من اللمس إلى الوعي بالذات: القدرات الإدراكية والمنعكسات الأولى لدى المولود الجديد

بعد استعراض قدرات المولود الجديد في الرؤية والسمع والشم والتذوق والتعرف إلى الوجوه والأصوات، تكشف الفصول الأخيرة من المادة عن جانب آخر بالغ الأهمية: قدرة الطفل منذ أيامه الأولى على الجمع بين المعلومات القادمة من أكثر من حاسة، وبدايات إدراكه لجسده، وطبيعة حركاته الأولى، والمنعكسات الفطرية التي تساعده على التكيف مع الحياة خارج الرحم.

وتعيد هذه النتائج تأكيد الفكرة الأساسية التي تتكرر في جميع الدراسات السابقة: المولود الجديد ليس كائنًا سلبيًا يستقبل المثيرات دون تنظيم، بل يمتلك منذ البداية قدرات تسمح له بجمع المعلومات ومقارنتها والتعلم منها، وإن كانت هذه القدرات لا تزال في مرحلة مبكرة جدًا من النمو.

من اللمس إلى الوعي بالذات: القدرات الإدراكية والمنعكسات الأولى لدى المولود الجديد

هل يستطيع المولود التعرف بعينيه إلى شيء سبق أن أمسكه بيده؟

من أكثر النتائج إثارة للاهتمام في دراسة الإدراك لدى حديثي الولادة أن الحواس المختلفة لا تعمل في عزلة تامة بعضها عن بعض.

فالطفل يستطيع الحصول على معلومات عن جسم بواسطة اللمس، ثم الاستفادة من هذه المعلومات عندما يرى الجسم لاحقًا.

ولإثبات ذلك أجرى الباحثون تجربة تبدو بسيطة، لكنها تكشف عملية معرفية معقدة نسبيًا.

أعطي الطفل جسمًا يستطيع الإمساك به بيده، لكن من دون أن يراه.

وبذلك كانت المعلومات التي يحصل عليها عنه معلومات لمسية فقط.

كان يشعر بشكله وخصائصه من خلال اليد.

بعد ذلك عُرض أمام الطفل جسمان.

أحدهما هو الجسم الذي سبق أن أمسكه ولمسه.

والآخر جسم مختلف لم يلمسه من قبل.

ثم قاس الباحثون المدة التي ينظر فيها الطفل إلى كل واحد منهما.

وأظهرت النتائج أن المولود يطيل النظر إلى الجسم الذي سبق أن تعرف إليه بواسطة اللمس.

وهذه النتيجة مهمة للغاية، لأنها تعني أن الطفل استطاع بطريقة ما ربط المعلومات التي وصلته عن طريق اليد بالمعلومات التي أصبحت تصل إليه عن طريق العين.

لم يكن الجسم بالنسبة إليه جديدًا بالكامل عندما رآه.

لقد سبق أن كوّن عنه معرفة لمسية.

وعندما ظهر أمامه بصريًا استطاع دماغه إقامة علاقة بين الخبرتين.

الحواس لا تعمل بصورة منفصلة

قد يبدو لنا أن الرؤية نظام قائم بذاته وأن اللمس نظام آخر منفصل، لكن التجربة السابقة تشير إلى أن الدماغ يبدأ منذ مرحلة مبكرة جدًا في بناء جسور بين الحواس.

فالطفل يستطيع لمس شيء من دون رؤيته، ثم الاستفادة من الذاكرة اللمسية عندما يراه.

وهذا النوع من الربط بين الحواس يمثل خطوة مهمة في بناء صورة متماسكة عن العالم.

فالشيء نفسه يمكن أن يُرى ويُلمس وربما يوضع في الفم أيضًا.

ومن خلال جمع هذه المعلومات المختلفة يبدأ الطفل في تعلم أن الخبرات المتعددة يمكن أن تشير إلى الجسم نفسه.

إنها بداية مبكرة لما يمكن وصفه بالإدراك متعدد الحواس.

فالعالم لا يصل إلى الطفل في صورة قنوات منفصلة، وإنما يبدأ الدماغ تدريجيًا في دمج المعلومات القادمة من العين واليد والفم والأذن وغيرها من الحواس.

