كيف يتعرف المولود الجديد على وجه أمه؟

من أكثر الأسئلة إثارة في دراسة القدرات الإدراكية لدى الأطفال حديثي الولادة السؤال المتعلق بالتعرف على الأم. فالطفل لا يمضي في العالم الخارجي إلا أيامًا قليلة قبل أن يبدأ في إظهار استجابات تشير إلى أنه أصبح يميز بين الشخص الأقرب إليه وبين الآخرين.

قد يبدو الأمر مدهشًا، لأن المولود في أيامه الأولى لا يزال في مرحلة مبكرة جدًا من التطور، ولم يمض وقت طويل على انتقاله من الرحم إلى العالم الخارجي. ومع ذلك تشير الدراسات الحديثة إلى أنه لا يحتاج إلى أسابيع أو أشهر حتى يبدأ في التعرف على وجه أمه.

فبعد أيام قليلة فقط من الولادة، وبعد ساعات محدودة من التفاعل معها، يستطيع الطفل أن يظهر تفضيلًا واضحًا لوجه أمه مقارنة بوجه امرأة غريبة.

وهذا التفضيل لا يعني أن الطفل يمتلك في هذه المرحلة معرفة كاملة بكل ملامح وجه أمه كما يفعل الطفل الأكبر، ولكنه يدل على أن جهازه البصري وذاكرته قادران منذ البداية على جمع معلومات عن الوجه المألوف والاحتفاظ بها واستخدامها عند المقارنة بين الأشخاص.


كيف يتعرف المولود الجديد على وجه أمه؟


كيف أثبت العلماء أن المولود يتعرف على وجه أمه؟

لكي يتأكد الباحثون من أن الطفل يميز فعلًا بين وجه أمه ووجه امرأة أخرى، صمموا تجارب دقيقة للغاية.

يوضع الطفل، الذي لا يتجاوز عمره بضعة أيام، في مقعد خاص أمام شاشة كبيرة.

وخلف الشاشة توجد فتحتان تظهر من خلالهما امرأتان.

إحداهما هي أم الطفل.

والأخرى امرأة غريبة لا يعرفها الطفل.

ولا يختار الباحثون أي امرأة عشوائيًا، بل يحاولون جعلها مشابهة للأم قدر الإمكان من حيث بعض الخصائص الظاهرة، مثل لون الشعر أو تسريحته.

وفي وسط الشاشة توضع كاميرا صغيرة مهمتها تسجيل اتجاه نظر الطفل والمدة التي يقضيها في النظر إلى كل وجه.

فإذا كان الطفل ينظر إلى وجه أمه مدة أطول بصورة واضحة ومتكررة، فهذا يعني أن وجهها يحمل بالنسبة إليه شيئًا مختلفًا عن وجه المرأة الأخرى.

لكن الباحثين يعلمون أن الطفل يمكن أن يتأثر بعوامل كثيرة غير ملامح الوجه، ولهذا يتخذون مجموعة من الاحتياطات الدقيقة.

تغطية الملابس

قد تختلف ملابس الأم عن ملابس المرأة الأخرى، وقد ينجذب الطفل إلى لون معين أو شكل معين في الملابس.

ولمنع هذا العامل من التأثير في النتيجة، تُغطى الملابس بقطعة قماش بيضاء بحيث لا تصبح الملابس مؤشرًا يستطيع الطفل الاعتماد عليه.

تعبير الوجه المحايد

تلتزم الأم والمرأة الغريبة بتعبير وجه محايد.

فلا تبتسم إحداهما أكثر من الأخرى.

ولا تتحدث أي منهما.

ولا تقوم بحركات إضافية.

والهدف هو منع الطفل من اختيار أحد الوجهين لأن صاحبة الوجه أكثر نشاطًا أو ابتسامًا أو حركة.

النظر المباشر إلى الطفل

يُطلب من كلتا المرأتين النظر مباشرة إلى عيني الطفل.

وهكذا تصبح وضعية الوجه وطريقة التفاعل متشابهتين قدر الإمكان.

منع الاعتماد على الرائحة

من المعروف أن حاسة الشم لدى الطفل تعمل مبكرًا، ولذلك يمكن نظريًا أن يتعرف إلى أمه من خلال رائحتها وليس من خلال وجهها.

ولمنع ذلك يستخدم الباحثون عطرًا على الشاشة أو في البيئة المحيطة بحيث لا يستطيع الطفل الاعتماد بسهولة على رائحة الأم في تحديد مكانها.

