ليست كلّ الوقائع التي تمر أمام أعيننا مجرد أخبار تنتهي صلاحيتها بانتهاء يومها. هناك مشاهد تظل عالقة في الضمير، لأنها تصيب شيئًا عميقًا في إحساسنا بالإنصاف، وتضعنا أمام سؤال لا يمكن تجاهله: كيف نطلب من الإنسان أن يعلّم أطفالنا الكرامة والاحترام، ثم لا يجد هو نفسه ما يكفي من الكرامة والاحترام حين يخرج ليطالب بحقوقه؟
هذا هو السؤال المؤلم الذي أعادته إلى الواجهة أحداث مساء الاثنين 19 أكتوبر 2026، حين تدخلت القوات العمومية لفض اعتصام حاول مربيات ومربو التعليم الأولي تنظيمه أمام مقر البرلمان بالرباط، عقب وقفة احتجاجية وطنية للمطالبة بتسوية أوضاعهم المهنية والاجتماعية. وقد تحدثت تقارير صحفية عن تفريق المحتجين ومطاردات في الشوارع المحيطة بالبرلمان. وتزامن ذلك مع تقديم البرنامج الحكومي الجديد أمام المؤسسة التشريعية، في مفارقة لا تخطئها العين: في الداخل يُناقَش مستقبل السياسات العمومية، وفي الخارج يرفع العاملون في أولى مراحل التربية أصواتهم بحثًا عن ضمانات لمستقبلهم.
المشهد الذي يوجع الضمير
كان أولئك الذين قصدوا الرباط يحملون مطالب مرتبطة بالإدماج، وتحسين الأجور، والاستقرار المهني، ومراجعة تدبير القطاع. لم يكونوا في رحلة ترفيهية، ولا خرجوا بحثًا عن امتيازات استثنائية. جاءوا من واقع يعرفونه جيدًا: واقع يبدأ كل صباح باستقبال أطفال صغار، ومساعدتهم على تجاوز الخوف الأول من القسم، وتعليمهم كيف يصغون ويتعاونون ويثقون في الآخرين.
وحين تنتهي وقفة لهذه الفئة بتدخل أمني، فإن الألم لا يتعلق فقط بلحظة فضّ الاعتصام، بل بالرسالة التي قد تصل إلى كل من يقضي يومه في رعاية طفولة هذا الوطن. ما الذي سيشعر به مربي عاد من احتجاجه مثقلًا بالخوف والخذلان؟ وكيف يمكن أن نتعامل ببرود مع ما وصفته الصحافة من مشاهد مطاردة وتوتر، وكأن الأمر لا يعني سوى مجموعة من الأشخاص يمكن تفريقها ثم طي ملفها؟
إنه مشهد يثير الأسف والغضب المشروع، ويستدعي إدانة واضحة لكل استعمال غير متناسب للقوة في مواجهة مطالب اجتماعية سلمية. فمهمة السلطات في الحفاظ على النظام العام لا ينبغي أن تتحول إلى سبب لإهدار كرامة المحتجين، ولا يجوز أن تُصبح الاستجابة الأمنية بديلًا عن الإنصات السياسي والمؤسساتي.
من يعلّم الطفل ألّا يضرب غيره، يستحق ألّا يُواجَه بالعنف
في قسم التعليم الأولي، ينحني المربي ليكون على مستوى عيني الطفل. ينصت إلى بكائه، ويمسح خوفه، ويعلّمه أن الكلمات أفضل من الأيدي، وأن الاختلاف لا يُحل بالإقصاء، وأن احترام الآخر ليس مجرد درس نردده بل سلوك نمارسه. قد يحتاج الأمر أسابيع حتى يتعلم طفل صغير أن يعبر عن غضبه دون أن يؤذي رفيقه، أو أن يطالب بدوره دون أن يدفع من أمامه.
فكيف نقبل، ونحن نغرس هذه القيم في الصغار، أن يُختزل التعامل مع الكبار في الدفع والتفريق والمطاردة كلما اشتد الخلاف حول مطلب مهني؟ كيف نبني ثقافة الحوار داخل القسم إذا بدا الحوار، خارج أسواره، مؤجلًا إلى ما بعد حضور القوات العمومية؟
ليس المقصود أن مسؤولية تدبير التجمعات العامة أمر هين؛ فهناك قوانين وواجبات على الجميع احترامها. لكن وجود تلك المسؤولية لا يلغي مبدأ التناسب، ولا يسقط الحق في السلامة الجسدية والكرامة، ولا يمنع طرح الأسئلة الصعبة عن ضرورة التدخل وطريقته وما إذا كان بالإمكان تجنب التصعيد. وحتى عندما تختلف السلطات والمنظمون بشأن شروط الاعتصام، يظل واجب حماية الأشخاص قائمًا.