هل يمتلك المولود وعيًا أوليًا بذاته؟

بعد معرفة أن الطفل يميز بين الأشياء ويربط بين الحواس، يطرح علماء النفس سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل يستطيع المولود منذ البداية إدراك أن جسمه يختلف عن العالم الخارجي؟

لا يعني الوعي بالذات هنا أن الطفل يمتلك مفهومًا متطورًا عن شخصيته أو هويته كما يفعل الراشد.

المقصود هو وجود بدايات بسيطة جدًا تسمح له بالتمييز بين ما يحدث نتيجة حركة جسده وما يأتيه من الخارج.

وتشير الدراسات الواردة في المصدر إلى وجود بدايات من هذا النوع منذ الأيام الأولى.

فعلى سبيل المثال، يستطيع الطفل التمييز بين لمسة ترتبط بحركة جسمه وبين لمسة يحدثها شخص آخر.

وهذا الاختلاف مهم.

فعندما تنتج الملامسة عن حركة يقوم بها الطفل نفسه، توجد علاقة مباشرة بين حركة جسمه وبين الإحساس الناتج عنها.

أما عندما يأتي اللمس من شخص خارجي، فلا توجد العلاقة نفسها.

ويبدو أن الجهاز العصبي يستطيع منذ البداية التقاط بعض هذا الاختلاف.

بناء حدود الجسم

من خلال آلاف الخبرات الحسية يبدأ الطفل تدريجيًا في اكتساب معرفة بجسمه.

يحرك يده ويشعر بها.

تلامس يده وجهه.

تتحرك ساقاه ويلامسان السطح الذي يستلقي عليه.

يحمله شخص آخر فيشعر بضغط مختلف على جسمه.

وتتكرر هذه الخبرات باستمرار.

ومن خلالها يبدأ الطفل في تكوين صورة أولية عن حدود جسده وعلاقته بالبيئة.

إنها ليست معرفة واعية أو لفظية، لكنها تمثل الأساس الذي ستتطور فوقه لاحقًا قدرة الإنسان على إدراك نفسه بوصفه كائنًا مستقلًا عن بقية العالم.

ومن هنا يمكن النظر إلى الوعي بالجسد بوصفه إحدى اللبنات المبكرة التي ستدخل فيما بعد في بناء معرفة أكثر تعقيدًا بالذات.

هل يستطيع المولود الجديد التقليد؟

يعد سؤال التقليد من أكثر الموضوعات التي أثارت نقاشًا بين الباحثين.

فقد أشارت بعض الدراسات إلى أن المولود يستطيع بعد الولادة مباشرة تقليد حركات بسيطة يقوم بها شخص بالغ أمامه.

ومن الحركات التي ذكرت في هذه الدراسات إخراج اللسان وفتح الفم وبعض تعبيرات الوجه.

فقد يقوم الراشد بإخراج لسانه أمام الطفل عدة مرات، ثم يلاحظ أن الطفل يبدأ بدوره في إخراج لسانه.

وبدا ذلك في البداية دليلًا مثيرًا على قدرة المولود على ربط ما يراه في وجه الشخص الآخر بحركة مماثلة في جسمه هو.

ولو ثبت هذا بصورة قاطعة، لكان مثالًا آخر قويًا على الربط المبكر بين الإدراك والحركة.

لكن المسألة لم تُحسم.

فعندما حاول باحثون آخرون تكرار بعض هذه التجارب لم يحصلوا دائمًا على النتائج نفسها.

ولهذا لا يمكن التعامل مع قدرة المولود على التقليد بوصفها حقيقة نهائية متفقًا عليها.

وبحسب المادة التي أرسلها المصدر، ما تزال هذه القدرة موضع نقاش علمي.

وهذه نقطة مهمة لأنها تظهر طبيعة البحث العلمي نفسه.

فالعلم لا يعتمد على تجربة واحدة فقط، بل يحتاج إلى تكرار النتائج والوصول إليها في ظروف مختلفة قبل أن تصبح الاستنتاجات أكثر رسوخًا.

