الكفاءات الإدراكية لدى الأطفال حديثي الولادة: ماذا يرى ويسمع ويشعر الطفل منذ أيامه الأولى؟

 لطالما ارتبطت صورة الطفل حديث الولادة في التصورات القديمة بفكرة العجز والاعتماد الكامل على الراشد، حتى إن المولود كان يُنظر إليه أحيانًا باعتباره كائنًا لا يمتلك إلا مجموعة من الاستجابات الانعكاسية البسيطة المرتبطة بالبقاء، مثل المص والبكاء والقبض. غير أن أبحاث علم النفس النمائي وعلم الأعصاب المعرفي خلال العقود الأخيرة غيّرت هذه النظرة بصورة عميقة، وكشفت أن الطفل يأتي إلى العالم وهو يمتلك مجموعة من القدرات الحسية والإدراكية والتعلمية التي تسمح له منذ أيامه الأولى باستقبال المعلومات وتنظيمها والتمييز بين بعض المثيرات والتعرف إلى عناصر مألوفة من بيئته.

وتثير دراسة هذه المرحلة مجموعة من الأسئلة الأساسية: هل يتعرف المولود الجديد إلى وجه أمه؟ وهل يميز صوتها عن أصوات النساء الأخريات؟ وهل يستطيع التعرف إليها من رائحتها؟ ماذا يرى في الأيام الأولى؟ وما الذي يسمعه ويتذوقه ويلامسه؟ وهل يبدأ التعلم فعلًا بعد الولادة، أم أن بعض الخبرات التي عاشها داخل الرحم تبقى محفوظة في ذاكرته وتؤثر في سلوكه بعد مجيئه إلى العالم؟

تشير المعرفة العلمية الحديثة إلى أن الإجابة عن هذه الأسئلة تفرض علينا إعادة النظر في معنى "بداية الحياة النفسية". فالولادة حدث بيولوجي بالغ الأهمية، لكنها ليست نقطة الصفر في تطور الإدراك والتعلم؛ إذ يسبقها تاريخ من الخبرات الحسية التي يعيشها الجنين خلال الأشهر الأخيرة من الحمل.

لماذا يهتم الباحثون بالأيام الأولى بعد الولادة؟

يستخدم مفهوم "حديث الولادة" عادة للإشارة إلى الأسابيع الأولى من الحياة، إلا أن دراسة القدرات الفطرية أو المبكرة جدًا تتطلب التركيز بصورة خاصة على الأطفال الذين لا تتجاوز أعمارهم بضعة أيام.

ويرجع ذلك إلى أن الطفل يتعلم بسرعة كبيرة بعد الولادة. وكلما مر المزيد من الوقت أصبح من الصعب على الباحث تحديد ما إذا كانت قدرة معينة موجودة منذ البداية، أم أنها ظهرت نتيجة الخبرة والتفاعل مع البيئة بعد الولادة.

وقد كان من الأخطاء المنهجية القديمة افتراض أن القدرة التي تظهر عند طفل يبلغ شهرين أو ثلاثة أشهر كانت بالضرورة موجودة منذ الولادة. أظهرت الدراسات اللاحقة أن النمو ليس خطًا مستقيمًا بهذه البساطة؛ فقد تظهر بعض التفضيلات في الأيام الأولى، ثم تضعف أو تختفي مؤقتًا، قبل أن تعود في صورة أكثر تطورًا مع نضج الجهاز العصبي وتراكم الخبرة.

ومن الأمثلة المهمة على ذلك انجذاب المولود إلى المثيرات التي تشبه الوجه البشري. فقد أظهرت تجارب مبكرة أن الأطفال حديثي الولادة يتابعون بعض التكوينات الشبيهة بالوجه أكثر من تكوينات أخرى، لكن طبيعة هذا التفضيل تتغير خلال الأسابيع التالية من النمو (Johnson et al., 1991; Morton & Johnson, 1991).

