تمنح القصة الطفل فرصة لتخيل أحداث تتجاوز ما يراه أمامه، بينما تتيح له المناولة اختبار أفكاره وتحويلها إلى أفعال. وعندما يجتمع الحكي مع البناء وحل المشكلات، يصبح الطفل مشاركًا في صناعة الحدث، يقترح ويجرب ويتحاور مع أقرانه للوصول إلى حل. ومن هذا المنطلق يأتي مشروع «نبني مأوى لشخصيات قصتنا»، الذي يجمع بين أدب الطفل والتعبير اللغوي والتفكير والعمل الجماعي داخل قسم التعليم الأولي.
يستند هذا المقترح إلى فكرة «القصة الجماعية وحل مشكلة» الواردة في مقال «الأمازيغية لغةً أمًّا في التعليم الأولي بالمغرب»، ويطورها إلى مشروع تطبيقي باستخدام شخصيات دمى ومواد بسيطة. وتتمثل المهمة في بناء مأوى صغير لهذه الشخصيات، مع مواجهة مشكلة محدودية المواد والحاجة إلى اختيار تصميم مناسب. وتوظف الأمازيغية، لدى الأطفال الذين يفهمونها، في مناقشة الأحداث وتفسير الأفكار، مع توسيع التعبير بالعربية تدريجيًا.
فكرة المشروع والسؤال المنطلق
ينطلق المشروع من قصة قصيرة عن شخصيتين ترغبان في إنشاء ركن للعب، لكن القطع المتاحة لا تكفي لبناء جميع الأفكار التي اقترحتاها. يريد أحدهما مأوى واسعًا، وتقترح الأخرى إضافة مدخل وسقف وجوانب، ثم يكتشفان أنهما يحتاجان إلى التعاون وتحديد ما سيبدآن به.
يطرح المربي سؤال المشروع: كيف نبني لشخصيتي القصة مأوى صغيرًا يتسع لهما، باستعمال المواد الموجودة لدينا؟
لا يقدم تصميمًا نهائيًا ينسخه الجميع، بل يحدد شروطًا بسيطة يفهمها الأطفال: مكان يتسع للدمى، ومدخل يسمح بإدخالها، وسقف خفيف يستقر فوق الدعامات. ثم يترك للمجموعات فرصة اقتراح أشكال مختلفة وتجريبها.
الفئة المستهدفة والمدة المقترحة
يناسب المشروع أطفال المستويين الأول والثاني، مع اختلاف درجة تعقيد المهام. ويمكن تنفيذه خلال أسبوع، في حصص قصيرة تشمل الحكي والاستكشاف والتخطيط والبناء والتجريب والعرض.
يشارك أطفال المستوى الأول في التعرف على الشخصيات، واختيار قطع مناسبة، ووضعها بمساعدة، وتجريب دخول الدمية. أما أطفال المستوى الثاني، فيمكنهم اقتراح ترتيب للخطوات، ومقارنة حلين، وتفسير سبب تعديل جزء من البناء، والمشاركة في صياغة نهاية للقصة.
ولا يفترض أن تكون القدرة على البناء أو التعبير متساوية داخل المستوى الواحد؛ لذلك تظل المهام قابلة للتكييف بحسب ملاحظة المربي.
الأهداف التربوية للمشروع
يستهدف المشروع تعلمات مترابطة:
— الإصغاء إلى قصة قصيرة وفهم مشكلتها الأساسية.
— التعرف على الشخصيات وترتيب بعض الأحداث.
— اقتراح حل والتعبير عنه بالكلام أو الرسم أو المناولة.
— مقارنة أحجام القطع ومدى ملاءمتها للمهمة.
— استعمال علاقات مكانية مثل داخل وخارج وفوق وتحت.
— تجريب بناء بسيط وتعديله وفق ما يظهر أثناء الاختبار.
— التفاوض حول الأدوات وتبادل الأدوار.
— توسيع المفردات داخل موقف تواصلي له معنى.
