حقيبة الحكايات: نموذج مشروع تربوي لتنمية التعبير والتفكير في التعليم الأولي

 قد تبدأ الحكاية بصورة صغيرة يلتقطها الطفل، أو دمية يحركها، أو سؤال يثير فضوله: إلى أين يذهب هذا الأرنب؟ وماذا سيحدث له في الطريق؟ وعندما تتاح للأطفال فرصة اختيار الشخصيات وترتيب الأحداث واقتراح النهايات، تصبح القصة مساحة للمشاركة والتفكير والتعاون. ومن هذه الفكرة ينطلق مشروع «حقيبة الحكايات»، الذي يحول حقيبة بسيطة وبطاقات مصورة إلى وسيلة لبناء قصص جماعية داخل قسم التعليم الأولي.

يمثل المشروع امتدادًا تطبيقيًا للتوجه الذي يناقشه مقال «الأمازيغية لغةً أمًّا في التعليم الأولي بالمغرب»، من حيث استثمار لغة الطفل في الفهم والتعبير، ثم توسيع رصيده اللغوي تدريجيًا. وهو مقترح جديد ضمن هذا التوجه، يتيح للطفل استعمال الأمازيغية التي يعرفها في وصف الصور وتفسير اختياراته، مع اكتساب مفردات وعبارات عربية مرتبطة بأحداث القصة.

حقيبة الحكايات: نموذج مشروع تربوي لتنمية التعبير والتفكير بالأمازيغية والعربية في التعليم الأولي

فكرة المشروع والسؤال المنطلق

تحتوي الحقيبة على صور لشخصيات وأماكن وأشياء مألوفة، إضافة إلى دمية أو دميتين. تختار كل مجموعة بعض العناصر، وتتعاون على تأليف حكاية قصيرة لها بداية وحدث ونهاية، ثم تعرضها بالصور أو الدمى أو التمثيل البسيط.

ينطلق المربي من سؤال: كيف نحول الصور الموجودة في حقيبتنا إلى حكاية يفهمها أصدقاؤنا؟

يقود هذا السؤال إلى مهام متنوعة: التعرف على الصور، واختيار شخصية رئيسية، وتحديد مكان الحدث، واقتراح مشكلة بسيطة، والبحث عن حل، وترتيب المشاهد، ثم تقاسم الحكاية مع الآخرين. وتبقى القصة قابلة للتعديل كلما لاحظ الأطفال أن حدثًا يحتاج إلى توضيح أو أن صورة لا تناسب ما يريدون قوله.

الفئة المستهدفة والمدة المقترحة

يناسب المشروع أطفال المستويين الأول والثاني من التعليم الأولي. ويمكن تنفيذه خلال أسبوع، في حصص قصيرة تتوزع بين اكتشاف الحقيبة، وألعاب الصور، وبناء الحكايات، وإعداد وسائل العرض، وتقاسم الإنتاجات.

يشارك أطفال المستوى الأول باختيار صورة، أو تسمية شخصية، أو تقليد حركة، أو إكمال عبارة بسيطة. أما أطفال المستوى الثاني، فيمكنهم الربط بين حدثين، أو اقتراح سبب، أو شرح نهاية، أو إعادة سرد جزء من الحكاية.

ولا يرتبط توزيع المهام بالعمر وحده؛ فقد يكون الطفل قليل الكلام أمام المجموعة لكنه قادر على بناء تسلسل واضح بالصور. لذلك ينوع المربي طرق المشاركة ويمنح الأطفال وقتًا مناسبًا قبل مطالبتهم بالكلام.

الأهداف التربوية للمشروع

يسعى المشروع إلى تحقيق أهداف مترابطة:

— الإصغاء إلى حكاية قصيرة ومتابعة أحداثها.

— التعرف على الشخصيات والأماكن والأشياء في الصور.

— التمييز بين صورة شخصية وصورة مكان أو أداة.

— ترتيب أحداث بسيطة وفق تسلسل مفهوم.

— اقتراح توقع أو حل لمشكلة داخل الحكاية.

— التعبير بالكلام والإشارة والحركة والرسم.

— استعمال كلمات جديدة داخل سياق واضح.

— تبادل الأدوار واحترام أفكار الآخرين.

— المشاركة في إنتاج حكاية جماعية وعرضها.