ولهذا تشكل الأيام الأولى بعد الولادة نافذة بحثية استثنائية، لأنها تسمح للباحثين بالاقتراب قدر الإمكان من القدرات التي يحملها الطفل معه عند انتقاله من البيئة الجنينية إلى العالم الخارجي.

الولادة ليست بداية الحياة النفسية للطفل

من أهم التحولات التي عرفها علم نفس النمو الاعتراف بأن حياة الطفل الإدراكية لا تبدأ لحظة الولادة.

فالجنين خلال وجوده داخل الرحم لا يعيش في بيئة خالية من المثيرات، بل يوجد داخل عالم حسي غني، وإن كان مختلفًا جذريًا عن العالم الخارجي. ويتعرض خلال الحمل إلى الحركة والضغط والاهتزاز والأصوات والإيقاعات الداخلية لجسم الأم، كما تصل إليه بدرجات متفاوتة أصوات من البيئة الخارجية.

ويُعد الجهاز اللمسي من الأنظمة الحسية التي تبدأ في التطور مبكرًا، كما تتطور بعده تدريجيًا أنظمة الشم والتذوق والسمع، بينما تكون الرؤية أكثر تقييدًا داخل الرحم. وتشير الأبحاث إلى أن الجنين، خصوصًا خلال المراحل المتقدمة من الحمل، يصبح قادرًا على معالجة بعض المعلومات الصوتية وتكوين آثار للذاكرة يمكن أن تظهر بعد الولادة.

فالرحم ليس مكانًا صامتًا. يسمع الجنين أصواتًا ناتجة عن جسم الأم، مثل دقات القلب وحركة الجهاز الهضمي والتنفس، ويصل إليه أيضًا صوت الأم بصورة مميزة، جزء منه عبر الهواء وجزء آخر عبر أنسجة الجسم.

كما أن السائل الأمنيوسي يحمل مركبات مرتبطة بالنظام الغذائي للأم، وهو ما يجعل الجنين يتعرض إلى خبرات كيميائية يمكن أن تسهم لاحقًا في تشكيل بعض استجاباته الشمية والذوقية.

وهكذا، فإن الطفل عندما يولد لا يواجه العالم من دون أي تاريخ سابق، وإنما يصل إليه بعد أشهر من التفاعل مع بيئة حسية داخل الرحم.

من العالم الرحمي إلى العالم الخارجي

تمثل الولادة تحولًا بيئيًا هائلًا بالنسبة إلى الطفل.

فخلال دقائق ينتقل من وسط سائل إلى وسط هوائي، ومن درجة حرارة مستقرة نسبيًا إلى بيئة تحتاج إلى تنظيم حراري، ومن تغذية مستمرة عبر المشيمة والحبل السري إلى ضرورة الاعتماد على التنفس والمص والبلع للحصول على الغذاء.

كما ينتقل من بيئة تقل فيها التأثيرات المباشرة للجاذبية إلى عالم يصبح فيه وزن الجسم ووضعية الرأس والأطراف عاملًا مهمًا في الحركة والإحساس.

وتتغير أيضًا طبيعة المثيرات البصرية والسمعية واللمسية بصورة جذرية. فبعد أن كان الجنين محاطًا بجدار الرحم والسائل الأمنيوسي، يصبح أمام وجوه وأضواء وأصوات وروائح ولمسات متعددة.

وعلى الرغم من ضخامة هذا الانتقال، فإن الطفل لا يبدأ عملية التكيف من الصفر. بعض العناصر الموجودة بعد الولادة لها امتدادات لما عرفه قبلها، ومن أبرزها صوت الأم وبعض الروائح والنكهات.

وهذا الاستمرار بين الحياة الجنينية والحياة بعد الولادة يساعد على تفسير بعض التفضيلات التي يظهرها المولود منذ الأيام الأولى.

هل يمتلك الجنين ذاكرة؟

لا ينبغي فهم ذاكرة الجنين وفق المفهوم المعقد للذاكرة عند الطفل الأكبر أو الراشد. والمقصود هنا قدرة الجهاز العصبي النامي على الاحتفاظ بأثر للتعرض المتكرر إلى مثير معين، بحيث تتغير استجابة الطفل إليه لاحقًا.