لذلك من الأدق القول إن بعض الدراسات رصدت سلوكيات تشبه التقليد لدى حديثي الولادة، في حين لم تتمكن دراسات أخرى من تأكيدها بالطريقة نفسها.

هل تقتصر حركات المولود على المنعكسات؟

عندما ننظر إلى مولود صغير، يبدو أن كثيرًا من حركاته غير منظمة أو تلقائية.

وبالفعل، يوجد لدى الطفل عدد من المنعكسات الفطرية المهمة.

لكن هذا لا يعني أن كل ما يقوم به مجرد انعكاس بسيط.

فعلى الرغم من أن جهازه العصبي ما يزال في طور النمو، يستطيع الطفل تنسيق بعض الحركات بدرجة معينة.

يمكنه إدارة رأسه نحو مصدر معين.

ويستطيع تحريك يديه وساقيه في أنماط تظهر قدرًا من التنسيق النسبي.

كما يستطيع القيام بحركات مرتبطة بالبحث عن الثدي استعدادًا للرضاعة.

ومع مرور الوقت وتطور الدماغ والجهاز العصبي تتحسن السيطرة على هذه الحركات.

فتصبح أكثر دقة.

وتزداد قدرة الطفل على توجيهها نحو أهداف معينة.

وهكذا تنتقل الحركة تدريجيًا من الاعتماد الكبير على المنعكسات والاستجابات التلقائية إلى أشكال أكثر إرادية وتنظيمًا.

المنعكسات الفطرية لدى المولود الجديد

يأتي الطفل إلى العالم مزودًا بمجموعة من المنعكسات التي تظهر بصورة تلقائية عندما يتعرض لمثيرات محددة.

ولهذه المنعكسات أهمية كبيرة في بداية الحياة.

فبعضها يرتبط مباشرة بالتغذية والبقاء، وبعضها يعكس درجة نضج الجهاز العصبي في هذه المرحلة.

ومن أشهر هذه المنعكسات منعكس المص، ومنعكس البحث عن الثدي، ومنعكس القبض، ومنعكس مورو أو الفزع، ومنعكس المشي.

منعكس المص

المص من أكثر المنعكسات أهمية بالنسبة إلى المولود.

فعندما تلامس الحلمة أو جسم مناسب شفتي الطفل أو سقف فمه، تبدأ حركة المص بصورة تلقائية.

وهذا المنعكس ضروري للرضاعة.

فالطفل يحتاج منذ الساعات الأولى بعد الولادة إلى آلية تسمح له بالحصول على الغذاء من دون أن يكون قد تعلمها بالطريقة التي نتعلم بها مهارة جديدة في مراحل لاحقة.

ويعمل منعكس المص بالتنسيق مع عمليات أخرى مثل البلع والتنفس، مما يسمح للطفل بالرضاعة.

ومع نموه تزداد سيطرته الإرادية على حركة الفم، لكن المنعكس يشكل أساسًا مهمًا في البداية.

منعكس البحث عن الثدي

يرتبط هذا المنعكس أيضًا بالتغذية.

فعندما تُلمس منطقة خد الطفل، يميل إلى إدارة رأسه نحو جهة اللمس ويفتح فمه.

هذا السلوك يساعده على البحث عن الحلمة.

وهو مثال واضح على كيفية تجهيز الطفل منذ البداية باستجابات تسهل الوصول إلى مصدر الغذاء.

فاللمسة على الخد تصبح بمثابة إشارة توجه الرأس والفم نحو الجهة التي يحتمل وجود الحلمة فيها.

وهكذا يعمل اللمس والحركة معًا ضمن سلوك يساعد الطفل على الرضاعة.

منعكس القبض

إذا وضع شخص إصبعه في راحة يد المولود، فإنه غالبًا ما يقبض عليه بقوة ملحوظة.

ويعرف هذا بمنعكس القبض.

الطفل لا يقرر بصورة واعية أنه يريد الإمساك بالإصبع.

بل تؤدي الملامسة في راحة اليد إلى استجابة تلقائية تجعل الأصابع تنغلق حول الجسم.