تبديل المواقع

قد يكون لدى الطفل ميل عابر إلى النظر أكثر نحو جهة اليمين أو نحو جهة اليسار.

ولذلك لا تبقى الأم دائمًا في الموقع نفسه.

في جزء من التجربة تظهر الأم في جهة، ثم تُبدل المواقع في تجربة لاحقة.

وبهذه الطريقة يستطيع الباحثون التأكد من أن التفضيل مرتبط بالوجه نفسه وليس بالموقع.

ماذا أظهرت التجارب؟

بعد قياس مدة النظر إلى كل من الوجهين، ظهرت نتيجة واضحة.

الأطفال حديثو الولادة ينظرون إلى وجه الأم مدة أطول من نظرهم إلى وجه المرأة الغريبة.

وهذا يعني أن الطفل، بعد أيام قليلة فقط من الولادة، يكون قد اكتسب معلومات بصرية كافية عن وجه أمه تسمح له بالتمييز بينها وبين امرأة أخرى.

إنه لا يبدأ من الصفر في كل مرة يرى فيها وجهها.

بل يخزن بعض المعلومات عنها ويستفيد منها في اللقاء التالي.

ومن هنا تصبح هذه التجربة دليلًا إضافيًا على أن المولود يمتلك قدرة على التعلم والذاكرة منذ الأيام الأولى.

فرق بسيط بين البنات والأولاد

لاحظ الباحثون كذلك فرقًا بسيطًا بين الجنسين.

فقد بدت البنات أكثر ميلًا بقليل إلى النظر إلى وجه الأم مقارنة بالأولاد.

ولا تعني هذه النتيجة أن أحد الجنسين يتعرف إلى الأم والآخر لا يفعل.

فالنتيجة الأساسية تنطبق على الأطفال حديثي الولادة عمومًا، لكن الدراسة رصدت فرقًا صغيرًا في مقدار التفضيل.

وتظل القيمة الأساسية لهذه التجارب في أنها تكشف سرعة التعلم البصري خلال الأيام الأولى.

كيف يتعرف المولود على أمه تحديدًا؟

بعد أن أثبت الباحثون أن الطفل يفضل وجه أمه، ظهر سؤال أكثر دقة.

ما الذي يتعرف عليه الطفل بالضبط؟

هل يعتمد على العينين؟

هل يعتمد على الأنف والفم؟

هل يتعرف إلى ملامح الوجه الداخلية؟

أم أن هناك عناصر أخرى أكثر أهمية بالنسبة إليه في هذه المرحلة؟

للإجابة عن ذلك أعيدت التجربة مع تغيير مهم.

ارتدت الأم والمرأة الغريبة غطاءً أسود للرأس.

وكان الهدف من الغطاء إخفاء الشعر وحدود الرأس الخارجية، بحيث لا يبقى ظاهرًا سوى الوجه نفسه.

إذا كان الطفل يتعرف إلى أمه من خلال ملامح الوجه الداخلية وحدها، فمن المتوقع أن يستمر في تفضيل وجهها حتى مع إخفاء الشعر وشكل الرأس.

لكن النتيجة جاءت مختلفة.

اختفاء التفضيل عند تغطية الشعر والرأس

عندما ارتدت المرأتان الغطاء الأسود اختفى تفضيل الطفل لوجه أمه.

وأصبح الأطفال ينظرون إلى الوجهين مدة متقاربة.

هذه النتيجة تكشف أن الطفل خلال الأيام الأولى لا يعتمد أساسًا على التفاصيل الدقيقة داخل الوجه في عملية التعرف.

بل يستفيد بدرجة كبيرة من المعلومات الموجودة حول الوجه.

ومن أهمها شكل الرأس، والشعر، والحدود الخارجية للرأس.

أي أن الصورة التي يخزنها الطفل عن الشخص المألوف في هذه المرحلة هي صورة عامة تعتمد على الشكل الخارجي أكثر من اعتمادها على التفاصيل الدقيقة للعينين والأنف والفم.

وهذا أمر منطقي إذا تذكرنا أن حدة بصر المولود ما تزال محدودة.

فالملامح الدقيقة تكون أصعب في الرؤية من الحدود العامة الكبيرة والواضحة.

متى تصبح ملامح الوجه وحدها كافية؟

لا يبقى الطفل معتمدًا دائمًا على الشعر وحدود الرأس.

