إفعل ما تتهيبه - مقالة للدكتور هنري لينك

 قلما يكون مركب النقص أكثر من تهيب بغير عقل، يسلب المرء شجاعته ويضعف طموحه ويعوق المغامرة. أراني أتردد بعض الشيء في الكتابة في موضوع المخاوف، لأن كثيرًا من المخاوف التي يعانيها الناس الآن راجعة ولا شك إلى كثرة ما كتب في هذا الموضوع. ولشد ما كنت أتمنى، مثلًا، لو أن عبارة «مركب النقص» لم تطبع قط، إذًا لما عرف ملايين من الناس أن عندهم مركب نقص، ولا نقصت مخاوفهم واحدة.

ومعظم المخاوف تتولد فعلًا من الإفراط في القراءة والتفكير والكلام، وهي لا تنشأ على العموم من تلقاء نفسها، وإنما نربيها ونغذيها، فتتحول من أمر تافه لا يعتد به إلى شيء مهول. فالأم التي تعكف على قراءة ما يكتب عن تربية الأطفال تلقى نفسها تزداد تهيبًا لمعالجة أمورهم، ولها العذر. والفتاة التي تسرف في العناية بمظهرها لا تلبث أن تصبح في قلق شديد مما عسى أن يكون رأي الناس فيها. والجماعة من الناس التي تتناول حالة البلاد بالبحث، متكلفة ما يشبه العلم والدراية، كثيرًا ما تنتقل من التشاؤم إلى الخوف.

وأمامي وأنا أكتب هذه المقالة رسالة من فتاة استهلتها بقولها: «ما زلت مذ بلغت السادسة عشرة أخشى أن أتكلم في مجلس غرباء»، واستطردت في ذلك إلى سرد مخاويف أخرى: الخوف من صاحب العمل، والخوف من فقد وظيفتها، والخوف من الرجال، والخوف من قيادة سيارة، والخوف من تقديم تقرير في ناد للفتيات، وغير ذلك مما بلغت عدته أحد عشر. وهي جميعًا مخاوف من ضرب شائع يكبدها ملايين من الخلق.

وتكاد نتيجة هذه المخاوف تكون واحدة في كل حالة تقريبًا: نوعًا من الشلل يدب في النفس، وشعورًا بالبؤس والاختناق والجزع والهزيمة.



وأخبرني شاب بأنه لا يستطيع أن ينام، وأدلى إلي بشرح نفساني طويل لهذا وكيف صار إليه، ثم سألني: هل في مقدورك أن تساعدني على الخلاص من هذا الكرب المخامر؟ فكان جوابي: كلا. فتوسل إلي سائلًا: إذًا ماذا أستطيع أن أصنع؟ فقلت: «اجر حول العمارة في الليل حتى تكاد تسقط من الإعياء».

إنما تفتقر إليه هو الكد. فقد حولت من نشاطك البدني أكثر مما يجب إلى التفكير والتخيل. فإذا أجهدت بدنك بالجري، فإنك خليق أن تسترخي وتنام من تلقاء نفسك. ولقد ألقى عقلك بطول تفكيره بهذا الخوف في قلبك، وفي وسعك بالجري أن تطرحه عنك بساقيك.

ومنذ عهد قريب جاءتني أم، وأجملت لي حياتها في هذه الخلاصة التي لا تخلو من دلالة. قالت: «كنت وأنا في مقتبل العمر أعاني مخاوف كثيرة، منها الخوف من الجنون، ولم تزايلني هذه المخاوف بعد زواجي. على أن ما لبثنا أن رزقنا طفلًا، وانتهى الأمر بأن صار لنا ستة من البنين. ولما كنت أتولى جميع أمري تقريبًا بنفسي، فقد كنت كلما شعرت ببداية القلق أسمع الطفل يبكي أو الأطفال يتنازعون، فأخِف إليهم لأسوي الأمور، أو أتذكر فجأة أنه إن أعد العشاء، أو أن علي أن أكوي الثياب وغيرها. فكانت مخاوفي في نفسي لا تزال تقطعها واجباتي المنزلية، فأزالت تدريجيًا. والآن أعود بالذاكرة إليها لأتلهى».