— المشاركة في إنتاج نهاية جماعية للقصة.
ويرتبط المشروع بمجالات التعبير اللغوي والتواصل، وتنظيم التفكير، واستكشاف الذات والمحيط البيئي والتكنولوجي، والسلوك الحسي الحركي، وتنمية الذوق الفني والجمالي، والقيم وقواعد العيش المشترك.
الوسائل وتنظيم الفضاء
تستعمل دميتان خفيفتان، وقطع كرتون مجهزة مسبقًا، وعلب صغيرة مفتوحة، وأنابيب كرتونية قصيرة، ومكعبات كبيرة، وشريط لاصق ورقي، وبطاقات مصورة، وأوراق وأقلام للتخطيط والرسم.
ينجز المربي مسبقًا عمليات القص الصعبة، ويزيل الدبابيس والحواف المؤذية، ويختار مواد نظيفة وخفيفة. ويكون البناء نموذجًا صغيرًا يوضع على الطاولة أو الأرض، ومخصصًا للدمى، دون أن يصعد عليه الأطفال أو يدخلوا تحته.
تجهز لكل مجموعة مساحة واضحة وصينية للمواد. وتكون الكمية محدودة بما يدعو إلى التفكير، لكنها كافية لإنجاز حل واحد على الأقل. فلا تتحول المشكلة إلى مهمة مستحيلة أو إلى سبب للتنافس على أدوات أساسية غير متاحة.
المرحلة الأولى: تقديم القصة وفهم المشكلة
يعرض المربي الشخصيتين ويحكي بداية قصيرة بلغة مفهومة، مستعينًا بالحركة والصور. ويمكن أن يبدأ الحوار هكذا:
— قالت الشخصية الأولى: أريد مكانًا نلعب فيه معًا.
— أجابت الثانية: لنصنع له سقفًا ومدخلًا.
— قالت الأولى: أريد أيضًا مساحة كبيرة لهذه الألعاب.
— نظرت الثانية إلى القطع وقالت: القطع قليلة، كيف سنستعملها؟
يتوقف الحكي عند ظهور المشكلة، ويسأل المربي: ماذا تريد الشخصيتان؟ ما الذي يمنعهما من تنفيذ جميع أفكارهما؟ وكيف نستطيع مساعدتهما؟
يتيح للأطفال إعادة المعنى بلغتهم المألوفة أو بالإشارة إلى المواد. وقد يقترح أحدهم تقليل حجم المأوى، بينما يقترح آخر استعمال علبة جاهزة أو تغيير شكل السقف. يستقبل المربي الاقتراحات بوصفها أفكارًا قابلة للتجريب.
توظيف الأمازيغية في الحكي والتفكير
يستعمل المربي الأمازيغية عندما تكون وسيلة مفهومة لدى الأطفال، خاصة في تقديم المشكلة واستقبال التفسيرات. ويتيح للطفل وصف ما يريد صنعه بالتعبيرات التي يعرفها، ثم يوسع المعنى ويقدم مقابلات عربية محددة مرتبطة بالموقف.
يمكن اختيار كلمات مثل: سقف، مدخل، داخل، فوق، واسع، ضيق، مع توزيعها على مراحل المشروع. فعند تجريب الدمية يبرز معنى داخل وخارج، وعند تركيب السقف يستعمل فوق وتحت، وعند فحص المدخل تناقش ملاءمة اتساعه.
ولا يفترض المربي أن جميع الأطفال يتحدثون الأمازيغية أو يفهمون الصيغ نفسها. يستعين بالمجسم والحركة والصورة، ويتحقق من وصول المعنى. كما لا يجعل طفلًا واحدًا مترجمًا دائمًا لزملائه، بل يتحمل مسؤولية وضوح التعليمات وتوزيع فرص الكلام.
المرحلة الثانية: استكشاف المواد
قبل البناء، تمنح المجموعات وقتًا لفحص القطع. يجرب الأطفال وضع قطعة فوق أخرى، ومقارنة عرض الكرتون، وملاحظة الفرق بين قاعدة مستقرة وقطعة تتدحرج.