خلف البذلة المهنية حياة كاملة
أمام صورة المربية أو المربي في القسم، لا يرى المجتمع دائمًا ما وراءها. لا يرى القلق من المستقبل المهني، ولا ضغط متطلبات العيش، ولا الجهد الذي يمتد خارج ساعات الأنشطة، ولا الوقت الذي يحتاجه إعداد الوسائل والوثائق وتتبع نمو الأطفال والتواصل مع الأسر. ولا يرى، أحيانًا، ذلك التناقض الموجع بين قيمة الرسالة التربوية ومحدودية التقدير المادي والاجتماعي الذي يشعر به عدد من العاملين في القطاع.
إن المربي ليس مجرد يد تنفذ نشاطًا مقرّرًا، ولا رقمًا في إحصاء عن تعميم التعليم الأولي. إنه إنسان له أسرة والتزامات ومخاوف وأحلام. والمربية التي تستقبل طفلًا مرتبكًا في صباحه الأول قد تكون قد تركت خلفها هي أيضًا قلقًا بشأن دخلها أو استقرار عملها؛ ومع ذلك تفتح له باب القسم بابتسامة تحاول ألا تنقل إليه شيئًا من ذلك القلق.
حين يحتج هؤلاء، ينبغي أن نصغي إلى المعنى الذي يسبق الشعار. فقد يصبح الاحتجاج آخر وسيلة متاحة لدى أشخاص يشعرون بأن مطالبهم تكررت طويلًا دون جواب يبدد الغموض. ولا ينبغي النظر إلى خروجهم إلى الشارع باعتباره نقيضًا لوفائهم للأطفال؛ فقد يكون، في نظرهم، دفاعًا عن الشروط التي تتيح لهم أداء رسالتهم باستقرار وطمأنينة.
كرامة المربي ليست شأنًا مهنيًا ضيقًا
من السهل الاحتفاء بالتعليم الأولي في الخطب والتقارير؛ فهو أساس اكتساب اللغة والتواصل وتنظيم التفكير وتعلّم العيش المشترك. لكن قيمة هذا الأساس لا تقاس بعدد الأقسام المفتوحة وحده، ولا بجمال الملصقات والبرامج، بل كذلك بالمكانة التي يحظى بها الإنسان الواقف أمام الأطفال كل يوم.
لا يمكن الحديث بجدية عن جودة التربية المبكرة مع إغفال الإحساس بالأمان المهني. ولا يصح أن نطالب المربي بالصبر الدائم والابتكار المستمر والمرافقة النفسية الرقيقة للأطفال، ثم نعدّ صوته عبئًا حين يتحدث عن أجره أو مستقبله. فالعلاقة بين ظروف العمل وجودة التربية ليست تفصيلًا يمكن فصله عن جوهر الإصلاح.
إن إنصاف مربيات ومربي التعليم الأولي ليس إحسانًا لفئة تطلب التعاطف؛ إنه استثمار في حق الأطفال في تعلّم جيد، وفي ثقة الأسر بالمؤسسات، وفي مصداقية كل خطاب يعتبر السنوات الأولى أولوية وطنية. وما يُبذل لحماية كرامة المربي يعود، بطرق كثيرة، إلى الطفل الذي يتعلم بين يديه.
الأسف لا يكفي، والتضامن ليس شعارًا عابرًا
نعبّر عن أسف عميق لما شهدته الرباط مساء ذلك الاثنين، وعن تضامن إنساني ومهني صريح مع المربيات والمربين الذين خرجوا يطالبون بإنصافهم. ونرفض أن تُطبَّع في الوعي العام مشاهد تفريق الاحتجاجات الاجتماعية كما لو كانت جزءًا عاديًا من الحياة العامة لا يستحق المساءلة أو النقاش.
وإذا كانت هناك شكاوى من اعتداءات جسدية أو إصابات خلال التدخل، فإن الواجب هو توثيقها والتحقق منها بصورة مستقلة ونزيهة، وتحديد المسؤوليات على أساس الوقائع، لا الإشاعات ولا الأحكام المسبقة. فالإدانة الأخلاقية للتعامل المهين مع المحتجين لا تعفينا من الدقة، بل تجعل الدقة ضرورة لحماية حق المتضررين في الإنصاف.
