يُعد نشيد «التحية» من الأناشيد التربوية القصيرة والبسيطة التي تساعد الطفل على تعلم واحدة من أهم قواعد التواصل الاجتماعي، وهي إلقاء السلام عند لقاء الآخرين. وعلى الرغم من قلة أبياته، فإن النشيد يحمل قيمة تربوية كبيرة، لأنه يربط التحية بموقف يومي يعيشه الطفل في البيت والروضة والمدرسة والفضاءات الاجتماعية المختلفة.
ويتميز النشيد بسهولة ألفاظه وقصر جمله، وهو ما يجعله مناسبًا للأطفال في مراحل التعلم الأولى، كما يمكن للمربي استثماره في أنشطة اللغة والتواصل والتربية الاجتماعية وتمثيل الأدوار.
نص نشيد «التحية» :
التحية
هل تعلمون تحيتي
عند الحضور إليكم
أنا إن رأيت جماعة
قلت السلام عليكم
شعر: سعيد جودة السحار
يبدأ الشاعر بسؤال بسيط:
«هل تعلمون تحيتي»
والسؤال هنا يجذب انتباه الطفل ويدفعه إلى انتظار الإجابة. ويمكن للمربي أن يستفيد من هذه البداية قبل قراءة بقية النشيد، فيسأل الأطفال: ما التحية التي نقولها عندما نلتقي بالآخرين؟
وقد يجيب الأطفال مباشرة بعبارة «السلام عليكم»، وبذلك يصبح الطفل مشاركًا في اكتشاف مضمون النشيد بدل الاكتفاء بالاستماع إليه.
ثم يقول النص:
«عند الحضور إليكم»
وهنا يرتبط مفهوم التحية بموقف واضح، وهو الحضور واللقاء. ويمكن للمربي توضيح أن الإنسان عندما يدخل إلى مكان يوجد فيه الآخرون يبدأ بتحيتهم.
فالتحية ليست مجرد كلمات نحفظها، وإنما سلوك اجتماعي يعبر عن الاحترام وحسن التواصل.
ويقول الشاعر:
«أنا إن رأيت جماعة
قلت السلام عليكم»
وهذان السطران يقدمان الموقف كاملًا بصورة سهلة: يرى الطفل مجموعة من الأشخاص فيبادر إلى إلقاء السلام عليهم.
ويمكن تحويل هذا الموقف مباشرة إلى نشاط تمثيلي داخل فضاء التعلم. يخرج طفل من المجموعة للحظات، ثم يعود وكأنه دخل إلى القسم، فيقول:
«السلام عليكم»
ويرد بقية الأطفال:
«وعليكم السلام»
ثم يتبادل الأطفال الأدوار حتى يمارس الجميع التحية بطريقة طبيعية.
ويتيح النشيد فرصة لتعريف الطفل بمعنى كلمة «التحية». فالتحية هي الكلمات أو العبارات التي نستعملها عند اللقاء لإظهار الاحترام والمودة والتواصل مع الآخرين.
ويمكن للمربي ربط هذا المفهوم بالمواقف اليومية التي يعرفها الطفل، مثل تحية أفراد الأسرة عند الاستيقاظ أو العودة إلى المنزل، وتحية المربي والزملاء عند الوصول إلى فضاء التعلم.
وتحمل عبارة «السلام عليكم» معنى جميلًا، فهي تحية تتضمن السلام والأمان والخير.
ويمكن شرح هذا المعنى للطفل بلغة بسيطة، من خلال القول إننا عندما نسلم على شخص فإننا نستقبله بكلام طيب ونظهر له الاحترام.
ويستطيع المربي كذلك تدريب الأطفال على الرد المناسب على التحية، حتى وإن كان النص الأصلي يركز على إلقائها.
فعندما يقول شخص:
«السلام عليكم»
يمكن للطفل أن يرد:
«وعليكم السلام»
ويفيد هذا النشاط في تعليم الطفل أن التواصل عملية متبادلة؛ فهناك شخص يبدأ الكلام وآخر يستمع ويرد.
ومن الناحية اللغوية، يحتوي النشيد على مجموعة من الكلمات والتراكيب التي يمكن استثمارها:
-التحية
-تعلمون
-الحضور
-رأيت
-جماعة
-قلت
-السلام عليكم
ويمكن شرح كلمة «جماعة» للأطفال بأنها مجموعة من الأشخاص.
ثم يمكن عرض صور مختلفة وسؤال الطفل: هل نرى شخصًا واحدًا أم جماعة؟
وبذلك ينتقل النشاط من النشيد إلى تعلم مفهوم العدد بصورة غير مباشرة.