يوجه المربي أسئلة مرتبطة بالفعل: أي القطع تستقر على الطاولة؟ أيها يمكن أن تحمل هذا السقف الخفيف؟ هل هذه الفتحة مناسبة للدمية؟ وكيف نتحقق؟
يمكن للأطفال تصنيف المواد بحسب الشكل أو الحجم أو الوظيفة المقترحة. وتظل التصنيفات قابلة للمراجعة؛ فقد تستعمل القطعة نفسها جدارًا في تصميم وسقفًا في تصميم آخر.
ولا يلزم تقديم مصطلحات هندسية معقدة. تكفي أوصاف واضحة ترتبط بما يجربه الطفل، مع إتاحة الوقت للملاحظة بدل إعطائه الإجابة مباشرة.
المرحلة الثالثة: التخطيط الجماعي
تتفق كل مجموعة على فكرة أولية. ويمكنها التعبير عنها برسم بسيط، أو ترتيب القطع على الطاولة قبل تثبيتها، أو الإشارة إلى موضع المدخل والسقف.
يساعد المربي الأطفال على تحديد ما يحتاجونه أولًا: أين ستكون الشخصيتان؟ من أين تدخلان؟ وما القطع التي سنستعملها لحمل السقف؟
توزع الأدوار بين مرتب المواد، ومشارك في التركيب، ومجرب للدمى، وملاحظ يقترح تعديلًا. وتتبادل المسؤوليات أثناء العمل، حتى لا يحتكر الطفل الأكثر كلامًا اتخاذ القرار أو ينفرد طفل واحد بالبناء.
إذا اختلف الأطفال حول فكرتين، يمكن تجريب كل منهما سريعًا قبل الاختيار. وبهذا يصبح الاختلاف فرصة للمقارنة، ويتعلم الأطفال أن قبول الاقتراح يرتبط بملاءمته للمهمة وبما تظهره التجربة.
المرحلة الرابعة: البناء والتجريب
تبدأ المجموعات تنفيذ أفكارها. يراقب المربي طريقة استعمال المواد، ويتدخل للمساعدة في التثبيت أو لتوضيح تعليمة، مع ترك القرارات الممكنة للأطفال.
قد يسقط السقف، أو يضيق المدخل، أو لا يتسع الداخل للشخصيتين. وعندها يسأل المربي: ماذا حدث؟ أي جزء نحتاج إلى تغييره؟ هل نجرب تحريك الدعامتين؟ هل نختار قطعة أخرى؟
يجرب الأطفال إدخال الدمى وإخراجها برفق، ويتحققون من استقرار السقف أثناء الاستعمال العادي. ولا تختبر المتانة بالضغط القوي أو بوضع أشياء ثقيلة، لأن الغرض نموذج بسيط للعب.
تسجل المجموعة تعديلًا واحدًا على الأقل بالرسم أو بالشرح: كان المدخل ضيقًا فوسعناه، أو كان السقف يميل فغيرنا موضع الدعامة. وتصبح المحاولة جزءًا من التعلم، دون وصف التصميم الأول بأنه فشل.
تحديات جماعية لتنمية التفكير
— تحدي المدخل المناسب: تختار المجموعة فتحة تسمح بمرور الدمية، ثم تتحقق بالمناولة بدل الاكتفاء بالتخمين.
— تحدي السقف المستقر: تجرب المجموعة ترتيبًا للدعامات يبقي قطعة الكرتون الخفيفة في مكانها.
— تحدي المساحة المشتركة: تعدل المجموعة ترتيب الداخل حتى تتسع المساحة للشخصيتين معًا.
— تحدي القطعة البديلة: يبحث الأطفال عن استعمال مناسب لقطعة أخرى عندما لا تلائم القطعة الأولى تصميمهم.
— تحدي شرح الحل: تعرض المجموعة مشكلة واجهتها، وتوضح كيف عدلت البناء.