فمع استمرار نمو الجهاز البصري وتزايد خبرته بالوجوه، يصبح قادرًا على معالجة التفاصيل الداخلية للوجه بصورة أفضل.

ويشير المصدر إلى أن الطفل لا يبدأ في التعرف على أمه اعتمادًا على ملامح الوجه وحدها إلا في عمر يقارب ستة إلى ثمانية أسابيع.

وفي هذه المرحلة يصبح الوجه نفسه، حتى دون الاعتماد الكبير على الشعر أو الشكل الخارجي للرأس، مصدرًا كافيًا لمعلومات التعرف.

وهكذا تتغير الطريقة التي يعالج بها الطفل الوجوه خلال فترة قصيرة نسبيًا.

في الأيام الأولى يعتمد على البنية الخارجية العامة.

ثم يتطور إدراكه شيئًا فشيئًا حتى يصبح أكثر حساسية للتفاصيل الداخلية.

صوت الأم يساعد الطفل على تعلم وجهها

قد يبدو التعرف إلى الوجه قدرة بصرية خالصة، لكن الدراسات تشير إلى أن الأمر أكثر تعقيدًا.

فالطفل لا يتعلم وجه أمه من خلال النظر وحده.

بل يستفيد أيضًا من صوتها.

وقد أظهرت دراسة أحدث نتيجة مهمة.

إذا لم تتحدث الأم مع طفلها خلال الأيام الأولى بعد الولادة، فإن الطفل لا يتعرف إليها بصريًا بسهولة مماثلة.

وتشير هذه النتيجة إلى وجود تعاون بين الحواس.

فالطفل لا يفصل بالضرورة بين الوجه والصوت كما لو كان كل منهما عالمًا مستقلًا.

إنه يسمع صوتًا معينًا ويرى في الوقت نفسه وجهًا معينًا.

ومع تكرار هذا التزامن، يبدأ في الربط بينهما.

وهنا تظهر أهمية صوت الأم بصورة خاصة.

فالطفل لم يسمع هذا الصوت للمرة الأولى بعد الولادة.

لقد كان يسمع صوت أمه منذ المرحلة الجنينية داخل الرحم.

وبعد الولادة يصبح الصوت المألوف مرتبطًا بصورة بصرية جديدة، هي صورة وجه الأم.

ومن ثم يمكن للصوت أن يساعد الطفل على تثبيت هذه الصورة الجديدة في ذاكرته.

من الصوت المألوف إلى الوجه المألوف

داخل الرحم لا يستطيع الجنين رؤية وجه أمه.

لكنه يسمع صوتها.

وعند الولادة يدخل عنصر جديد إلى التجربة.

الصوت المعروف أصبح يصدر من وجه أصبح الطفل يراه.

وبمرور الأيام تبدأ هاتان المعلومتان في الارتباط.

الصوت الذي كان مألوفًا قبل الولادة يصبح جسرًا يساعد الطفل على التعرف إلى الشخص الذي يراه أمامه.

وهذا يقدم مثالًا واضحًا على أن الإدراك المبكر ليس مقسمًا إلى حواس منفصلة تمامًا.

فالسمع يستطيع دعم التعلم البصري.

والخبرة السابقة قبل الولادة تستطيع التأثير في التعلم بعد الولادة.

التنسيق بين حركة الشفاه والكلام

ذهب الباحثون خطوة أبعد.

إذا كان الطفل يربط بين صوت الأم ووجهها، فهل يستطيع أيضًا ملاحظة العلاقة الزمنية بين حركة الفم والصوت؟

أظهرت دراسة أخرى أن الطفل يفضل النظر إلى الوجه المألوف عندما تكون حركة الشفاه متوافقة مع الكلام الذي يسمعه.

بمعنى أن حركة الفم تحدث في الوقت المناسب بالنسبة إلى الأصوات.

أما عندما لا يكون هناك توافق بين حركة الشفاه والكلام، فإن تفضيل الطفل للوجه المألوف يختفي.

وهذه النتيجة مهمة جدًا لأنها تعني أن الطفل لا يكتفي برؤية الوجه وسماع الصوت بصورة منفصلة.

بل يبدو قادرًا منذ الأيام الأولى على إدراك نوع من التزامن بين ما تراه العين وما تسمعه الأذن.

عندما يتحرك الفم ويصدر الصوت في الوقت المتوقع، تكون التجربة منسجمة.