ويرتبط المشروع بمجالات التعبير اللغوي والتواصل، وتنظيم التفكير، وتنمية الذوق الفني والجمالي، والسلوك الحسي الحركي، والقيم وقواعد العيش المشترك. ويمكن أن يمتد إلى استكشاف المحيط عندما تتناول القصص موضوعات مألوفة من حياة الأطفال.

الوسائل وإعداد حقيبة الحكايات

يمكن استعمال حقيبة قماشية موجودة داخل القسم أو صندوق كرتوني يزينه الأطفال. وتعد بطاقات كبيرة نسبيًا، واضحة الرسوم، تمثل شخصيات مثل طفل وأرنب وطائر، وأماكن مثل حديقة وقسم وبيت، وأشياء مثل كرة وسلة ومظلة.

يبدأ المربي بعدد محدود من البطاقات، حتى لا ينشغل الأطفال بكثرة الاختيارات. ويمكن إضافة بطاقات جديدة تدريجيًا بحسب الحكايات التي تظهر. وتستعمل دمى خفيفة أو شخصيات مرسومة على ورق مقوى، دون الحاجة إلى تجهيز مسرح كبير.

يراعى أن تكون الصور مفهومة وغير مزدحمة بالتفاصيل، وأن تعكس تنوع الحياة اليومية. فلا تربط الأمازيغية بمشهد قروي واحد أو بلباس احتفالي، بل يمكن أن تحكي الشخصيات عن اللعب في القسم أو زيارة الحديقة أو البحث عن كتاب أو مساعدة صديق.

المرحلة الأولى: اكتشاف الحقيبة

يجلس الأطفال في حلقة، ويضع المربي الحقيبة أمامهم، ثم يخرج منها صورة واحدة. يمنحهم وقتًا للنظر قبل السؤال: ماذا ترون؟ ماذا تعرفون عن هذه الشخصية؟ وأين يمكن أن تكون؟

يستقبل الأجوبة بالأمازيغية أو العربية أو غيرهما من اللغات التي يستعملها الأطفال، مع الاستعانة بالإشارة عند الحاجة. ثم يعرض صورة ثانية ويسأل عن علاقة ممكنة بينهما. فإذا ظهرت صورة أرنب وشجرة، قد يقترح طفل أن الأرنب يجلس تحتها، وقد يقول آخر إنه يبحث عن شيء بجانبها.

لا يطلب المربي في هذه المرحلة قصة مكتملة، بل يشجع بناء علاقات بسيطة بين الصور. ويعيد صياغة اقتراح الطفل بطريقة أوضح، محافظًا على فكرته ودون مقاطعته بتصحيحات متكررة.

توظيف الأمازيغية وتوسيع التعبير بالعربية

تؤدي الأمازيغية وظيفة فعلية عندما يستعملها الطفل ليشرح ما يراه، أو يقترح ما سيحدث، أو يبين سبب اختياره لصورة معينة. ولا يقتصر حضورها على تسمية الأشياء ثم الانتقال مباشرة إلى نشاط لا يفهم تعليماته.

يختار المربي مفردات عربية محدودة مرتبطة بالحكاية، مثل: يبحث، وجد، يساعد، قبل، بعد، بجانب. ويقدمها أثناء تحريك الدمية أو ترتيب الصور، حتى يرتبط اللفظ بالفعل والمعنى.

إذا عبر الطفل بالأمازيغية عن أن الشخصية تبحث عن كرتها، يمكن للمربي تأكيد الفكرة ثم تقديم عبارة عربية قصيرة: الأرنب يبحث عن الكرة. ولا يشترط أن يعيد الطفل العبارة فورًا في كل مرة؛ بل يتيح فرصًا لاحقة لاستعمالها أثناء اللعب والسرد.

ويراعي المربي اختلاف الرصيد اللغوي داخل القسم. فالطفل الذي لا يفهم الأمازيغية يحتاج بدوره إلى صور وحركات وصياغة مفهومة، كما أن الأطفال الناطقين بها قد يستعملون تعبيرات محلية مختلفة.

المرحلة الثانية: ورشات تمهيدية

— ورشة التصنيف: تجمع المجموعة صور الشخصيات في مكان، وصور الأماكن في مكان آخر، وصور الأشياء في مكان ثالث، ثم تشرح طريقة ترتيبها.

— ورشة المطابقة: يبحث الأطفال عن بطاقة تناسب موقفًا يحكيه المربي، مثل اختيار المظلة عندما يذكر أن المطر بدأ ينزل.

