يقدم نشيد «أبي» صورة عاطفية جميلة للعلاقة بين الطفل ووالده، ويجمع في أبياته بين المحبة والفرح باللقاء والاعتزاز بالنجاح ومشاركة أفراد الأسرة لحظات السعادة. ويعتمد النشيد على موقف قريب من حياة الطفل؛ إذ يعود الأب إلى البيت بعد يوم من العمل، فيستقبله ابنه بمحبة، ثم يخبره بالجائزة التي حصل عليها من معلمه.
ويتميز النشيد بلغته البسيطة ومشاهده المتتابعة، لذلك يمكن استثماره تربويًا في تنمية التعبير الشفهي والوجداني لدى الطفل، وتعليمه التعبير عن محبته لأسرته، إلى جانب تشجيعه على الاجتهاد ومشاركة إنجازاته مع الأشخاص الذين يحبهم.
نص نشيد «أبي» كما ورد في الصفحة الأصلية:
أبي
عاد أبي للدار
من عمل النهار
أمسكته من يده
قبلته من خده
وقلت أباه
كان لك الإله
1- أعطاني المعلم جائزة هل تعلم؟
قال: ما أعطاك
أسعد به أباك
2- قلت: خذ الكتابا
فطار بي إعجابا
ودمعت عين أبي
من شدة السرور بي
يفتتح النشيد بمشهد عائلي بسيط:
«عاد أبي للدار
من عمل النهار»
ويصور هذان السطران عودة الأب إلى البيت بعد انتهاء عمله. ويمكن للمربي استثمار هذا المشهد للحديث مع الأطفال عن أفراد الأسرة وعن الأعمال التي يقوم بها الكبار خلال يومهم.
كما يمكن شرح كلمة «الدار» باعتبارها من الكلمات العربية التي تعني البيت أو المنزل، وبذلك يكتسب الطفل مفردة جديدة ويستطيع استعمالها في جملة.
ثم ينتقل النشيد إلى استقبال الطفل لأبيه:
«أمسكته من يده
قبلته من خده»
وهي صورة تعبر عن المودة والقرب بين الطفل ووالده. ويمكن للمربي أن ينطلق منها للحديث عن الطرق المختلفة التي يعبر بها أفراد الأسرة عن المحبة والاهتمام.
فالمحبة لا تظهر بطريقة واحدة فقط، وإنما يمكن التعبير عنها بالكلمة الطيبة، والمساعدة، والسؤال عن الآخر، والاحترام، ومشاركة اللحظات الجميلة.
ومن المهم عند تقديم هذا الموضوع للأطفال مراعاة اختلاف أوضاعهم الأسرية. فبعض الأطفال يعيشون مع الأب والأم، وبعضهم قد يعيش مع أحد الوالدين أو مع أفراد آخرين من الأسرة أو من يتولون رعايتهم.
ولهذا يمكن توسيع القيمة التي يحملها النشيد لتشمل تقدير الأشخاص الذين يحبون الطفل ويرعونه ويهتمون به.
بعد مشهد استقبال الأب ينتقل النشيد إلى حدث آخر مهم، وهو حصول الطفل على جائزة من معلمه:
«أعطاني المعلم جائزة هل تعلم؟»
وهذه العبارة تعكس رغبة الطفل في مشاركة والده خبرًا أسعده.
ويستطيع المربي هنا الحديث عن معنى الإنجاز، موضحًا أن الجائزة قد تكون إحدى وسائل التشجيع، لكن النجاح الحقيقي لا يقتصر على الحصول على الجوائز.
فالطفل يمكن أن يفتخر بتعلم حرف جديد، أو إتمام نشاط كان صعبًا عليه، أو تحسين خطه، أو مساعدة زميل، أو ترتيب أدواته، أو اكتساب عادة إيجابية.
والهدف هو تعليم الطفل تقدير الجهد والتقدم، لا ربط قيمته الشخصية بالجائزة وحدها.
ويمكن للمربي أن يسأل الأطفال:
ما الإنجاز الذي جعلك سعيدًا مؤخرًا؟
وقد تختلف الإجابات؛ فقد يتحدث طفل عن رسم أنجزه، وآخر عن كلمة تعلم قراءتها، وثالث عن مساعدة قام بها في المنزل.
ويتيح هذا الحوار للأطفال فرصة التعبير عن أنفسهم والاستماع إلى تجارب زملائهم.
ويجيب الأب في النشيد:
«قال: ما أعطاك
أسعد به أباك»
ويظهر هنا اهتمام الأب بما حققه ابنه، ورغبته في معرفة الجائزة التي حصل عليها.
وهذا المشهد يبرز أهمية مشاركة أفراد الأسرة نجاحات الطفل وتشجيعه عليها.