أما إذا أصبحت الحركة والصوت غير متوافقين، فإن الطفل يلاحظ الخلل بدرجة تكفي لتغيير سلوكه البصري.

الربط بين الحواس يبدأ مبكرًا جدًا

تكشف هذه التجارب أن الدماغ منذ بداية الحياة يعمل على دمج المعلومات القادمة من أكثر من حاسة.

الوجه يراه الطفل بعينيه.

والصوت يسمعه بأذنيه.

وحركة الشفاه توفر معلومة بصرية.

والكلام يوفر معلومة سمعية.

ورغم صغر سن الطفل، فإنه لا يستقبل هذه العناصر كأحداث منفصلة تمامًا.

بل يستطيع أن يكتشف أن بعضها ينتمي إلى الحدث نفسه.

فالوجه والصوت وحركة الفم يمكن أن تصبح أجزاءً من تجربة واحدة مرتبطة بشخص واحد.

وهذا يشكل أساسًا مهمًا للتواصل البشري اللاحق.

لماذا تنجذب عين الطفل إلى الوجوه؟

منذ الولادة تظهر لدى الطفل استجابة خاصة تجاه الوجوه.

فالوجه ليس مجرد شكل من الأشكال الموجودة في البيئة.

إنه يحمل مقدارًا كبيرًا من المعلومات الاجتماعية.

من خلال الوجه سيبدأ الطفل في المستقبل بفهم الابتسام والانفعال والنظر والتواصل.

ولهذا فإن الانجذاب المبكر إلى الوجوه يمنح الطفل فرصة كبيرة للتعلم الاجتماعي منذ الأيام الأولى.

وتبين الدراسات أن الطفل لا ينظر إلى جميع مناطق الوجه بالقدر نفسه.

العيون تجذب اهتمام المولود

من بين مختلف أجزاء الوجه تبدو العينان عنصرًا شديد الأهمية بالنسبة إلى الطفل.

فالأطفال حديثو الولادة ينظرون إلى العينين أكثر من بعض مناطق الوجه الأخرى.

وتشكل العينان واحدة من أهم وسائل التواصل بين البشر.

ومن خلالهما يمكن معرفة اتجاه الانتباه، كما يصبح التواصل البصري فيما بعد عنصرًا أساسيًا في التفاعل الاجتماعي.

وتظهر أهمية العينين أيضًا في تفضيلات أخرى رصدتها الدراسات.

الوجوه ذات العيون المفتوحة

يميل الأطفال حديثو الولادة إلى تفضيل الوجوه التي تكون عيونها مفتوحة مقارنة بالوجوه ذات العيون المغلقة.

والوجه ذو العينين المفتوحتين يقدم للطفل إمكانية أكبر للتواصل.

إنه وجه يبدو أكثر تفاعلًا مع البيئة.

وهكذا يبدو الجهاز الإدراكي للمولود موجهًا منذ البداية نحو الإشارات الاجتماعية التي تحملها العينان.

النظر المباشر يجذب الطفل

لا يكفي أن تكون العينان مفتوحتين فقط.

فالطفل يفضل أيضًا الوجوه التي تنظر إليه مباشرة.

عندما تكون عينا الشخص موجهتين نحو الطفل، يكون احتمال جذب انتباهه أكبر من حالة انحراف النظر إلى اتجاه آخر.

وهذا التفضيل يحمل قيمة واضحة في التفاعل الاجتماعي.

فالنظر المباشر يمثل إشارة إلى أن الشخص الآخر يوجه انتباهه نحو الطفل.

وبذلك يبدأ الطفل منذ وقت مبكر في الاستجابة لإحدى أهم أدوات التواصل الإنساني.

وجوه البالغين أكثر جذبًا من وجوه المواليد

أظهرت الدراسات كذلك أن الطفل حديث الولادة يفضل وجوه البالغين على وجوه الأطفال حديثي الولادة.

وهذه النتيجة قد ترتبط بطبيعة البيئة التي يعيش فيها الطفل خلال الأيام الأولى.

فالأشخاص الذين يعتنون به ويتحدثون إليه ويحملونه هم عادة من البالغين.

ويصبح وجه البالغ بذلك جزءًا متكررًا وأساسيًا من تجربته اليومية.

هل يفضل الطفل الوجوه الجميلة؟

أحد أكثر الأسئلة إثارة في أبحاث إدراك الوجوه يتعلق بالجاذبية.