— ورشة الذاكرة: تعرض صور قليلة، ثم تخفى إحداها، وتحاول المجموعة تحديد الصورة الناقصة بالكلام أو الإشارة.

— ورشة العلاقات المكانية: يحرك الطفل دمية بجانب صندوق أو داخله أو خلفه، وفق تعليمة مفهومة، ثم يصف موقعها بما يستطيع.

— ورشة الأصوات والحركات: يختار الطفل شخصية ويقترح حركة أو صوتًا يناسبها داخل الحكاية، مع تجنب إلزام الطفل الخجول بالأداء أمام الجميع.

تتبادل المجموعات الورشات، وتكون لكل مهمة قاعدة واضحة ونموذج قصير عند الحاجة. وتساعد هذه الأنشطة على التعرف إلى الوسائل قبل الانتقال إلى تأليف القصة.

المرحلة الثالثة: بناء حكاية جماعية

تختار كل مجموعة في البداية ثلاث بطاقات: شخصية ومكان وشيئًا. يمنحها المربي وقتًا للتفكير، ثم يساعدها بأسئلة محددة: من بطل الحكاية؟ أين يوجد؟ ماذا يريد؟ وما الذي حدث له؟

يمكن أن تختار مجموعة أرنبًا وحديقة وكرة، وتقترح أنه خرج ليلعب ثم لم يجد كرته. هنا تظهر مشكلة بسيطة يمكن للأطفال بناء أحداث حولها. وقد تختار مجموعة أخرى طفلًا وقسمًا وكتابًا، فتؤلف حكاية عن البحث عن مكان مناسب للحكي.

يوزع المربي فرص المشاركة، بحيث يقترح طفل البداية، ويضيف آخر حدثًا، ويختار ثالث صورة توضح الحل. وتبقى هذه الأدوار قابلة للتبادل، فلا يصبح الطفل الأكثر طلاقة راوي المجموعة في كل مرة.

يسجل المربي الأفكار الأساسية برسم أو بكلمات قصيرة، ثم يعيد الحكاية على المجموعة ليتأكد أن الصياغة تمثل ما أراده الأطفال.

نموذج لحكاية قابلة للتطوير

يمكن تقديم المثال الآتي عند حاجة الأطفال إلى مساعدة:

— خرج الأرنب إلى الحديقة ومعه كرة.

— وضع الكرة قرب الشجرة، ثم ابتعد قليلًا.

— عندما عاد لم يجدها في مكانها.

— سأل صديقه الطائر: هل رأيت الكرة؟

— نظر الصديقان حولهما، فوجداها خلف السلة.

— أعادا الكرة إلى مكان واضح، ثم لعبا معًا.

يقدم هذا النص بوصفه مثالًا، ولا يفرض على المجموعات نسخه. ويمكن للأطفال تغيير الشخصية أو مكان الكرة أو طريقة العثور عليها، شريطة أن يستطيعوا شرح العلاقة بين الأحداث.

تحديات لتنمية التفكير

في تحدي «الصورة التي نحتاجها»، يعرض المربي حكاية ينقصها مشهد، ويطلب من الأطفال اختيار بطاقة تساعد المستمع على فهم ما حدث.

وفي تحدي «ماذا حدث أولًا؟»، تقدم صور مشاهد سبق أن عرفها الأطفال بترتيب مختلف، ويحاولون إعادة ترتيبها. أما إذا كانت الصور مفتوحة على أكثر من حكاية، فتقبل ترتيبات متعددة متى قدمت المجموعة تفسيرًا مفهومًا.

وفي تحدي «نهاية أخرى»، تتوقف القصة قبل الحل، وتقترح كل مجموعة نهاية مختلفة. يناقش الأطفال ما إذا كانت النهاية مرتبطة بالمشكلة، وما الذي تحتاجه من صور إضافية.

وفي تحدي «كيف عرفت؟»، يطلب المربي من الطفل توضيح الدليل الذي اعتمد عليه، مثل صورة الشخصية وهي تحمل الكرة. ويقبل الإشارة إلى التفصيل بدل اشتراط تفسير لغوي طويل.

