تمثل القدرة على فهم انفعالات الآخرين إحدى الركائز الأساسية للتواصل الاجتماعي. فالإنسان لا يعتمد على الكلمات وحدها في تفسير الحالات النفسية للأشخاص المحيطين به، بل يستفيد أيضًا من تعبيرات الوجه ونبرة الصوت وحركات الجسد. ويطرح هذا الأمر سؤالًا مهمًا في علم النفس النمائي: متى يبدأ الطفل في إدراك الانفعالات الإنسانية والربط بين الإشارات السمعية والبصرية التي تعبّر عنها؟
للإجابة عن هذا السؤال، أجرى فريق من الباحثين في جامعة جنيف السويسرية دراسة تجريبية على رضع يبلغون ستة أشهر، داخل مختبر الأطفال المعروف باسم «Geneva BabyLab». وقد نُشرت الدراسة سنة 2018 في المجلة العلمية المحكمة PLOS ONE، وأعدّها كل من أمايا بالاما وجان مالسير وديدييه غراندجان وديفيد ساندر وإدوار جنتاز.
لم يكن هدف الدراسة معرفة ما إذا كان الرضيع يستطيع التمييز بصريًا بين وجه سعيد ووجه غاضب فقط، بل اختبار قدرته على نقل المعلومة الانفعالية من حاسة السمع إلى حاسة البصر؛ أي معرفة ما إذا كان يفهم أن نبرة صوت سعيدة وتعبير وجه سعيد يشتركان في معنى انفعالي واحد.
الإدراك الانفعالي خلال الأشهر الأولى
تمثل الانفعالات وسيلة مبكرة للتواصل بين الطفل ومحيطه. فمنذ الولادة، يعبّر الرضيع عن بعض حالاته الداخلية من خلال البكاء والصوت وحركات الجسم وتعبيرات الوجه. وتساعد هذه الإشارات الوالدين ومقدمي الرعاية على الاستجابة إلى حاجاته، مثل الجوع أو التعب أو الشعور بعدم الراحة.
لكن التعبير عن الانفعال يختلف عن التعرف إلى انفعالات الآخرين. ولذلك حاول الباحثون تحديد ما إذا كان الرضع يكتفون بملاحظة الخصائص الفيزيائية للوجه والصوت، أم يستطيعون استخراج المعنى الانفعالي المشترك بينهما.
وتشير الدراسات السابقة إلى أن الحساسية للانفعالات تتطور تدريجيًا خلال السنة الأولى. فقد يستطيع الرضع التمييز بين بعض الأصوات الانفعالية قبل أن يتمكنوا من التمييز البصري الدقيق بين مجموعة واسعة من تعبيرات الوجه. كما يمكن أن يتحسن أداؤهم عندما تُقدَّم المعلومات السمعية والبصرية معًا بدل تقديم كل نوع منها منفصلًا.
ما المقصود بنقل المعلومات بين الحواس؟
يُطلق على القدرة على ربط معلومة مقدمة بواسطة حاسة معينة بمعلومة من حاسة أخرى اسم «النقل العابر للحواس» أو «النقل بين الحواس».
في حالة الانفعالات، يعني ذلك أن يسمع الطفل نبرة صوت تعبّر عن الفرح، ثم يتعرف إلى المعنى الانفعالي نفسه عندما يراه في تعبير وجه، رغم أن خصائص الصوت تختلف ماديًا عن خصائص الصورة.
وتكتسب هذه القدرة أهمية كبيرة؛ لأنها تشير إلى أن الطفل قد لا يكون حساسًا فقط لملامح سطحية، مثل ارتفاع الصوت أو شكل الفم، وإنما يستطيع تكوين تمثيل أعمّ للانفعال يتجاوز الحاسة التي استقبل من خلالها المعلومة أول مرة.
عينة الدراسة
شملت العينة النهائية 24 رضيعًا مكتملي مدة الحمل، بمتوسط عمر بلغ نحو ستة أشهر. وكان من بينهم 13 طفلة، وتراوحت أعمار المشاركين تقريبًا بين 5.2 و6.5 أشهر.
وكان الباحثون قد استقبلوا 55 رضيعًا في الأصل، إلا أن بيانات 31 منهم استُبعدت لأسباب مختلفة، منها:
تعذر الجهاز في تحديد بؤبؤ العين.
كثرة حركة الطفل وفقدان بيانات النظر.
عدم نجاح معايرة جهاز تتبع العين.
ضعف الانتباه إلى المثيرات المعروضة.
البكاء أو الانزعاج أثناء التجربة.