هل يستطيع المولود أن يظهر تفضيلًا بين وجوه يعتبرها البالغون أكثر أو أقل جاذبية؟

لاختبار ذلك طلب الباحثون من عدد كبير من البالغين تقييم مجموعة من الوجوه من حيث الجاذبية.

ثم اختيرت أزواج من الصور.

في كل زوج يوجد وجه حصل على تقييم مرتفع من البالغين من حيث الجاذبية، ووجه حصل على تقييم أقل.

بعد ذلك عُرضت هذه الصور على الأطفال وقيس زمن النظر إلى كل منها.

الأطفال في عمر 72 ساعة

عندما بلغ الأطفال نحو 72 ساعة من العمر، ظهر تفضيل واضح.

فقد نظروا مدة أطول إلى الوجه الذي صنفه البالغون باعتباره أكثر جاذبية.

وهذا يعني أن ثلاثة أيام تقريبًا من الخبرة البصرية بالوجوه كانت كافية لظهور هذا الفرق.

لكن النتيجة تصبح أكثر إثارة عند مقارنة هؤلاء الأطفال بمواليد لم تمض على ولادتهم إلا دقائق قليلة.

الأطفال بعد 15 دقيقة من الولادة

عُرضت التجربة نفسها على أطفال لم يتجاوز عمرهم نحو 15 دقيقة.

هؤلاء الأطفال لم يظهروا تفضيلًا واضحًا للوجه الذي اعتبره البالغون أكثر جاذبية.

وقد كان زمن النظر متقاربًا.

إذن هناك اختلاف مهم بين الطفل الذي لم يمض على ولادته سوى دقائق وبين الطفل الذي عاش في العالم الخارجي نحو ثلاثة أيام.

التجربة والخبرة تصنعان فرقًا سريعًا

كيف يمكن تفسير ظهور هذا التفضيل خلال فترة قصيرة؟

يعتقد الباحثون أن الطفل خلال الأيام الأولى يرى عددًا من الوجوه.

ومن خلال هذه الخبرة يبدأ في بناء نوع من التمثيل الذهني لما يبدو عليه الوجه البشري المعتاد.

أي أنه يجمع المعلومات من الوجوه المختلفة التي يراها ويكون شيئًا يشبه نموذجًا متوسطًا للوجه.

وعندما يرى لاحقًا وجوهًا جديدة، قد تكون بعض الوجوه أقرب إلى هذا النموذج الذي بدأ في تكوينه.

ويُعتقد أن الوجوه التي يعتبرها البالغون جذابة تكون في كثير من الحالات أقرب إلى هذا النموذج المتوسط.

ولهذا قد ينجذب الطفل إليها أكثر بعد أن يكون قد اكتسب قدرًا من الخبرة بالوجوه.

ولا يظهر التفضيل مباشرة بعد الولادة لأن الطفل لم يكن قد رأى وجوهًا بشرية خلال حياته الجنينية.

فالخبرة البصرية بالوجه تبدأ فعليًا بعد الولادة.

وهكذا تكشف المقارنة بين 15 دقيقة و72 ساعة مدى السرعة المدهشة التي يبدأ بها التعلم في الأيام الأولى.

الطفل لا يولد بصورة ثابتة عن الوجوه

تقدم هذه النتائج درسًا مهمًا.

فبعض تفضيلات الطفل قد تكون موجودة مبكرًا جدًا، لكن بعضها الآخر يتشكل سريعًا نتيجة الخبرة.

المولود يمتلك استعدادًا للانتباه إلى الوجوه.

لكنه في الوقت نفسه يتعلم من الوجوه التي يراها.

ويبدأ خلال أيام قليلة في بناء معرفة أكثر تنظيمًا بها.

يتعلم وجه أمه.

ويستفيد من شكل الشعر والرأس.

ويربط الوجه بالصوت.

ويلتقط التوافق بين الكلام وحركة الشفاه.

ويركز على العينين.

ويفضل النظر المباشر.

ثم يبدأ في بناء نموذج أكثر عمومية عن شكل الوجه البشري.

إنها كمية كبيرة من التعلم خلال فترة قصيرة جدًا.

وجه الأم بوابة إلى العالم الاجتماعي

إن قدرة الطفل على التعرف إلى وجه أمه ليست مجرد قدرة بصرية مثيرة للاهتمام.

إنها أيضًا واحدة من الخطوات الأولى في بناء العالم الاجتماعي للطفل.