ومع تطور الجهاز العصبي تقل هيمنة هذا المنعكس، وتبدأ حركات الإمساك الإرادية في الظهور بصورة أكثر تنظيمًا.

وحينها يصبح الطفل قادرًا تدريجيًا على توجيه يده نحو الأشياء والإمساك بها بصورة مقصودة.

منعكس مورو أو منعكس الفزع

يظهر منعكس مورو عندما يشعر الطفل بفقدان مفاجئ للدعم أو عند تعرضه أحيانًا إلى صوت قوي أو تغير مفاجئ.

عندها يمد ذراعيه وساقيه بصورة سريعة، ثم يعيدهما نحو جسمه.

وقد يبدو المشهد للوالدين كما لو أن الطفل تعرض إلى فزع شديد.

وهذه الاستجابة من المنعكسات المعروفة في الفترة المبكرة بعد الولادة.

ومع نضج الجهاز العصبي تختفي تدريجيًا مثل بقية عدد من المنعكسات المبكرة.

منعكس المشي

من المنعكسات اللافتة أيضًا ما يعرف بمنعكس المشي.

إذا حمل المولود بصورة مناسبة بحيث تلامس قدماه سطحًا صلبًا، يمكن أن يقوم بحركات متبادلة بالساقين تشبه خطوات المشي.

ولا يعني هذا بالطبع أن الطفل يستطيع المشي فعلًا.

فالقدرة الحقيقية على المشي تحتاج إلى نمو كبير في العضلات والتوازن والتحكم الحركي والجهاز العصبي.

لكن وجود هذه الحركات المبكرة يبين أن بعض الأنماط الحركية موجودة في صورة أولية منذ الولادة.

ماذا يحدث للمنعكسات مع النمو؟

لا تبقى هذه المنعكسات بالشكل نفسه طوال حياة الطفل.

فمع نضج الجهاز العصبي يبدأ كثير منها في الاختفاء تدريجيًا.

وفي المقابل تظهر الحركات الإرادية الأكثر دقة.

فالإمساك الذي كان يحدث بصورة انعكاسية يتحول لاحقًا إلى قدرة الطفل على مد يده نحو جسم يريده والإمساك به.

والحركات التلقائية للساقين تفسح المجال لاحقًا أمام تحكم حركي أكثر تعقيدًا.

وهكذا لا يكون اختفاء المنعكسات بالضرورة فقدانًا للقدرة، بل جزءًا من تحول الجهاز الحركي نحو سيطرة إرادية وتنظيم أكبر.

بين المنعكس والحركة الإرادية

التمييز بين المنعكسات والحركات الإرادية مهم لفهم المولود.

فالمنعكس يحدث تلقائيًا عند وجود مثير مناسب.

أما الحركة الإرادية فتحتاج إلى قدر أكبر من التحكم والتخطيط.

في الأيام الأولى تكون المنعكسات بارزة جدًا، لكن الطفل لا يظل أسيرها.

فالدماغ يتطور بسرعة.

والخبرة الحركية تتراكم.

وتزداد قدرة الطفل تدريجيًا على السيطرة على الرأس واليدين والساقين وبقية أجزاء الجسم.

وبهذا يتحول الجسم من منظومة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستجابات التلقائية إلى نظام أكثر مرونة وقدرة على الحركة المقصودة.

هل يشعر المولود باكتئاب أمه؟

يستخدم هذا السؤال أحيانًا بصورة مبسطة، لكن ما تشير إليه الدراسات الواردة في المادة هو أن الطفل حساس جدًا للتغيرات التي تحدث في تفاعل الأم معه عندما تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة.

فالطفل لا يحتاج إلى فهم مفهوم الاكتئاب كي يتأثر بالتغيرات التي ترافقه.

عندما تتغير الحالة النفسية للأم، قد تتغير معها طريقة التواصل.

قد تتغير تعبيرات الوجه.

وقد تختلف نبرة الصوت.

وقد تقل سرعة الاستجابة لبعض إشارات الطفل واحتياجاته.

وقد يصبح نمط التفاعل بين الأم والطفل مختلفًا عما يكون عليه عندما تكون الأم في حالة نفسية أفضل.