التضامن الحقيقي يعني أيضًا ألا نترك المحتجين وحدهم بعد انفضاض الجموع؛ أن نصغي إلى شهاداتهم، وأن نطالب بنقاش عمومي رصين حول ملفهم، وأن ندافع عن حقهم في التعبير السلمي والتنظيم النقابي، وأن نرفض لغة التحقير التي تنتقص من شأنهم أو من قيمة مهنتهم. ومن حق المجتمع أن يختلف بشأن الصيغ القانونية والإدارية المناسبة لتنظيم القطاع، لكن الاختلاف حول الحلول لا يبرر الاستخفاف بمن يطالبون بها.
ما كان ينبغي أن يُجاب عنه في الشارع يجب أن يُناقَش على الطاولة
تحدثت تقارير منشورة يوم 20 أكتوبر عن دعوة وُجهت إلى ممثلي نقابات التعليم الأولي لعقد اجتماع مع مسؤولي الوزارة يوم الأربعاء 21 أكتوبر. وهذه خطوة يمكن أن تكون مدخلًا لتخفيف الاحتقان، لكنها لا تمحو وحدها أثر ما وقع، ولا تكفي ما لم تقترن بإنصات جاد، وجدول واضح، وإجابات قابلة للتتبع.
والحوار المطلوب لا ينبغي أن يكون مجرد موعد لامتصاص الغضب. المطلوب نقاش صريح حول الوضعية المهنية، والأجور، والحماية الاجتماعية، والاستقرار الوظيفي، وآليات التدبير، والتمثيلية النقابية، وظروف العمل داخل الأقسام، مع إعلان ما يمكن إنجازه ومواعيده، وتفسير ما يحتاج إلى مراحل أو توافقات أخرى. والشفافية هنا ليست ترفًا، بل شرطًا لاستعادة الثقة.
كما ينبغي التعامل مع وقائع التدخل الأمني بجدية مستقلة عن مسار المطالب الاجتماعية؛ فلا يجوز أن يصبح فتح باب الحوار سببًا لتجاهل التساؤلات بشأن أساليب فض الاعتصام، كما لا يجوز أن تُستعمل تلك الوقائع لصرف النظر عن أصل الأزمة المهنية. للكرامة حقها، وللمطالب حقها، ولكليهما مسار مسؤول للمساءلة والحل.
رسالة إلى الأسر والمجتمع
إلى كل أسرة تأتمن مربية أو مربيًا على طفلها: إن الشخص الذي يمد يده لطفلك عند باب القسم لا يحتاج إلى التصفيق في المناسبات فقط؛ يحتاج إلى اعتراف عادل بجهده وإلى شروط تحفظ كرامته. وإلى كل من يرى في مطالب العاملين بالتعليم الأولي شأنًا بعيدًا عنه: تذكّر أن السنوات الأولى من عمر الطفل ليست هامشًا في التعليم، وأن مستقبل المجتمع يبدأ في فضاءات تبدو صغيرة، لكنها تؤسس لخبرات كبيرة.
وإلى المربيات والمربين الذين عاشوا تلك اللحظات أو تابعوها بألم، نقول: إن القيمة الإنسانية لرسالتكم لا تنقصها مشاهد الشارع، وإن التعبير السلمي عن مطالبكم لا يلغي ما تبذلونه داخل الأقسام. لا تُختزلون في وقفة، ولا في صورة للتوتر، ولا في رقم على لائحة أجور. أنتم جزء من الحكاية التربوية لهذا البلد، ومن حقكم أن يكون صوتكم حاضرًا حين يُرسم مستقبلها.
خاتمة: الوطن الذي نريده يبدأ باحترام من يربّون أبناءه
ما جرى أمام البرلمان لا ينبغي أن يتحول إلى خبر يُطوى في اليوم التالي. يجب أن يكون مناسبة لمراجعة طريقة الإصغاء إلى شغيلة التعليم الأولي، وللتأكيد على أن حفظ النظام واحترام الحقوق ليسا غايتين متعارضتين، وأن الحوار الجاد أكثر قدرة على بناء الثقة من مشاهد التخويف والتفريق.
إننا لا نطلب امتيازًا خارج العدالة، ولا نتمنى صدامًا بين أبناء الوطن ومؤسساته؛ نطالب فقط بأمر بسيط وعميق: ألّا يُهان الإنسان وهو يطالب بكرامته، وألّا يُقابَل من علّم أطفالنا أولى كلمات الاحترام بمشهد يمس معنى الاحترام نفسه.
فإذا كان أول ما نعلّمه للطفل هو أن يصغي للآخر، فليكن أول ما نفعله حين يرفع المربي صوته أن نصغي إليه.
كرامة المربية والمربي ليست مطلبًا مؤجلًا؛ إنها جزء من كرامة المدرسة والطفل والمجتمع كله.