فالطفل يحتاج إلى أن يشعر بأن جهده ملحوظ ومقدر، لكن التشجيع الأكثر فائدة هو الذي يهتم بما بذله من جهد وبما تعلمه، وليس بالنتيجة وحدها.
ثم يقول الطفل:
«قلت: خذ الكتابا»
ويكشف هذا السطر أن الجائزة هي كتاب.
ويمنح ذلك المربي فرصة للحديث عن الكتاب والقراءة وأهميتهما في حياة الطفل.
فالكتاب ليس مجرد أوراق مكتوبة، بل وسيلة لاكتشاف القصص والمعلومات والصور والأفكار والعوالم المختلفة.
ويمكن عرض مجموعة من كتب الأطفال وسؤالهم عن الكتب التي يحبونها، ثم ترك المجال لهم لتصفحها واختيار ما يجذب اهتمامهم.
كما يمكن الحديث عن طريقة المحافظة على الكتاب:
-نمسكه بعناية
-لا نمزق صفحاته
-نضعه في مكان مناسب بعد استعماله
-نتصفح الصفحات بهدوء
-نحافظ على نظافته
وبذلك يرتبط النشيد أيضًا بالتربية على احترام الكتاب.
وتصل المشاعر في نهاية النص إلى ذروتها عندما يقول الطفل:
«ودمعت عين أبي
من شدة السرور بي»
وهي صورة تعبر عن شدة فرح الأب واعتزازه بطفله.
ويمكن استخدام هذا المقطع للحديث عن المشاعر المختلفة. فالدموع لا ترتبط بالحزن وحده، إذ قد يبكي الإنسان أحيانًا عندما يتأثر بشدة أو يشعر بفرح كبير.
وهذه فكرة مهمة في التربية الوجدانية، لأنها تساعد الطفل على فهم أن المشاعر الإنسانية متنوعة، وأن التعبير عنها أمر طبيعي.
ويمكن للمربي عرض صور لوجوه تعبر عن مشاعر مختلفة، مثل:
-الفرح
-الحزن
-الخوف
-الدهشة
-الغضب
-السرور
ثم يطلب من الأطفال التعرف إلى كل شعور والتحدث عن المواقف التي قد يشعرون فيها به.
ومن الكلمات المهمة الواردة في النشيد:
-أبي
-الدار
-النهار
-العمل
-المعلم
-جائزة
-الكتاب
-الإعجاب
-الدموع
-السرور
ويمكن إعداد بطاقات مصورة لبعض هذه الكلمات، ثم مطالبة الطفل بمطابقة الكلمة بالصورة المناسبة.
كما يمكن تدريب الأطفال على تكوين جمل قصيرة:
-عاد أبي إلى الدار
-أعطاني المعلم كتابًا
-أنا أحب القراءة
-فرح أبي
-أنا سعيد
ويتيح النشيد كذلك الاشتغال على التسلسل الزمني للأحداث.
فالأحداث لا تظهر بصورة عشوائية، وإنما تتتابع:
-يعود الأب إلى البيت
-يستقبله الطفل
-يخبره بالجائزة
-يسأل الأب عنها
-يعرض الطفل الكتاب
-يفرح الأب
ويمكن إعداد صور تمثل هذه المراحل، ثم خلطها ومطالبة الأطفال بترتيبها حسب تسلسل القصة.
ويساعد هذا النشاط على تنمية الذاكرة والفهم والقدرة على ترتيب الأحداث.
ويمكن بعد ذلك مطالبة الطفل بإعادة سرد القصة بلغته الخاصة اعتمادًا على الصور.
ولا يشترط أن يعيد الأبيات حرفيًا، لأن الهدف هنا هو التعبير والفهم.
ومن الأسئلة التي يمكن طرحها بعد قراءة النشيد:
-من عاد إلى الدار؟
-من أين عاد الأب؟
-كيف استقبل الطفل أباه؟
-ماذا أعطى المعلم للطفل؟
-ما الجائزة التي حصل عليها؟
-لمن عرض الطفل الكتاب؟
-كيف شعر الأب؟
-لماذا فرح الأب؟
-ما معنى السرور؟
-كيف تعبر عن فرحك عندما تنجح في شيء؟
-ما الكتاب الذي تحب قراءته أو مشاهدته؟
ويمكن استثمار النشيد في نشاط تمثيل الأدوار. يؤدي طفل دور الابن، ويؤدي آخر دور الأب، ويمكن لطفل ثالث أن يؤدي دور المعلم.
ويعيد الأطفال تمثيل المشهد بلغتهم الخاصة، مما يساعد على تنمية التواصل والثقة بالنفس والقدرة على بناء الحوار.
كما يمكن تنفيذ نشاط فني بعنوان «هدية لأبي أو لمن أحب»، يرسم فيه الطفل لوحة لشخص عزيز عليه، ثم يزينها ويقدمها له.