وبما أن المولود شديد الحساسية للوجه والصوت والنظر والاستجابة، فإن هذه التغيرات يمكن أن تؤثر في تجربته الاجتماعية والانفعالية.

أهمية التفاعل في الأشهر الأولى

رأينا في الأقسام السابقة أن الطفل يركز على الوجوه.

ويهتم بالنظر المباشر.

ويربط بين الوجه والصوت.

ويستجيب لنبرة الكلام.

ويتعلم الأشخاص الذين يتفاعلون معه.

ولهذا يصبح من السهل فهم لماذا يمكن لأي تغير مستمر في طبيعة هذا التفاعل أن يكون مهمًا بالنسبة إليه.

إذا كانت الأم تعاني من اكتئاب ما بعد الولادة، فالمسألة لا تخصها وحدها من الناحية الأسرية.

دعمها النفسي يساعدها أولًا، كما يساعد في الحفاظ على تفاعل أكثر استقرارًا مع الطفل.

وهنا يشدد المصدر على أهمية تقديم الدعم للأم وعدم ترك الحالة من دون عناية إذا استمرت.

دعم الأم هو دعم للطفل أيضًا

الفكرة الأساسية ليست لوم الأم التي تعاني من الاكتئاب.

بل العكس تمامًا.

فإذا كانت حالتها تؤثر في قدرتها على التفاعل، فإن هذا يصبح سببًا إضافيًا لتقديم المساندة والرعاية لها.

إن صحة الأم النفسية جزء من البيئة التي ينمو فيها الطفل.

ولهذا فإن تقديم الدعم المناسب لها يعود بالنفع على الاثنين معًا.

وهذه النتيجة تتفق مع الصورة العامة التي رسمها الكتاب: نمو الطفل لا يحدث بمعزل عن الأشخاص الذين يحيطون به.

فالإنسان اجتماعي منذ بدايات حياته، والعلاقة مع مقدمي الرعاية جزء أساسي من البيئة الإدراكية والانفعالية التي يعيش فيها.

كيف يستطيع العلماء معرفة كل هذه الأشياء عن طفل لا يتكلم؟

بعد استعراض هذه القدرات قد يتساءل القارئ: كيف استطاع علماء النفس الوصول إلى كل هذه النتائج بينما المولود لا يستطيع أن يجيب عن سؤال واحد؟

الإجابة تكمن في تطوير طرائق تجريبية دقيقة تستفيد من أبسط سلوكيات الطفل.

فبدل أن يسأل الباحث الطفل عما يفضله، يقيس مدة نظره.

وبدل أن يطلب منه القول إنه يتعرف إلى صوت معين، يقيس نمط المص.

وبدل أن يسأله إن كان قد لاحظ فرقًا بين صورتين، يراقب تغير انتباهه عند ظهور صورة جديدة.

وبهذه الطريقة تحولت سلوكيات صغيرة جدًا إلى أدوات علمية لكشف عمليات إدراكية ومعرفية معقدة.

قياس مدة النظر

مدة النظر إحدى أكثر الأدوات استخدامًا.

يعرض الباحث على الطفل صورتين أو مثيرين مختلفين ثم يسجل الوقت الذي ينظر فيه إلى كل منهما.

إذا ظهر فرق منتظم في مدة النظر لدى مجموعة من الأطفال، يمكن أن يقدم ذلك دليلًا على وجود تمييز أو تفضيل.

وباستخدام هذه الطريقة أمكن دراسة تفضيل الوجوه والألوان والأشكال والحركات وغيرها من المثيرات.

قياس المص

المص سلوك آخر شديد الأهمية في الدراسات التي تجرى على حديثي الولادة.

يمكن استخدام أجهزة خاصة لتسجيل سرعة المص وقوته ونمطه.

كما يمكن ربط طريقة معينة في المص بصوت أو مثير محدد.

ومن خلال تغير السلوك يستطيع الباحث معرفة ما إذا كان الطفل يميز بين الأصوات وما إذا كان يفضل واحدًا منها.

وهذه الطريقة استخدمت، على سبيل المثال، في الدراسات التي تناولت صوت الأم واللغة المألوفة.