تقدم التحديات بالتدرج، ولا تفرض كلها في حصة واحدة. ويمكن تنظيم جولة تعرض فيها المجموعات حلولها وتستفيد من أفكار بعضها، مع تقدير التعاون ووضوح التفسير والمثابرة، دون ترتيب الأطفال بحسب جمال المجسمات.
المرحلة الخامسة: كتابة نهاية القصة شفهيًا
بعد البناء، تعود الشخصيتان إلى واجهة النشاط. يسأل المربي: ماذا ستقولان عندما تريان المأوى؟ كيف ساعدهما الأطفال؟ وما الذي تعلمتاه من المحاولات؟
يقترح الأطفال جملًا قصيرة، ويجمعها المربي في نهاية مترابطة. ويمكن أن تحكي إحدى المجموعات أن الشخصيتين غيرتا خطتهما، بينما تركز أخرى على تقاسم المواد أو طلب المساعدة.
لا يشترط إنتاج نهاية واحدة لجميع المجموعات؛ فقد تظهر نهايات مختلفة ما دامت مرتبطة بالمشكلة والأحداث. ويسجل المربي كلام الأطفال بأمانة مع تعديلات لغوية محدودة تحافظ على معناهم.
يمكن بعد ذلك تمثيل القصة بالدمى. يشارك طفل في التحريك، وآخر في الحوار، وثالث في وصف ما حدث، ثم تتبادل الأدوار.
التكييف داخل القسم المشترك
يقدم لطفل المستوى الأول اختيار بين قطعتين واضحتين، أو مهمة وضع الدمية داخل المأوى، أو مطابقة صورة المدخل بموضعه. ويمكن قبول الإشارة بوصفها استجابة، ثم دعمها بكلمة مناسبة.
أما طفل المستوى الثاني، فيمكن أن يشرح سبب اختياره، أو يقترح تعديلًا، أو يرتب صور البداية والمشكلة والحل. وإذا واجه صعوبة في التعبير بالعربية، يسمح له بتوضيح الفكرة بالأمازيغية التي يعرفها، ثم يقدم له المربي صياغة عربية قصيرة.
وتراعى حاجة بعض الأطفال إلى وقت أطول أو مشاركة ثنائية قبل الحديث أمام المجموعة، مع الحفاظ على فرصهم في اتخاذ القرار والتجريب.
تقويم التعلمات
يفصل التقويم بين فهم القصة، وحل المشكلة، والتواصل، والتعاون. فقد يفهم الطفل المشكلة ويجد حلًا عمليًا دون أن يستطيع شرحه بجملة عربية مكتملة.
يسجل المربي مؤشرات مثل: يحدد ما تحتاجه الشخصيتان، ويختار قطعة مناسبة، ويجرب قبل الحكم، ويعدل بناءه، ويتبادل الأدوات، ويشارك في سرد حدث. كما يلاحظ المفردات الجديدة التي يستعملها الطفل دون خلطها ببقية جوانب الإنجاز.
وتسجل المساعدة المقدمة، سواء كانت نموذجًا عمليًا أو صورة أو إعادة صياغة بلغة مألوفة، حتى يتضح ما أنجزه الطفل باستقلالية وما يحتاج فيه إلى دعم.
خاتمة
يحول مشروع «نبني مأوى لشخصيات قصتنا» الحكاية إلى تجربة يشترك الأطفال في تطويرها بالفعل والحوار. فهم يصغون إلى مشكلة، ويقترحون حلولًا، ويختبرون مواد بسيطة، ثم يعيدون سرد ما حدث بلغة أقرب إلى خبرتهم. ويتيح توظيف الأمازيغية لدى الناطقين بها مساحة للتفكير والتفسير، مع توسيع التعبير بالعربية داخل مواقف واضحة. وهكذا يصبح المجسم النهائي أثرًا لمسار من التعاون والتجريب، وتصبح القصة عملًا جماعيًا يحمل أفكار الأطفال ومحاولاتهم.