ومن الأفضل جعل النشاط مفتوحًا، بحيث يستطيع كل طفل اختيار الشخص الذي يريد التعبير له عن محبته، مراعاة لاختلاف الظروف الأسرية.
ويمكن أيضًا تنفيذ نشاط «كتابي الصغير»، حيث تطوى عدة أوراق لتكوين كتاب بسيط، ويرسم الطفل في كل صفحة صورة صغيرة، ثم يختار عنوانًا لكتابه.
ويصبح هذا النشاط مرتبطًا مباشرة بالكتاب الذي حصل عليه الطفل في النشيد، ويساعد على تعزيز العلاقة الإيجابية مع القراءة.
كما يقدم النشيد فرصة للحديث عن دور المعلم في تشجيع الأطفال. فالمعلم في النص يقدم جائزة للطفل، ويمكن توضيح أن التشجيع قد يكون أيضًا بكلمة طيبة أو ابتسامة أو ملاحظة إيجابية أو إتاحة فرصة للطفل لعرض عمله.
ومن المهم تعليم الطفل كذلك أن اختلاف النتائج بين الأطفال أمر طبيعي. فإذا حصل أحد زملائه على جائزة، يمكن أن نفرح له بدل الشعور بأن نجاحه ينتقص من نجاح الآخرين.
ومن هنا يمكن استثمار النشيد لتعزيز قيم المشاركة والتشجيع واحترام إنجازات الزملاء.
كما يمكن للمربي تنظيم نشاط بعنوان «أنا فخور بما تعلمت»، يختار فيه كل طفل شيئًا تعلمه أو أصبح قادرًا على القيام به، ثم يخبر المجموعة عنه.
وقد تكون الإجابة بسيطة جدًا:
-تعلمت كتابة اسمي
-تعلمت العد
-تعلمت ربط حذائي
-تعلمت ترتيب ألعابي
-تعلمت مساعدة صديقي
ويساعد هذا النشاط الطفل على ملاحظة تطوره وتقدير جهده.
ويستطيع المربي أيضًا استخدام النشيد لتعزيز مفهوم الأسرة باعتبارها فضاءً للمحبة والدعم والتواصل.
فمن الجميل أن يخبر الطفل أفراد أسرته بما حدث معه خلال يومه، وأن يجد من يستمع إليه ويشاركه فرحه وأسئلته.
وفي المقابل يمكن تعليم الطفل أن يسأل الآخرين عن يومهم ويستمع إليهم، حتى يصبح التواصل متبادلًا.
ومن الناحية اللغوية، يتميز النشيد بقصر جمله وسهولة الكثير من مفرداته، مما يجعله مناسبًا للترديد الجماعي.
ويمكن تقسيم الأطفال إلى مجموعتين؛ تنشد الأولى الجزء الخاص بالطفل، بينما تؤدي المجموعة الثانية كلام الأب، فتحول القصيدة إلى حوار صغير.
وهذه الطريقة تجعل الإنشاد أكثر حيوية وتساعد الأطفال على فهم الشخصيات الموجودة في النص.
كما يمكن استخدام الإيماءات أثناء الإنشاد: حركة تشير إلى العودة عند «عاد أبي»، وحركة تمثل الكتاب عند ذكر الجائزة، وتعبير بالوجه عن الفرح عند كلمة «السرور».
ويجمع ذلك بين اللغة والحركة والتعبير الجسدي.
ويحمل نشيد «أبي» في مجمله مجموعة من القيم التربوية المهمة، في مقدمتها المحبة الأسرية، وتقدير العمل، والفرح بالنجاح، وحب الكتاب، ومشاركة الآخرين اللحظات السعيدة.
ويمكن للمربي استثمار هذه القيم بطريقة مرنة تراعي اختلاف التجارب الأسرية للأطفال، بحيث يكون التركيز على المحبة والرعاية والدعم، لا على نموذج أسري واحد يجب أن ينطبق على الجميع.
كما يساعد النشيد الطفل على اكتشاف أن النجاح يصبح أكثر جمالًا عندما نشاركه مع من يحبوننا، وأن التشجيع الأسري يمكن أن يمنحه الثقة والدافع للاستمرار في التعلم.
ومن خلال الجائزة التي كانت كتابًا، يقدم النص أيضًا فرصة لتعزيز قيمة القراءة وربط الكتاب بمشاعر الفرح والاعتزاز.
وهكذا يتحول نشيد «أبي» من أبيات قصيرة إلى مورد تربوي غني يمكن استخدامه في التعبير الشفهي والقراءة المبكرة والتربية الوجدانية وتمثيل الأدوار والفنون والحديث عن الأسرة والنجاح.
وتبقى رسالته الأقرب إلى الطفل أن المحبة والتشجيع والاهتمام بالجهد تجعل لحظات التعلم والنجاح أكثر دفئًا وجمالًا.