وقد أظهرت دراسات عديدة أن التعرض إلى بعض الأصوات خلال المرحلة الجنينية يمكن أن يترك آثارًا قابلة للكشف بعد الولادة. كما تشير مراجعات علمية حديثة إلى وجود أدلة على التعلم قبل الولادة في المجالات السمعية والذوقية والشمية وغيرها، وإن كانت قوة الأدلة والمنهجيات المستخدمة تختلف من مجال إلى آخر.

وهذا يعني أن الحدود بين "ما قبل الولادة" و"ما بعدها" ليست حدودًا نفسية مطلقة، وإنما توجد استمرارية في بعض أشكال التعلم والخبرة.

هل يتعرف الطفل إلى صوت أمه؟

يُعد الصوت من أكثر المجالات التي كشفت بوضوح عن تأثير الخبرة السابقة للولادة.

في دراسة كلاسيكية شهيرة أجراها الباحثان Anthony DeCasper وWilliam Fifer، ظهر أن الأطفال حديثي الولادة يستطيعون تعديل نمط المص للوصول إلى سماع صوت أمهاتهم، وهو ما اعتُبر دليلًا مبكرًا على تمييز صوت الأم وتفضيله.

ويبدو أن هذا التفضيل يرتبط جزئيًا بالتعرض المتكرر لصوت الأم خلال الحياة الجنينية. فالطفل يسمع هذا الصوت بصورة منتظمة قبل الولادة، ولذلك يصبح واحدًا من أكثر الأصوات ألفة بالنسبة إليه عند انتقاله إلى العالم الخارجي.

ولا يعني ذلك أن المولود يفهم اللغة أو الكلمات كما يفعل الطفل الأكبر، وإنما يعني أن جهازه السمعي قادر على معالجة خصائص صوتية وإيقاعية والتمييز بين بعض الأنماط المألوفة والجديدة.

هل يتعرف المولود إلى وجه أمه؟

الرؤية عند الطفل حديث الولادة ليست مماثلة لرؤية الراشد. فحدة البصر لا تزال محدودة، والنظام البصري في مرحلة مبكرة من النضج، لكن ذلك لا يعني أن الطفل لا يرى شيئًا.

يستطيع المولود اكتشاف بعض التباينات والأشكال والحركات، ويظهر اهتمامًا خاصًا ببعض التكوينات التي تحمل الخصائص العامة للوجوه.

وقد وجد الباحثون أن حديثي الولادة يميلون في ظروف تجريبية معينة إلى متابعة أشكال شبيهة بالوجه أكثر من أشكال تحتوي العناصر نفسها في ترتيب مختلف. وأدت هذه النتائج إلى طرح نماذج تفسر وجود نظام مبكر يوجّه انتباه المولود نحو المثيرات الاجتماعية المهمة، خصوصًا الوجوه.

لكن هذه القدرة لا تعني أن الطفل يولد وفي ذهنه تمثيل كامل للوجه البشري. فإدراك الوجوه يتطور بسرعة كبيرة خلال الأسابيع والأشهر التالية، ويلعب التعلم والخبرة والتفاعل الاجتماعي دورًا أساسيًا في هذا التطور.

ولهذا ينبغي النظر إلى قدرات المولود بوصفها نقطة انطلاق لنظام إدراكي سريع النمو، وليست نسخة مصغرة من قدرات الإنسان الراشد.

الرائحة بوصفها وسيلة مبكرة للتعرف والتكيف

يمثل الشم إحدى القدرات المهمة جدًا لدى المولود.

فالأبحاث تبين أن الأطفال حديثي الولادة يستجيبون للمثيرات الشمية، وأن الروائح المرتبطة بالأم والثدي والحليب يمكن أن تؤثر في توجيه الرأس والنشاط الحركي والبحث عن مصدر الغذاء.