كما يمكن العمل على الفرق بين «أنا» و«أنتم». فالشاعر يقول «أنا»، ثم يخاطب الآخرين بقوله «تعلمون» و«إليكم».
ويستطيع المربي تقديم تدريبات شفهية بسيطة:
-أنا أسلم
-أنت تسلم
-نحن نسلم
ولا يحتاج الطفل في هذه المرحلة إلى دراسة القواعد النحوية بصورة مجردة، وإنما يتعرف إلى هذه التراكيب من خلال الاستعمال.
ومن أهم الجوانب التربوية في نشيد «التحية» تعليم الطفل المبادرة الإيجابية. فالشاعر لا ينتظر أن يبدأ الآخرون بالسلام، وإنما يقول:
«أنا إن رأيت جماعة
قلت السلام عليكم»
وهذا يعلم الطفل أن السلوك الحسن يمكن أن يبدأ منه.
ويمكن توسيع هذه الفكرة إلى سلوكات اجتماعية أخرى، مثل الابتسام للآخرين، وشكر من يساعدنا، والاعتذار عند الخطأ، وطلب الأشياء بأدب.
ومن العبارات التي يمكن تدريب الطفل عليها إلى جانب التحية:
-السلام عليكم
-وعليكم السلام
-من فضلك
-شكرًا
-عفوًا
-أعتذر
-إلى اللقاء
ويستطيع المربي استخدام بطاقات تمثل مواقف مختلفة، ثم يطلب من الطفل اختيار العبارة المناسبة لكل موقف.
فعند دخول طفل إلى القسم تكون العبارة المناسبة «السلام عليكم»، وعندما يقدم له شخص مساعدة يمكن أن يقول «شكرًا»، وعندما يخطئ في حق شخص آخر يمكن أن يعتذر.
وهكذا يصبح النشيد مدخلًا إلى مجموعة أوسع من مهارات التواصل الاجتماعي.
ويمكن للمربي أيضًا الحديث عن أهمية نبرة الصوت. فالتحية ينبغي أن تكون واضحة ومهذبة، دون صراخ أو سخرية.
ويمكن إجراء نشاط ممتع يقول فيه المربي التحية مرة بصوت منخفض جدًا، ومرة بصوت مرتفع بصورة مزعجة، ومرة بصوت واضح وهادئ، ثم يسأل الأطفال: أي طريقة أفضل؟
ويساعد هذا النشاط على تعليم الطفل التحكم في صوته وفق الموقف.
كما يمكن الحديث عن الاستماع والنظر إلى الشخص الذي نتواصل معه بصورة طبيعية ومناسبة، لأن التواصل الجيد لا يعتمد على الكلمات وحدها.
ومن الأنشطة المناسبة للنشيد «دائرة التحية». يقف الأطفال في دائرة، ويبدأ طفل بتحية زميله، ثم ينتقل الدور إلى طفل آخر حتى يشارك الجميع.
ويمكن تغيير النشاط بحيث يتحرك الأطفال في الفضاء، وعندما يعطي المربي إشارة يتوقف كل طفل بالقرب من زميل ويبادله التحية.
ويساعد هذا النشاط على الجمع بين الحركة والتواصل والتفاعل الاجتماعي.
كما يمكن استخدام الدمى في تعليم التحية. فيحمل المربي دميتين ويمثل بهما موقفًا قصيرًا:
تدخل الدمية الأولى وتقول:
«السلام عليكم»
فتجيب الثانية:
«وعليكم السلام»
ثم يسأل المربي الأطفال عما حدث، ومن بدأ بالتحية، وكيف كان الرد.
وتفيد الدمى خصوصًا مع الأطفال الذين يشعرون بالخجل من التحدث أمام المجموعة، لأنها تجعل الموقف أكثر مرحًا وأقل ضغطًا.
ومن الأسئلة التي يمكن طرحها بعد قراءة النشيد:
-ما عنوان النشيد؟
-ما التحية المذكورة فيه؟
-متى يقول الطفل السلام عليكم؟
-ما معنى كلمة جماعة؟
-ماذا نقول عندما يقول لنا شخص السلام عليكم؟
-لماذا نحيي الآخرين؟
-كيف نحيي زملاءنا عند الحضور؟
-ماذا نقول عند مغادرة المكان؟
-ما الكلمات المهذبة الأخرى التي تعرفها؟
وتساعد هذه الأسئلة على قياس فهم الطفل للنص وتشجيعه على التعبير الشفهي.
ويمكن كذلك تحويل النشيد إلى نشاط مصور. يرسم الطفل نفسه وهو يدخل إلى فضاء يوجد فيه أصدقاؤه، ثم يرسم فقاعة كلام ويضع فيها عبارة «السلام عليكم» بمساعدة المربي بحسب مستواه.