وقد لا يكون مغزى هذه القصة أن يكون للمرء ستة من البنين، ولكن من الصحيح أن كون الأسرة صغيرة والفراغ كثير يؤدي إلى تولد المخاوف. ومن الصحيح كذلك أن كثيرين ممن تخامرهم المخاوف الملحة قد يجدون متعة جديدة في الحياة إذا شغلوا أنفسهم بالعناية بغيرهم، وذلك بالمساهمة في النشاط الاجتماعي.

ألا يطيب لك مثل هذا النشاط؟ إذًا يجب عليك أن تذكر أن كل خطوة تخطوها للتغلب على الخوف تتطلب في البداية مجهودًا من الإرادة.

والذين تعلموا القفز إلى الماء يذكرون ما كان من أمرهم. فإنك تعتدل في وقفتك، ثم تميل إلى الأمام وتتردد وترتد خائفًا، وتحاول ذلك مرة أخرى وتنكص. وكلما ترددت زادت مخاوفك، وأخيرًا تسخط على نفسك وتلقي بجسمك وذراعيك وساقيك معوجة، وتهوي إلى الماء بقوة، ثم تطفو محنقًا مرتبكًا، وتزيدك ضحكات إخوانك اضطرابًا.

فإذا تركت مخاوفك في هذا الموقف تمنعك أن تبذل جهودًا أخرى، فإنك لا تتعلم القفز أبدًا؛ لأن مخاوفك تصبح أقوى من أن يسعك التغلب عليها. ولكنك تثابر وتقفز قفزات أخرى مؤلمة غير لبقة، وأخيرًا تنزل إلى الماء نزولًا جميلًا، وتطفو مسرورًا، وتصبح على وشك أن تكون خبيرًا.

وهذه هي القاعدة النفسية للتغلب على الخوف واكتساب الثقة في كل وجه من وجوه الحياة. ولا مفر من هذا الكفاح، فإن علينا أن نلقي بأنفسنا مرة بعد أخرى في عباب الحياة، وأن نضيف فتحًا إلى فتح، ونقهر هذا الخوف أولًا ثم ذاك.

والأمر، كما يقولون: «افعل الشيء الذي تتهيبه، فإن موت الخوف محقق».

والواقع أن مخاوفنا هي القوات التي تكوننا إذا عالجناها بعمل حاسم، أو هي التي تقسم ظهورنا وتطحننا إذا عالجناها بالتردد والإرجاء والقياس المنطقي.

سألني شاب ذات مرة أن أقترح عليه أشياء صعبة يصنعها، وقال: «إن كتابك يشير بالرقص وكرة السلة وبعض الألعاب الأخرى والبريدج والحفلات وغير ذلك، ويقول إن على المرء أن يزاول ذلك حتى ولو كان لا يطيب له ولا يخف عليه. فأنا لا أكره هذه الأشياء فقط، بل أخاف أن أباشرها. على أني وطدت عزمي على تجربتها».

فمر بي وقت عصيب كنت فيه تعسًا، ولكني بعد قليل ذهب عني الخوف، وبدأت أستحسن هذه المشاغل. والحقيقة أني أستمتع بحياتي الجديدة إلى حد أخشى معه التطرف، فأود أن تشير علي بأشياء أصنعها فيها عسر ومشقة.

وقد تعلم هذا الشاب أن يتخذ من مخاوفه أداة للتغلب عليها، ووسيلة إلى الاستمتاع بطيب العيش. فهو متجه إلى حياة أكثر امتلاء وأبعد أثرًا من الوجهتين الاجتماعية والعقلية.