وتظهر دراسات أن الرائحة الصادرة من منطقة ثدي الأم ذات أهمية خاصة في الساعات والأيام الأولى، إذ يمكن أن تساعد الطفل على التوجه نحو الثدي وبدء الرضاعة. كما يتعلم الطفل سريعًا الخصائص الشمية الخاصة بأمه.

وتشير مراجعات علمية إلى وجود قدر من الاستمرارية بين البيئة الكيميائية داخل الرحم والبيئة التي يواجهها الطفل خلال الرضاعة، وهو ما يفسر جزئيًا قدرة الروائح المألوفة على المساهمة في التكيف بعد الولادة.

وهكذا لا يمثل الشم حاسة ثانوية في بداية الحياة، بل يعد جزءًا من منظومة تساعد المولود على التغذية والتعرف إلى مقدم الرعاية والشعور بالألفة في بيئته الجديدة.

المولود ليس مجرد مجموعة من الانعكاسات

كان من الشائع تاريخيًا وصف حديث الولادة من خلال ردود فعله الانعكاسية، مثل منعكس المص ومنعكس البحث ومنعكس القبض.

ولا شك أن هذه الانعكاسات أساسية للبقاء، لكن اختزال الطفل فيها يعطي صورة ناقصة للغاية عن قدراته.

فالدراسات المعاصرة تبين أن المولود قادر أيضًا على التمييز والتعود والتعلم وإظهار التفضيل، وأن سلوكه يمكن أن يتغير وفقًا لما شاهده أو سمعه أو لمسه سابقًا.

وقد دفعت هذه النتائج بعض الباحثين إلى التأكيد على أن المولود ليس "آلة انعكاسات"، بل كائن يمتلك نظامًا إدراكيًا نشطًا يتفاعل مع المعلومات منذ بداية حياته.

كيف يعرف الباحثون ما يدركه طفل لا يستطيع الكلام؟

يمثل هذا السؤال إحدى أكثر القضايا إثارة في دراسة حديثي الولادة. فالطفل لا يستطيع أن يخبر الباحث بأنه تعرف إلى صوت أو ميز بين صورتين.

ولهذا طوّر علماء نفس النمو طرائق غير لفظية دقيقة تعتمد على سلوك الطفل نفسه.

من أهم هذه الأساليب قياس مدة النظر. فإذا عرض الباحث أمام الطفل صورتين ولاحظ أنه ينظر إلى إحداهما مدة أطول بصورة منتظمة، فقد يشير ذلك إلى وجود تفضيل أو قدرة على التمييز.

وهناك أيضًا منهج "التعود"، حيث يُعرض المثير نفسه عدة مرات إلى أن ينخفض اهتمام الطفل به. وبعد ذلك يقدم الباحث مثيرًا جديدًا؛ فإذا عاد الطفل إلى زيادة مدة النظر أو تغيرت استجابته، يمكن الاستدلال على أنه أدرك الفرق بين المثيرين.

كما استخدم الباحثون معدل المص، وحركة الرأس والعينين، ومعدل ضربات القلب، والتغيرات الفسيولوجية، إضافة إلى تقنيات حديثة لتسجيل نشاط الدماغ.

وبفضل هذه الوسائل أصبح من الممكن طرح أسئلة كانت تبدو مستحيلة قبل عقود عن الذاكرة والتعلم والإدراك لدى طفل لا يتجاوز عمره ساعات أو أيامًا.

لماذا تعد دراسة حديثي الولادة مهمة علميًا؟

تسمح دراسة القدرات الموجودة في الأيام الأولى بالاقتراب من أحد أكثر الأسئلة عمقًا في علم النفس: ما الذي يأتي به الإنسان إلى العالم، وما الذي يكتسبه من خلال الخبرة؟

فعندما تظهر قدرة عند طفل يبلغ يومين أو ثلاثة أيام، يصبح من الضروري البحث في ثلاثة مصادر محتملة لها: النضج البيولوجي، والخبرة السابقة للولادة، والتعلم السريع جدًا بعد الولادة.