فالطفل لا يعيش محاطًا بأشياء فقط.

إنه يعيش بين أشخاص.

وهؤلاء الأشخاص يحملونه ويطعمونه ويتحدثون إليه ويهدئونه ويستجيبون لبكائه.

لذلك يصبح التعرف إلى الشخص المألوف أمرًا مهمًا في تنظيم خبرته.

وجه الأم، أو وجه الشخص الذي يقدم له الرعاية بصورة متكررة، يتحول تدريجيًا من مجرد صورة بصرية إلى جزء من شبكة كاملة من الخبرات.

يراه الطفل.

ويسمع صوته.

ويشعر بلمسه.

وقد يشم رائحته.

وتتكرر هذه المعلومات في مواقف الرضاعة والحمل والتهدئة والتفاعل.

وبمرور الوقت تترابط كل هذه العناصر.

إدراك متعدد الحواس منذ البداية

النتيجة الأوسع التي تقدمها هذه الدراسات هي أن إدراك المولود ليس عملية تقوم فيها كل حاسة بعمل منفصل.

فالطفل يجمع بين المعلومات.

صوت الأم يساعده على تعلم وجهها.

حركة الفم ترتبط بالكلام.

النظر المباشر يحمل معنى مختلفًا عن النظر المنحرف.

وشكل الرأس والشعر يدعم التعرف البصري عندما تكون ملامح الوجه الداخلية ما تزال صعبة المعالجة.

وهكذا يبني الطفل معرفته بالأشخاص باستخدام أكثر من مصدر للمعلومات في الوقت نفسه.

وهذه القدرة المبكرة على الربط بين الحواس تمثل إحدى اللبنات الأساسية للتطور الإدراكي والاجتماعي في الأشهر اللاحقة.

ما الذي نستخلصه من هذه الأبحاث؟

بعد أيام قليلة فقط من الولادة يستطيع الطفل تفضيل وجه أمه على وجه امرأة غريبة.

وخلال الأيام الثلاثة الأولى يعتمد بدرجة كبيرة على الشعر وشكل الرأس والحدود الخارجية للوجه في التعرف.

ولا تصبح ملامح الوجه الداخلية وحدها كافية إلا لاحقًا، تقريبًا بين ستة وثمانية أسابيع.

ويساعد صوت الأم في تثبيت صورة وجهها في ذاكرة الطفل.

كما يستطيع المولود إدراك التوافق بين حركة الشفاه والصوت.

وينجذب الطفل منذ الولادة إلى الوجوه، وخاصة إلى العينين المفتوحتين والوجوه التي تنظر إليه مباشرة.

ويظهر كذلك تفضيلًا لوجوه البالغين.

وبعد نحو 72 ساعة من الخبرة البصرية يمكن أن يظهر تفضيلًا للوجوه التي يعتبرها البالغون أكثر جاذبية، في حين لا يظهر هذا التفضيل عند الطفل بعد نحو 15 دقيقة فقط من الولادة.

وتقدم هذه النتائج كلها صورة واضحة عن سرعة التعلم في بداية الحياة.

فالمولود لا يقضي أيامه الأولى في انتظار أن يبدأ الإدراك.

إنه يراقب ويتعلم ويربط بين ما يرى وما يسمع، ويبني في وقت قصير معرفة أولية بالأشخاص الذين يحيطون به.

وبذلك يصبح وجه الأم أحد أوائل الوجوه التي تتحول بالنسبة إليه من مجرد صورة جديدة إلى وجه مألوف يحمل معنى خاصًا في بداية علاقته بالعالم.

المصدر

إدوار جنتاز وكارين مازينس، بالتعاون مع فلور لوجون وجينيفر مالسير وأمايا بالاما، مادة حول الكفاءات الإدراكية لدى الأطفال حديثي الولادة، ضمن الدورات المفتوحة واسعة النطاق MOOCs بجامعة جنيف حول التطور النفسي للطفل.

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم
جاري تجهيز رابط التحميل
شكرًا لزيارتكم موقع المربي. نتمنى أن تجدوا في هذا الملف ما يفيد عملكم التربوي، ونسعد دائمًا بعودتكم للاستفادة من موارد الموقع ومشاركتها مع من يحتاجها.
5
يرجى الانتظار قليلاً حتى يتم تجهيز رابط التحميل.
سيظهر زر متابعة التحميل بعد انتهاء مدة الانتظار.