ويتفق أحيانًا أن تكون الخطوة الأولى في سبيل التغلب على الخوف عملًا ابتدائيًا جدًا. أذكر شابًا أخذت المخاوف عليه متوجهًا حتى لكان لا يكاد يبين أو يسمع له كلام. وكان يعمل في مصرف كبير، ويعرف لفيفًا من الرجال في القسم الذي هو فيه، ولكنه كان يذهب إلى مكتبه في الصباح ولا يحيي أحدًا.

فاقترحنا أن يبدأ بأن يقول ببشر وصوت عال: «صباح الخير يا فرانك، أهلًا بك يا كيتينج، عم صباحًا يا مستر إيتن» لمن يمر بهم من زملائه. ففعل، وبلغ من ارتياحه إلى النتيجة أن تشجع، فأقدم على ما هو أصعب؛ لأن الفوز يقود إلى الفوز.

أما المخاوف التي هي أعم من هذه، مثل الخوف من الجنون أو الاضطهاد أو تهيب الغرباء أو الشعور بالنقص، فهذه في الأغلب نتيجة تقصير المرء في التغلب على مخاوف دون هذه شأنًا، بمثل الوسائل التي أسلفنا الإشارة إليها. على أنها تكون أحيانًا راجعة إلى المرء لسبب ما، مثل الخيبة في الحب أو موت قريب عزيز أو خسارة مالية أو فقد عمل ينفض يده مما اعتاد أن يزاول.

على أنه ينبغي، ولا سيما في أعقاب كارثة، ألا يكتفي المرء بمواصلة نشاطه السابق، بل أن يوجه إرادته ونشاطه إلى عمل جديد يحسن أن يكون مرهقًا.

أعرف رجلًا فقد وظيفته، وكان قد بلغ السادسة والخمسين، وظل يعمل في إحدى الشركات ثلاثين عامًا. فثقلت عليه وطأة المصاب، وكف عن كل اتصال بأصدقائه السابقين. فما هي إلا ستة شهور حتى صار حزمة من المخاوف تافهها وكبيرها. وأخيرًا حملوه على زيارة قريب له يعيش في ضيعة، وهناك لم يلبث أن اجتذبته دورة العمل، فثابت إليه نفسه في ستة شهور ليس إلا.

ومع أن التعميم لا يؤمن معه الخطأ، فإني أجترئ على القول بأن وراء كل المخاوف، هينها وقاسيها، عقلًا مسرفًا في النشاط وبدنًا قليل النشاط. ومن أجل هذا نصحت لكثيرين من بغاة السعادة أن يكونوا أقل استعمالًا لرؤوسهم وأكثر استعمالًا لأيديهم وأرجلهم في عمل نافع أو لعب.

فإننا نخلق المخاوف ونحن جلوس، ولكننا نطرحها بالحركة، والخوف هو إنذار من الطبيعة لنا بأن نعمل ونتحرك.

والخوف في مراحله الأولى الهينة يتخذ صورة النفور من بعض الناس أو بعض مظاهر النشاط أو النقد لهذه ولهؤلاء، وبهذا يسوغ استمرار الجمود.

والدنيا خاصة بالساخطين وبالذين يهضبون بالشيوعية في حجرات الاستقبال، وبالمتفلسفين الاجتماعيين؛ لأنهم لا يريدون أن يغيروا ما بأنفسهم، فسبيلهم أن يتحدثوا عن تغيير النظام كله. وهؤلاء لا يبدو أن أحدًا منهم يدرك أنه لابد من وجود من ينبو بهم مكانهم في أي نظام اجتماعي. وهم يحاولون باللسان أن يخلعوا على سخطهم على الدنيا حلة منطقية، بدلًا من أن يسخطوا على أنفسهم وينهضوا لعمل يستحق الجهد الذي يبذل فيه.

يقول تيودور روزفلت: «طعن الرفيق جريمة لا تغتفر، لا تطعن ما استطعت أن تتجنب، ولكن إياك أن تطعن طعنًا رفيقًا أبدًا».

ويقول وليم هوايت: «لست أهاب غدي، فقد أبليت أمسي، وإني لا أحب يومي».

almorabbi - المربي

أحدث أقدم