ولهذا فإن دراسة حديثي الولادة لا تقتصر على وصف سلوك الأطفال، بل تسهم في فهم طبيعة الإنسان وعلاقة الوراثة بالنمو والتعلم والبيئة.

الأهمية التربوية والاجتماعية لهذه الاكتشافات

لمعرفة قدرات حديثي الولادة آثار تتجاوز المختبرات الجامعية.

فصورة الراشد عن الطفل تؤثر في الطريقة التي يعامله بها. فإذا اعتقد الأب أو الأم أن المولود لا يسمع ولا يميز ولا يتعلم ولا يستفيد من التواصل، فقد يقل التفاعل معه.

أما عندما يدرك الوالدان أن الطفل ينتبه إلى الصوت والوجه واللمس والرائحة، فإن الحديث معه والنظر إليه وحمله والاستجابة لإشاراته تصبح أفعالًا ذات معنى أكبر.

ولا يعني هذا ضرورة تحويل حياة الطفل إلى برنامج تدريبي. فالتفاعل الطبيعي الدافئ والمتوازن الذي يحصل عليه داخل أسرته يوفر عادة قدرًا هائلًا من المعلومات الحسية والاجتماعية.

القدرة المبكرة لا تعني الحاجة إلى التحفيز المستمر

يمكن أن تؤدي معرفة القدرات المدهشة للمولود إلى خطأ معاكس، يتمثل في محاولة تحفيزه باستمرار اعتقادًا بأن كثرة الصور والألعاب والأصوات والأنشطة ستزيد ذكاءه.

هذه الفكرة غير دقيقة.

فالدماغ في بداية الحياة يحتاج إلى المثيرات، لكنه يحتاج كذلك إلى تنظيمها وإلى فترات طويلة من النوم والهدوء. ولا ينبغي النظر إلى كل لحظة يكون فيها الطفل مستيقظًا باعتبارها فرصة لدرس جديد.

ويعد النوم في هذه المرحلة جزءًا أساسيًا من النمو العصبي والجسدي، كما يمكن لكثرة المثيرات في الوقت نفسه أن تتجاوز قدرة الطفل على التنظيم والانتباه.

لذلك يكون التفاعل البشري الطبيعي، والاستجابة لحاجات الطفل، والكلام الهادئ معه، والتواصل البصري واللمس الآمن، أكثر من كافٍ في الحياة اليومية الطبيعية.

لا ينبغي مقارنة الأطفال بطريقة آلية

من النقاط الأساسية التي يؤكد عليها الباحثون أن النتائج المنشورة في دراسات نمو الأطفال تعتمد على المتوسطات الإحصائية.

فعندما تقول دراسة إن حديثي الولادة يظهرون سلوكًا معينًا، فإن هذا لا يعني أن جميع الأطفال يقومون بالسلوك نفسه وبالقوة نفسها وفي العمر نفسه تمامًا.

هناك اختلافات فردية طبيعية واسعة بين الأطفال في الانتباه والنوم والمزاج والاستجابة للمثيرات وسرعة النضج.

ولهذا تؤكد جامعة جنيف في عرضها لأبحاث حديثي الولادة أن النتائج العلمية تمثل متوسطات مأخوذة من مجموعات من الأطفال، وأن الاختلاف الفردي في التطور أمر طبيعي.

ولا يجوز استخدام نتائج تجربة مخبرية منفردة بوصفها اختبارًا منزليًا للحكم على نمو طفل بعينه.

من "الكائن السلبي" إلى الطفل النشط في بناء خبرته

تكشف مجمل هذه الدراسات عن تحول كبير في فهم الطفولة المبكرة.

فالطفل لا يصل إلى العالم بقدرات مكتملة، لكنه أيضًا لا يصل إليه بصفحة حسية فارغة تمامًا. إنه يمتلك جهازًا عصبيًا في طور نمو سريع، وتجارب بدأت قبل الولادة، وآليات تسمح له بتوجيه الانتباه والتعلم والتعود والتمييز بين بعض المعلومات المهمة.