وتوضح هذه النسبة المرتفعة من الاستبعاد مدى صعوبة إجراء البحوث التجريبية على الرضع. فالطفل لا يستطيع الالتزام بالتعليمات، كما تتأثر مشاركته بحالته الجسدية والانفعالية وبجودة المعايرة التقنية.
وحصلت الدراسة على موافقة لجنة الأخلاقيات بكلية علم النفس وعلوم التربية في جامعة جنيف، كما قدم أولياء الأمور موافقتهم الكتابية على مشاركة أطفالهم.
استعمال تقنية تتبع العين
استُخدم في التجربة جهاز لتتبع حركة العين من طراز SMI RED 250. ويسمح هذا النوع من الأجهزة بتحديد اتجاه نظر الطفل، ومدة تثبيت بصره على كل مثير، وتنقل عينيه بين مناطق الصورة المختلفة.
ثُبّت الطفل بصورة مريحة في مقعد مناسب داخل مختبر الأطفال، ووُضع على مسافة تقارب 60 سنتيمترًا من شاشة العرض. وقبل بدء الاختبار، أجرى الباحثون معايرة للجهاز باستخدام صورة متحركة ظهرت في خمسة مواضع مختلفة من الشاشة.
لم يكن الجهاز مثبتًا على رأس الرضيع، بل سجّل حركة العين عن بُعد. وقد أتاح للباحثين تحليل انتباه الطفل إلى الوجه كاملًا، ثم إلى منطقتين محددتين هما العينان والفم.
وتوفر تقنية تتبع العين درجة أعلى من الدقة المكانية والزمنية مقارنة بالاكتفاء بملاحظة اتجاه رأس الطفل أو تقدير نظره يدويًا.
المثيرات السمعية والبصرية
استخدم الباحثون تسجيلات صوتية غير لفظية مأخوذة من قاعدة «Montreal Affective Voices». وكانت التسجيلات قائمة على نطق صوت قريب من حرف العلة «آ»، بنبرات تعبّر عن ثلاث حالات:
نبرة محايدة.
نبرة سعيدة.
نبرة غاضبة.
أما المثيرات البصرية، فكانت صورتين بالأبيض والأسود لامرأة واحدة: صورة بتعبير سعيد وأخرى بتعبير غاضب. وقد أُخذتا من قاعدة الوجوه الانفعالية الموجهة في كارولينسكا، المعروفة اختصارًا باسم KDEF.
استخدام وجه الشخص نفسه في التعبيرين قلّل احتمال انجذاب الرضيع إلى اختلاف هوية صاحبة الوجه بدلًا من الانفعال. كما أخفى الباحثون الشعر لتقليل تأثير السمات الخارجية في اتجاه الانتباه.
خطوات التجربة
تكوّنت التجربة من ست محاولات، واستغرقت نحو ثلاث دقائق لكل رضيع. وضمت كل محاولة مرحلتين متتابعتين:
مرحلة التعويد السمعي
واجه الرضيع شاشة سوداء، واستمع لمدة 20 ثانية إلى صوت محايد أو سعيد أو غاضب. وبذلك لم تكن هناك صورة قد تؤثر في تفسير الصوت أثناء هذه المرحلة.
مرحلة الاختبار البصري
بعد انتهاء التسجيل الصوتي، ظهرت صورتا الوجه السعيد والوجه الغاضب في الوقت نفسه لمدة عشر ثوانٍ، من دون صوت. وسجل جهاز تتبع العين المدة التي قضاها الرضيع في النظر إلى كل وجه وإلى منطقتي العينين والفم.
بدأت التجربة بمحاولتين استُخدم فيهما الصوت المحايد، بهدف قياس ما إذا كان لدى الرضع تفضيل بصري تلقائي لأحد الوجهين. ثم قُدمت الأصوات الانفعالية في المحاولات الأربع التالية.
ووازن الباحثون موضع الصورتين بين اليمين واليسار، حتى لا تكون النتائج ناتجة عن ميل الطفل إلى النظر إلى جانب معين من الشاشة.
ماذا أظهرت النتائج؟
بعد سماع الصوت المحايد، لم يظهر الرضع فرقًا دالًا إحصائيًا في مدة النظر إلى الوجه السعيد والوجه الغاضب. ويشير ذلك إلى عدم وجود تفضيل واضح لأحد الوجهين في هذا الشرط التجريبي.
كما لم يظهر فرق دال في مدة النظر إلى الوجهين بعد الاستماع إلى الصوت الغاضب.
أما بعد سماع الصوت السعيد، فقد نظر الرضع مدة أطول إلى الوجه الغاضب مقارنة بالوجه السعيد. وبلغ متوسط النظر إلى الوجه الغاضب نحو 3.04 ثوانٍ، مقابل 2.29 ثانية للوجه السعيد.