مراقبة حركة العين

لا يكفي دائمًا معرفة مدة النظر.

ففي بعض التجارب يحتاج الباحث إلى معرفة أين ينظر الطفل داخل الوجه أو الشكل.

هل يركز على العينين؟

هل ينظر إلى الفم؟

هل يتتبع جسمًا متحركًا؟

وتسمح مراقبة حركة العين باكتشاف الطريقة التي يستكشف بها الطفل المثيرات البصرية.

تسجيل تعبيرات الوجه

وجه الطفل نفسه يوفر قدرًا كبيرًا من المعلومات.

يمكن للباحثين تسجيل تغيرات التعبير عندما يتعرض الطفل إلى مذاق حلو أو مر، أو إلى رائحة ممتعة أو كريهة، أو إلى صوت مزعج.

ومن خلال هذه التعبيرات يمكن مقارنة الاستجابات التي تثيرها أنواع مختلفة من المثيرات.

قياس معدل ضربات القلب

معدل ضربات القلب هو مؤشر فسيولوجي آخر استخدم في الدراسات.

فقد تبين، مثلًا، أن استجابة الجنين القلبية تتغير تبعًا للصوت الذي يسمعه.

وهذه القياسات توفر للباحث معلومات حتى عندما لا توجد حركة واضحة يمكن ملاحظتها بالعين.

مراقبة الاستجابة للمثيرات

في كثير من الدراسات يقارن الباحث بين استجابة الطفل لمثير مألوف واستجابته لمثير جديد.

قد يكون المثير صورة أو صوتًا أو رائحة أو جسمًا يلمسه.

وعندما تتغير الاستجابة يمكن استخدام هذا التغير للكشف عن التعلم والذاكرة والتمييز.

وهكذا فإن المنهج العلمي لا يعتمد على التخمين في معرفة ما يحدث لدى الطفل، وإنما على تصميم تجارب تجعل سلوك الطفل نفسه يقدم مؤشرات قابلة للقياس.

كيف غيرت هذه الأساليب نظرتنا إلى المولود؟

قبل تطور هذه الوسائل كان من السهل افتراض أن الطفل لا يمتلك قدرة ما لم يكن يستطيع إظهارها بطريقة واضحة للبالغ.

لكن الدراسات الحديثة كشفت أن الكثير من القدرات موجود في وقت أبكر بكثير مما كان متوقعًا.

المشكلة لم تكن دائمًا أن الطفل لا يستطيع الإدراك.

بل كانت أحيانًا أننا لم نكن نملك الطريقة المناسبة لقياس إدراكه.

ومع ابتكار طرق جديدة أصبح من الممكن الوصول إلى جوانب من العالم النفسي للمولود كان من الصعب دراستها في السابق.

الصورة العامة لقدرات المولود الجديد

عند جمع مختلف النتائج التي تناولها الكتاب تظهر صورة غنية ومتكاملة.

المولود يستطيع أن يرى، وإن كانت حدة بصره لا تزال محدودة.

وينتبه إلى الحركة.

ويميز بعض الألوان والأشكال.

ويفضل بعض المثيرات البصرية على غيرها.

ويظهر اهتمامًا خاصًا بالوجوه.

ويستطيع خلال أيام التعرف إلى وجه أمه اعتمادًا في البداية على خصائص عامة مثل الشعر وحدود الرأس.

ويربط بين الوجه والصوت.

ويستفيد من النظر المباشر في تعلم الأشخاص وتذكرهم.

ويمتلك خبرة سمعية بدأت قبل الولادة.

ويتعرف إلى صوت أمه ويفضله.

ويستطيع التمييز بين اللغة المألوفة ولغات مختلفة عنها في الإيقاع.

ويحتفظ بأثر لبعض الألحان التي سمعها داخل الرحم.

ويميز بين بعض الروائح.

ويتجه إلى رائحة أمه.

وينجذب إلى رائحة حليبها.

ويفضل الطعم الحلو، بينما يظهر ردود فعل مختلفة تجاه الطعم المر والحامض.

ويستخدم الفم واليد للحصول على معلومات عن الأشياء.

