرها من الخبرات.
هل يفضل الطفل رائحة حليب أمه؟
تظهر الدراسات أن الأطفال الذين يرضعون طبيعيًا لا يتعاملون مع رائحة الحليب باعتبارها أي رائحة عادية.
بل ينجذبون بصفة خاصة إلى رائحة حليب أمهاتهم.
وتساعد هذه الرائحة الطفل على التوجه نحو الثدي والبدء في الرضاعة.
وهذا يكشف أهمية الرائحة الطبيعية في تنظيم سلوك الطفل في واحد من أكثر المواقف أساسية في بداية الحياة، وهو التغذية.
فالطفل لا يعتمد فقط على اللمس أو حركة الرأس.
الرائحة بدورها تقدم له معلومات تساعده على العثور على مصدر الغذاء.
لهذا السبب يشير المصدر إلى أهمية عدم إخفاء الرائحة الطبيعية للثدي مباشرة قبل الرضاعة باستعمال العطور أو المنظفات شديدة الرائحة.
فالروائح القوية قد تتداخل مع الإشارات الطبيعية التي يعتمد عليها الطفل في التعرف.
الرائحة والرضاعة
لحظة الرضاعة تجمع عددًا كبيرًا من الحواس.
الطفل يتذوق الحليب.
ويشم رائحته.
ويشعر بملامسة جسم الأم.
وقد يسمع صوتها.
ويرى وجهها على مسافة قريبة.
وهكذا فإن التغذية ليست عملية جسدية منفصلة عن الإدراك.
إنها تجربة حسية متكاملة تسمح للطفل بتكوين معرفة أكبر بالشخص والبيئة التي توفر له الأمان والغذاء.
الفم أداة لاكتشاف الأشياء
لا يقتصر دور الفم عند الطفل على الرضاعة وتذوق الطعام.
منذ الولادة يستطيع المولود استخدام فمه للحصول على معلومات عن الأشياء.
وقد استخدم الباحثون اللهايات لاختبار هذه القدرة.
يقدم للطفل نوع معين من اللهايات مرات متكررة.
ويتعرف إليها بواسطة ما يشعر به داخل فمه.
ثم تُستبدل تلك اللهاية بأخرى تختلف عنها من حيث الشكل أو الملمس.
ويلاحظ الباحثون أن استجابة الطفل تتغير.
وهذا يعني أنه أدرك أن الشيء الموجود في فمه لم يعد الشيء نفسه.
أي أن الطفل يستطيع الحصول على معلومات عن الشكل والخصائص المادية من خلال الفم.
هذا أمر مهم جدًا لفهم السلوك المعروف لاحقًا لدى الأطفال الصغار، حيث يصبح الفم من الأدوات الأساسية التي يستخدمونها في استكشاف البيئة.
الإدراك عن طريق الفم يبدأ منذ الولادة
عندما يشعر الطفل بلهاية داخل فمه، لا يحصل فقط على إحساس عام بوجود جسم.
بل يمكنه إدراك خصائص تتيح له التمييز بين جسم وآخر.
وعندما يتغير الشكل أو الملمس يلاحظ الاختلاف.
وهذا يكشف أن الفم يمثل منذ بداية الحياة جهازًا للاستكشاف.
فالطفل يجمع من خلاله معلومات حسية يمكن تخزينها ومقارنتها بالمعلومات الجديدة.
هل يستطيع المولود التمييز بين الأشياء بيده؟
قد تبدو يد الطفل حديث الولادة غير قادرة على استكشاف الأشياء بصورة منظمة.
فحركته الإرادية ما تزال محدودة مقارنة بالطفل الأكبر.
لكن محدودية الحركة لا تعني أن حاسة اللمس غير فعالة.
عندما يمسك الطفل جسمًا معينًا لبعض الوقت، يحصل من خلال اليد على معلومات عن هذا الجسم.
ثم إذا أعطي جسمًا آخر مختلفًا، يمكن أن تتغير استجابته.
وهذا يدل على أنه لاحظ أن الجسم الجديد لا يطابق الجسم السابق.
أي أنه يستطيع التمييز باللمس بين بعض الأشياء.
حاسة اللمس تعمل منذ الأيام الأولى
الجلد هو أحد أهم مصادر المعلومات بالنسبة إلى المولود.
فمن خلاله يشعر بدرجة الحرارة والضغط والملامسة وخصائص السطح.