وتساعده هذه القدرات على الانتقال من العالم الرحمي إلى البيئة الخارجية، والتوجه نحو الأشخاص الذين يعتنون به، والتعرف تدريجيًا إلى الأصوات والوجوه والروائح المحيطة.

غير أن القيمة الحقيقية لهذه النتائج لا تكمن في تحويل المولود إلى "عبقري صغير"، بل في إدراك أن تطوره النفسي يبدأ في وقت أبكر مما كان يُعتقد، وأن العلاقة بين الطفل والبيئة تبدأ منذ اللحظات الأولى، بل إن بعض جذورها تمتد إلى ما قبل الولادة.

إن الطفل حديث الولادة كائن في بداية مسار طويل من النمو، وليس راشدًا مصغرًا. فرؤيته محدودة، وذاكرته مختلفة عن ذاكرة الراشد، وأجهزة دماغه لا تزال في طور النضج. ومع ذلك فإن ما يستطيع القيام به خلال الأيام الأولى يكشف عن استعداد استثنائي للتعلم والتكيف.

وعندما نتعامل مع هذه المعطيات بحذر علمي، بعيدًا عن المبالغة أو المقارنة بين الأطفال، فإنها تقود إلى تصور أكثر دقة واحترامًا للطفل: إنسان يبدأ منذ وقت مبكر جدًا في استقبال العالم وتنظيم خبراته وبناء علاقته بالأشخاص والأشياء المحيطة به.

المراجع العلمية

DeCasper, A. J., & Fifer, W. P. (1980). Of human bonding: Newborns prefer their mothers' voices. Science, 208(4448), 1174–1176.

Farroni, T., Johnson, M. H., Menon, E., Zulian, L., Faraguna, D., & Csibra, G. (2005). Newborns' preference for face-relevant stimuli: Effects of contrast polarity. Proceedings of the National Academy of Sciences, 102(47), 17245–17250. DOI: 10.1073/pnas.0502205102.

Gentaz, E., & Mazens, K. (2006). Que savent les nouveau-nés en 20 questions ? Paris: Éditions Médecine et Enfance.

Gentaz, E., & Mazens, K. (2014). Quelles sont les compétences des bébés à la naissance ? Des réponses scientifiques à vos questions. 2e édition. Genève: UniPrint, Université de Genève.

Gentaz, E., & Mazens, K. (2006). Les compétences perceptives des nouveau-nés : les compétences tactiles et les transferts intersensoriels. Médecine et Enfance.

Johnson, M. H., Dziurawiec, S., Ellis, H., & Morton, J. (1991). Newborns' preferential tracking of face-like stimuli and its subsequent decline. Cognition, 40(1–2), 1–19. DOI: 10.1016/0010-0277(91)90045-6.

Morton, J., & Johnson, M. H. (1991). CONSPEC and CONLERN: A two-process theory of infant face recognition. Psychological Review, 98(2), 164–181. DOI: 10.1037/0033-295X.98.2.164.

Meltzoff, A. N., & Borton, R. W. (1979). Intermodal matching by human neonates. Nature, 282, 403–404.

Porter, R. H. (1998). Olfaction and human kin recognition. Genetica, 104(3), 259–263. DOI: 10.1023/A:1026404319384.

Schaal, B., & Al Aïn, S. (2014). Chemical signals "selected for" newborns in mammals. Animal Behaviour, 97, 289–299.

Lejeune, F., & Gentaz, E. (2013). Comment le nouveau-né prématuré perçoit-il son environnement multisensoriel ? Médecine & Enfance, 33(3), 82–88.

Movalled, K., et al. (2023). The impact of sound stimulations during pregnancy on fetal learning: A systematic review. BMC Pediatrics.

Universität de Genève, BabyLab. Les compétences des nouveau-nés. Faculté de psychologie et des sciences de l'éducation, Université de Genève.

almorabbi - المربي

أحدث أقدم