كما يستطيع في بعض التجارب ربط ما تعلمه بواسطة اللمس بما يراه بعينيه.

وتظهر لديه بدايات من إدراك جسمه.

وهو مزود بمجموعة من المنعكسات المهمة التي تساعده على التكيف مع الحياة.

وفي الوقت نفسه يشارك منذ البداية في شبكة من التفاعلات الاجتماعية مع الأشخاص المحيطين به.

الذاكرة موجودة منذ وقت مبكر

واحدة من أكثر الأفكار التي توحد هذه النتائج هي دور الذاكرة.

من دون الذاكرة لن يستطيع الطفل التعرف إلى صوت أمه.

ولن يستطيع تفضيل لغة مألوفة.

ولن يظهر التعود على صورة تكررت أمامه.

ولن يستطيع ربط الجسم الذي لمسه بالصورة التي يراها بعد ذلك.

إن هذه القدرات كلها تشير إلى أن الطفل لا يعيش كل لحظة باعتبارها تجربة منفصلة تمامًا.

بل يحتفظ بآثار بعض الخبرات ويستخدمها في التعامل مع ما يحدث لاحقًا.

وتبدأ بعض هذه الخبرات قبل الولادة نفسها.

التعلم يبدأ داخل الرحم

تمثل هذه الفكرة النتيجة المركزية التي يصل إليها الكتاب.

الولادة ليست بداية التعلم.

قبلها كان الجنين يسمع.

وكان يتعرض للإيقاعات اللغوية.

وكان يسمع صوت أمه.

وكان يتعرض لبعض النكهات والروائح.

وكان يتحرك ويلمس أجزاء جسمه والبيئة المحيطة به.

ثم يأتي إلى العالم الخارجي ومعه آثار هذه الخبرات.

وبعد الولادة تتسع البيئة بصورة هائلة.

الضوء يصبح مختلفًا.

والأصوات أكثر وضوحًا.

والوجوه تصبح مرئية.

والأشياء يمكن لمسها ورؤيتها.

وتبدأ الحواس المختلفة في العمل معًا بصورة أكثر اتساعًا.

المولود كائن يتعلم منذ البداية

المغزى الأساسي من كل هذه الدراسات أن الطفل حديث الولادة ليس كائنًا ينتظر عدة أشهر حتى يبدأ في التعلم.

إنه يبدأ منذ البداية باستخدام الإمكانات التي يملكها.

يتجه نحو ما يجذب انتباهه.

ويلاحظ الاختلاف.

ويتعود على المثيرات المتكررة.

ويهتم بالجديد.

ويخزن معلومات.

ويقارن بينها.

ويربط بين أكثر من حاسة.

وتشكل كل هذه العمليات الأساس الذي ستبنى عليه قدراته الأكثر تعقيدًا في المستقبل.

العلاقة الاجتماعية تبدأ منذ الأيام الأولى

جانب آخر مهم يظهر في مختلف فصول الكتاب هو أن التفاعل الاجتماعي يبدأ مبكرًا للغاية.

فالطفل ينجذب إلى الوجه.

ويهتم بالعينين.

ويفضل في بعض الظروف النظر المباشر.

ويتعلم وجه الشخص الذي يتحدث إليه وهو ينظر نحوه.

ويتعرف إلى صوت الأم.

ويستجيب لنبرة الصوت.

وقد يتأثر ببكاء طفل آخر.

وهكذا فإن الطفل يدخل العالم الاجتماعي قبل أن يمتلك اللغة وقبل أن يستطيع التعبير بالكلمات.

التواصل يبدأ بالنظرات والأصوات واللمسات والتعبيرات.

ثم تتطور هذه الأسس خلال الأشهر والسنوات التالية إلى أشكال أكثر تعقيدًا من التفاعل الاجتماعي.

لا ينبغي تحويل القدرات إلى اختبارات

رغم كل هذه النتائج المدهشة، يؤكد المنظور العام للمادة على ضرورة تجنب تحويل المعرفة العلمية إلى مصدر ضغط على الطفل أو الوالدين.

فالدراسات تصف متوسطات واتجاهات عامة.

ولا يظهر جميع الأطفال السلوك نفسه بالطريقة نفسها وفي الوقت نفسه.