وهذا النشاط يجمع بين الرسم واللغة والتواصل.
كما يمكن إعداد لوحة داخل فضاء التعلم بعنوان «كلمات جميلة»، تتضمن عددًا من العبارات التي يستخدمها الأطفال يوميًا، ومنها السلام والشكر والاعتذار وطلب الإذن.
وتصبح هذه اللوحة مرجعًا بصريًا يمكن للمربي العودة إليه عندما تحدث مواقف حقيقية بين الأطفال.
ويمكن استثمار النشيد أيضًا عند استقبال الأطفال في بداية اليوم. فبدل أن يبقى موضوع التحية نشاطًا منفصلًا، يصبح جزءًا من الروتين اليومي.
يدخل الطفل ويلقي التحية، ويرد عليه المربي وزملاؤه، وبالتكرار يتحول السلوك إلى عادة اجتماعية طبيعية.
ومن المهم ألا يكون تعليم التحية قائمًا على التوبيخ إذا نسي الطفل، بل على التذكير والنموذج الإيجابي والتكرار.
فالطفل يتعلم بدرجة كبيرة من خلال مشاهدة سلوك الكبار وتقليده. فإذا اعتاد أن يسمع التحية والكلمات المهذبة في محيطه، يصبح استعمالها أكثر تلقائية.
كما يمكن للأسرة دعم هذا التعلم في المنزل من خلال تشجيع الطفل على إلقاء السلام عند الدخول والرد عليه عندما يسمعه.
ولا يحتاج الأمر إلى تحويل كل موقف إلى درس؛ فالممارسة الطبيعية والمتكررة أكثر فاعلية في ترسيخ السلوك.
ويتيح نشيد «التحية» أيضًا فرصة للحديث عن احترام الآخرين. فإلقاء التحية لا يعتمد على معرفة الشخص معرفة وثيقة، بل هو سلوك يعكس الأدب وحسن التعامل في المواقف المناسبة.
ويمكن للمربي أن يوضح أن الأطفال قد يختلفون في شخصياتهم؛ فمنهم من يتحدث بسهولة، ومنهم من يكون أكثر خجلًا، ولذلك ينبغي تشجيع الجميع دون السخرية من الطفل المتردد.
كما ينبغي تعليم الطفل قواعد الأمان بالتوازي مع الأدب الاجتماعي. فكون التحية سلوكًا حسنًا لا يعني أن الطفل مطالب بالدخول في حديث أو الذهاب مع أشخاص لا يعرفهم. ويمكن تقديم هذا الفرق بصورة بسيطة تناسب عمره.
ومن الناحية الإيقاعية، يتميز النشيد بقصره، ولذلك يسهل حفظه وترديده جماعيًا.
يمكن للمربي قراءة:
«هل تعلمون تحيتي»
ثم يكرر الأطفال البيت، وبعد ذلك ينتقل إلى البيت التالي حتى يكتمل النشيد.
وبعد الحفظ يمكن تقسيم الأطفال إلى مجموعتين؛ تسأل المجموعة الأولى:
«هل تعلمون تحيتي؟»
ثم تواصل المجموعة الثانية بقية النشيد حتى تصل إلى:
«قلت السلام عليكم»
ويمنح هذا الأسلوب النص طابعًا حواريًا ممتعًا.
كما يمكن مصاحبة الإنشاد بحركات بسيطة، مثل فتح اليدين عند إلقاء التحية أو الإشارة إلى المجموعة عند كلمة «جماعة».
ويجمع ذلك بين الاستماع والكلام والحركة، وهو ما يساعد على تثبيت التعلم لدى الأطفال.
إن نشيد «التحية» مثال واضح على أن النص القصير يستطيع أن يحمل قيمة تربوية كبيرة. فأربعة أسطر فقط تفتح المجال أمام أنشطة متعددة في اللغة والتواصل والتربية الاجتماعية وتمثيل الأدوار.
ومن خلال النشيد يتعلم الطفل عبارة «السلام عليكم»، ويتعرف إلى الرد عليها، ويفهم أهمية المبادرة بالكلمة الطيبة عند اللقاء.
كما يكتسب تدريجيًا مجموعة من المهارات المرتبطة بالاستماع واحترام الآخرين واستعمال الكلمات المهذبة والتواصل بطريقة إيجابية.
وبذلك يتحول نشيد «التحية» من نص قصير للحفظ إلى ممارسة يومية تسهم في بناء شخصية الطفل الاجتماعية واللغوية، وتساعده على التعامل مع الآخرين بأدب واحترام ومودة.