ويد الطفل، رغم أن التحكم الحركي بها غير ناضج بعد، تستطيع نقل معلومات مهمة إلى الجهاز العصبي.
ولهذا فإن الإمساك بجسم ليس مجرد حركة انعكاسية خالية من الإدراك.
فالطفل قد يحصل بالفعل على معلومات عن الجسم الذي يلامس يده.
ومع الوقت سيصبح استخدام اليدين في الاستكشاف أكثر دقة، لكن جذور هذه القدرة موجودة منذ البداية.
اللمس يبدأ قبل الولادة
مثل كثير من الحواس الأخرى، لا يبدأ اللمس لحظة الولادة.
فالجنين يعيش طوال الحمل في بيئة مليئة بالاتصال الجسدي.
يلامس جدار الرحم.
ويلامس جسمه وأطرافه.
ويمص أصبعه.
ويغير وضعيته باستمرار.
ولهذا تكون الخبرة اللمسية جزءًا أساسيًا من حياته قبل الولادة.
وعندما يخرج إلى العالم الخارجي تتسع أنواع الأسطح والأشياء التي يلامسها، لكنه يستمر في استخدام حاسة بدأت عملها منذ وقت مبكر.
كيف تتكامل اللغة والشم والتذوق واللمس؟
إذا نظرنا إلى كل هذه النتائج مجتمعة، سنجد أن المولود يعيش منذ البداية في عالم متعدد الحواس.
يسمع اللغة.
ويتعرف إلى بعض الأنماط الصوتية.
ويشم الروائح.
ويميز رائحة أمه.
ويتذوق الحلو والمر والحامض.
ويفضل بعض المذاقات على غيرها.
ويستخدم فمه لمعرفة خصائص الأشياء.
ويستطيع بيده التمييز بين أجسام مختلفة.
ولا تعمل هذه الحواس دائمًا منفصلة.
بل تجتمع في كثير من المواقف اليومية.
عندما يرضع الطفل، يسمع ويرى ويشم ويتذوق ويلمس في اللحظة نفسها.
وحين تحمله أمه، يتعرف إلى صوتها ورائحتها وحرارة جسمها ولمستها.
وهكذا تتشكل معرفته المبكرة بالعالم من شبكة مترابطة من الخبرات.
الطفل لا يبدأ حياته صفحة حسية فارغة
إحدى أهم الرسائل التي تتكرر في الدراسات هي أن المولود لا يصل إلى العالم من دون تاريخ.
إنه يحمل معه خبرات تكونت قبل الولادة.
فاللغة التي سمعها أصبحت أكثر ألفة.
وصوت الأم معروف.
وبعض النكهات والروائح مر بها قبل الميلاد.
واللمس كان جزءًا دائمًا من بيئته الجنينية.
وبعد الولادة لا تتوقف هذه العملية.
بل تصبح البيئة أكثر تنوعًا، ويواصل الطفل بناء معرفته عليها.
الخبرة الجنينية تلتقي بالخبرة بعد الولادة
الأيام الأولى بعد الميلاد ليست بداية منفصلة تمامًا عما سبقها.
فالطفل يستخدم خبرته السابقة لمواجهة البيئة الجديدة.
الصوت المألوف يساعده على الاستقرار.
والرائحة المألوفة تساعده على التوجه.
والطعم الحلو يحظى باستجابة إيجابية.
والفم واليد يسمحان له ببدء استكشاف الأشياء.
وهكذا فإن النمو يواصل مساره بدل أن يبدأ من الصفر.
لماذا تعد هذه القدرات مهمة؟
تساعد دراسة هذه القدرات على فهم حقيقة الطفل حديث الولادة.
فهو ليس مجرد كائن يستجيب آليًا للحاجات الأساسية.
بل يمتلك بالفعل نظامًا إدراكيًا نشطًا.
إنه يقارن بين الأصوات.
ويميز بين الروائح.
ويستجيب للمذاقات.
ويتعرف إلى بعض خصائص الأشياء عن طريق الفم واليد.
ويستفيد من الخبرة السابقة.
كل ذلك قبل أن يستطيع الجلوس أو المشي أو الكلام.
وهذه القدرات هي اللبنات الأولى لعمليات أكثر تعقيدًا ستتطور في الشهور والسنوات اللاحقة.
ماذا تعني النتائج للوالدين؟
توضح هذه المعارف أهمية التفاعل الطبيعي مع الطفل.