وقد تؤثر حالة اليقظة والجوع والتعب والراحة وغيرها من الظروف في استجابة المولود.

لذلك ليس الهدف أن يحاول الوالدان تكرار التجارب في المنزل للحكم على قدرات طفلهما.

ولا ينبغي مقارنة كل مولود بأطفال آخرين بحثًا عن فروق صغيرة.

المعرفة بهذه القدرات ينبغي أن تؤدي إلى فهم أعمق للطفل واحترام أكبر لإيقاع نموه، لا إلى تحويل أيامه الأولى إلى سلسلة من الاختبارات.

التفاعل الطبيعي هو الأساس

ما يحتاجه المولود في حياته اليومية أبسط بكثير من المختبر.

يحتاج إلى الرعاية.

وإلى التغذية.

وإلى النوم.

وإلى الأمان.

وإلى اللمس اللطيف.

وإلى سماع أصوات مألوفة.

وإلى وجوه تتفاعل معه.

وإلى أشخاص يستجيبون لإشاراته.

وفي البيئة الأسرية العادية يتلقى الطفل بالفعل قدرًا كبيرًا من المعلومات الحسية والاجتماعية.

ولهذا لا يحتاج بالضرورة إلى تحفيز اصطناعي متواصل كي يتعلم.

العالم الطبيعي المحيط به غني بما يكفي.

صورة مختلفة تمامًا عن التصورات القديمة

تكشف النتائج التي استعرضها الكتاب أن الصورة القديمة للمولود بوصفه كائنًا لا يرى ولا يسمع ولا يتعلم صورة بعيدة عن الواقع الذي أظهرته الأبحاث الحديثة.

فهو يأتي إلى العالم مزودًا بمجموعة من القدرات.

بعضها يعتمد على استعدادات فطرية.

وبعضها يحمل آثار الخبرة الجنينية.

وبعضها يتشكل بسرعة كبيرة خلال الأيام والأسابيع الأولى.

والأهم أن هذه الجوانب تعمل معًا.

فالتطور ليس مجرد نضج حاسة واحدة.

إنه تفاعل مستمر بين السمع والبصر والشم والتذوق واللمس والحركة والذاكرة والخبرة الاجتماعية.

ومن خلال هذا التفاعل يبدأ الطفل في بناء عالمه.

إن المولود الذي يبدو صغيرًا وعاجزًا من الناحية الجسدية يخوض في الحقيقة منذ لحظاته الأولى عملية تعلم واسعة.

ينتقل من بيئة الرحم إلى العالم الخارجي.

يحمل معه بعض الذكريات الحسية.

ويبدأ فورًا في إضافة خبرات جديدة إليها.

يتعلم الأشخاص.

والأصوات.

والروائح.

والأشياء.

وجسده نفسه.

ومع مرور الأيام والأسابيع والشهور تصبح هذه القدرات أكثر دقة وتعقيدًا.

وهكذا فإن الرسالة العامة التي يقدمها الكتاب واضحة: حياة الطفل النفسية والإدراكية لا تبدأ من الصفر عند الولادة، بل تمتد جذورها إلى الحياة الجنينية، ثم تنمو بسرعة كبيرة منذ اللحظة الأولى التي يفتح فيها الطفل عينيه على العالم.

المصدر

إدوار جنتاز وكارين مازينس، بالتعاون مع فلور لوجون وجينيفر مالسير وأمايا بالاما، مادة حول الكفاءات الإدراكية لدى الأطفال حديثي الولادة، ضمن الدورات المفتوحة واسعة النطاق MOOCs بجامعة جنيف حول التطور النفسي للطفل.

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم
جاري تجهيز رابط التحميل
شكرًا لزيارتكم موقع المربي. نتمنى أن تجدوا في هذا الملف ما يفيد عملكم التربوي، ونسعد دائمًا بعودتكم للاستفادة من موارد الموقع ومشاركتها مع من يحتاجها.
5
يرجى الانتظار قليلاً حتى يتم تجهيز رابط التحميل.
سيظهر زر متابعة التحميل بعد انتهاء مدة الانتظار.