المرحلة الرابعة: إعداد العرض وتمثيل الحكاية

تختار كل مجموعة طريقة عرضها: ترتيب البطاقات أمام الجمهور، أو تحريك الدمى، أو أداء مشهد قصير. ويمكن توزيع الأدوار بين حامل الصور، ومحرك الشخصية، والمشارك في الحوار، والراوي.

لا يحتاج العرض إلى منصة أو أزياء. تكفي مساحة صغيرة داخل القسم وطاولة أو صندوق كرتوني بسيط. ويكون التركيز على وضوح الحدث وإتاحة المشاركة، لا على حفظ نص طويل أو إتقان أداء مسرحي.

يجرب الأطفال العرض أولًا داخل مجموعتهم، ثم يلاحظون ما يحتاج إلى تعديل. فقد يكتشفون أن صورة ظهرت قبل وقتها، أو أن المستمع لا يعرف سبب انتقال الشخصية إلى مكان آخر، فيضيفون جملة أو حركة توضح المعنى.

بعد العرض، يوجه الجمهور سؤالًا بسيطًا أو يذكر حدثًا أعجبه، ويتعلم الأطفال الإصغاء إلى الملاحظات دون السخرية من طريقة الكلام أو اختلاف النطق.

التكييف داخل القسم المشترك

يمكن لطفل المستوى الأول المشاركة ببطاقتين متتاليتين أو بجملة قصيرة، بينما يتولى طفل المستوى الثاني ربط أحداث أكثر أو تقديم تفسير بسيط.

ويستطيع المربي تقليل عدد الاختيارات، أو تقديم بداية جاهزة، أو استعمال صور أكبر، أو إتاحة حوار ثنائي قبل المشاركة الجماعية. ولا تعني المساعدة إنجاز القصة بدل الطفل، بل تهيئة مدخل يسمح له بإضافة فكرة خاصة به.

كما ينبغي ألا يظل الطفل الأقل طلاقة مسؤولًا عن حمل البطاقات فقط. تعرض عليه فرص كلام قصيرة ومريحة، مع احترام عدم استعداده في بعض اللحظات.

تقويم التعلمات وتوثيق المشروع

يراقب المربي قدرة الطفل على فهم الحدث، وربط الصور، والمساهمة بفكرة، وانتظار الدور، واستعمال مفردة جديدة. ويفصل بين القدرة على بناء معنى والقدرة على التعبير عنه بالعربية.

فقد يرتب الطفل المشاهد ترتيبًا مناسبًا ويشرحها بالأمازيغية، بينما يحتاج إلى دعم في صياغتها بالعربية. وتسجل هاتان الملاحظتان بصورة مستقلة حتى يوجه الدعم إلى الحاجة الفعلية.

يمكن جمع رسوم المجموعات في ألبوم بسيط بعنوان «حكايات قسمنا»، ويكتب المربي تحت كل رسم جملة أملاها الأطفال. ويحفظ الألبوم في ركن القراءة لإعادة الحكي، مع تغيير الراوي أو النهاية في أنشطة لاحقة.

خاتمة

يتيح مشروع «حقيبة الحكايات» للأطفال الانتقال من مشاهدة الصور إلى بناء المعنى وتقاسمه. فهم يختارون الشخصيات، ويربطون الأحداث، ويقترحون الحلول، ويعيدون النظر في أفكارهم عندما يحتاج السرد إلى توضيح. ويمنح توظيف الأمازيغية لدى الناطقين بها مساحة للتعبير والمشاركة، بينما تدخل العربية تدريجيًا من خلال كلمات وعبارات مرتبطة بالتجربة. وبوسائل بسيطة وعمل جماعي منظم، تصبح الحكاية مشروعًا يجمع الخيال والتفكير والتواصل، ويحفظ لكل طفل مكانًا في إنتاجه وعرضه.

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم
جاري تجهيز رابط التحميل
شكرًا لزيارتكم موقع المربي. نتمنى أن تجدوا في هذا الملف ما يفيد عملكم التربوي، ونسعد دائمًا بعودتكم للاستفادة من موارد الموقع ومشاركتها مع من يحتاجها.
5
يرجى الانتظار قليلاً حتى يتم تجهيز رابط التحميل.
سيظهر زر متابعة التحميل بعد انتهاء مدة الانتظار.
🔊
الاستماع إلى المقال Écouter cet article
الحالة: جارٍ تحميل الأصوات...
تقدم القراءة 0%
الأصوات المتوفرة على جهازك: جارٍ الفحص...