فالتحدث معه يساعده على استمرار الاستماع إلى اللغة التي أصبحت مألوفة له.
وقرب الأم يمنحه روائح وأصواتًا ولمسات مألوفة.
والرضاعة توفر تجربة غنية تشمل عدة حواس.
والحمل واللمس الهادئ يمنحان الطفل معلومات جسدية وإحساسًا بالاتصال.
لكن هذه النتائج لا تعني أن الطفل يحتاج إلى تدريب مكثف.
فهو لا يحتاج إلى اختبارات يومية لمعرفة قدراته.
ولا يحتاج إلى تعريض مستمر للروائح والأصوات والألعاب كي يصبح أكثر ذكاء.
التفاعل الطبيعي والمتوازن كافٍ ليمنحه خبرات غنية.
كما يحتاج إلى النوم والهدوء بقدر حاجته إلى التفاعل.
اللغة الأم أول عالم صوتي مألوف
من بين جميع الأصوات التي يسمعها الطفل، تمثل اللغة الأم عنصرًا مهمًا لأنه تعرض لإيقاعها قبل الولادة.
فهي ليست مجرد اللغة التي سيتعلم كلماتها في المستقبل.
بل هي أيضًا واحد من أوائل الأنماط الصوتية التي عرفها جهازه العصبي.
ولهذا يستطيع المولود إظهار اختلاف في الاستجابة بينها وبين لغة أخرى.
إنها بداية بعيدة جدًا لمسار تعلم اللغة الذي سيصبح لاحقًا أكثر وضوحًا مع اكتساب الكلمات والجمل.
الرائحة أول خريطة للمكان والشخص
الرائحة بدورها تمنح الطفل معلومات تساعده على التوجه في عالمه الجديد.
رائحة الأم تختلف عن غيرها.
ورائحة حليبها تساعده على الرضاعة.
وهذه الإشارات الكيميائية تعمل قبل أن يتمكن الطفل من فهم المكان أو الشخص بصورة واعية.
ولهذا تصبح الرائحة جزءًا من شبكة الألفة المبكرة.
الفم واليد بوابتان لاكتشاف الأشياء
قبل أن يستطيع الطفل الزحف والوصول إلى كل ما يحيط به، يمتلك وسيلتين مهمتين للاستكشاف: الفم واليد.
يستطيع بفمه ملاحظة اختلاف بين لهاية وأخرى.
ويستطيع بيده إدراك فرق بين بعض الأجسام.
وهكذا تبدأ معرفة الأشياء من الاتصال المباشر بها.
ومع نمو الطفل ستصبح هذه القدرات أكثر تنظيمًا وتعقيدًا، وسيبدأ في الربط بصورة أكبر بين ما يراه وما يلمسه وما يضعه في فمه.
لكن البداية موجودة منذ الأيام الأولى.
صورة جديدة للمولود
تكشف الدراسات في النهاية أن المولود الجديد أبعد ما يكون عن الكائن السلبي الذي لا يدرك شيئًا.
إنه يستطيع التمييز بين لغته الأم ولغات مختلفة عنها في الإيقاع.
ويفضل بعض الأصوات المألوفة.
ويتعرف إلى رائحة أمه.
وينجذب إلى رائحة حليبها.
ويفضل الطعم الحلو.
ويرفض المذاقات المرّة والحامضة بدرجات مختلفة.
ويستخدم فمه لاكتشاف شكل الأشياء وملمسها.
كما يستطيع التمييز باللمس بين بعض الأجسام.
كل هذه القدرات تتجمع لتبين أن الطفل يأتي إلى العالم مزودًا بإمكانات حقيقية للتعلم والاستكشاف.
والأهم من ذلك أن جزءًا من هذا التعلم بدأ بالفعل قبل الولادة.
فالولادة لا تمحو ما سبقها.
بل ينقل الطفل معه بعض آثار العالم الذي عاش فيه داخل الرحم، ثم يواصل البناء عليها منذ لحظاته الأولى في العالم الخارجي.
المصدر
إدوار جنتاز وكارين مازينس، بالتعاون مع فلور لوجون وجينيفر مالسير وأمايا بالاما، مادة حول الكفاءات الإدراكية لدى الأطفال حديثي الولادة، ضمن الدورات المفتوحة واسعة النطاق MOOCs بجامعة جنيف حول التطور النفسي للطفل.