وظهر الفرق بوضوح خاص في منطقة الفم؛ إذ بلغ متوسط النظر إلى فم الوجه الغاضب نحو 0.83 ثانية، مقابل 0.38 ثانية لفم الوجه السعيد.
كذلك اتجهت أول نظرة بعد سماع الصوت السعيد إلى الوجه الغاضب في 66% من المحاولات، مقابل 34% للوجه السعيد.
لماذا نظر الرضع إلى الوجه غير المتوافق؟
استند تفسير الباحثين إلى مبدأ الاستجابة للجِدّة. فبعد أن يستمع الرضيع إلى صوت سعيد، تصبح السعادة هي المعلومة الانفعالية المألوفة في تلك المحاولة. وعند ظهور وجه سعيد ووجه غاضب، يمثل الوجه الغاضب مثيرًا غير متوافق مع المعلومة التي سمعها الطفل.
إذا كان الرضيع قد استخرج المعنى الانفعالي من الصوت السعيد، فمن المتوقع أن يلاحظ عدم التوافق بينه وبين الوجه الغاضب، وأن يوجه إليه مزيدًا من الانتباه. ولذلك اعتبر الباحثون زيادة مدة النظر إلى الوجه الغاضب مؤشرًا على نقل معلومة السعادة من المجال السمعي إلى المجال البصري.
وبصياغة أخرى، لم يكن على الرضيع أن يطابق الصوت والصورة في اللحظة نفسها؛ فقد انتهى الصوت قبل ظهور الوجهين. وهذا يعني أنه احتاج إلى الاحتفاظ بالمعلومة الانفعالية السمعية مدة قصيرة، ثم مقارنتها بالمعلومة البصرية اللاحقة.
هل يتعرف الرضيع إلى جميع الانفعالات؟
لا ينبغي تعميم نتائج الدراسة على جميع الانفعالات. فقد ظهر دليل واضح على النقل بين الحواس بعد الصوت السعيد، لكنه لم يظهر بالصورة نفسها بعد الصوت الغاضب.
لذلك تدعم النتائج استنتاجًا محددًا: يستطيع بعض الرضع في عمر ستة أشهر نقل المعلومة المتعلقة بالسعادة من نبرة الصوت إلى تعبير الوجه في ظروف هذه التجربة. لكنها لا تثبت أنهم يفهمون جميع الانفعالات أو يربطون بينها بالطريقة نفسها التي يفعلها البالغون.
كما أن النظر مدة أطول إلى وجه معين لا يكشف مباشرة عن الفكرة التي تدور في ذهن الطفل، وإنما يمثل مؤشرًا سلوكيًا يحتاج إلى تفسير في ضوء التصميم التجريبي والنتائج الإحصائية.
الأهمية العلمية للدراسة
تقدم الدراسة دليلًا على أن بعض أشكال الإدراك الاجتماعي والانفعالي تبدأ في وقت مبكر من الحياة. فالرضيع في عمر ستة أشهر قد لا يتعامل مع الوجه والصوت بوصفهما مثيرين منفصلين تمامًا، وإنما يمكنه اكتشاف علاقة انفعالية بينهما.
وتساعد هذه القدرة الطفل على فهم التفاعلات اليومية؛ إذ إن الأشخاص المحيطين به يعبّرون غالبًا عن حالاتهم النفسية عبر قنوات متعددة في الوقت نفسه. فقد يسمع الطفل نبرة مريحة ويرى ابتسامة، أو يسمع صوتًا حادًا ويرى ملامح متوترة.
ويتيح دمج هذه الإشارات بناء فهم أكثر دقة للبيئة الاجتماعية، كما يمهد لتطور مهارات لاحقة، مثل الانتباه المشترك والتواصل وفهم نوايا الآخرين وتنظيم السلوك خلال المواقف الاجتماعية.
حدود الدراسة
رغم أهمية النتائج، توجد مجموعة من الحدود المنهجية التي ينبغي مراعاتها:
أولًا، كانت العينة النهائية محدودة، إذ لم تشمل سوى 24 رضيعًا. كما استُبعدت بيانات 31 طفلًا، مما يستدعي الحذر عند تعميم النتائج على جميع الرضع.
ثانيًا، استخدمت الدراسة صوت امرأة واحدة ووجه امرأة واحدة، ولذلك قد تختلف النتائج عند استعمال هويات متعددة أو وجوه وأصوات ذكورية.
ثالثًا، عُرضت صور ثابتة بالأبيض والأسود، بينما يواجه الطفل في الحياة اليومية وجوهًا متحركة وملونة مصحوبة بالكلام وحركات الجسم.
رابعًا، ظهر الأثر بعد الصوت السعيد، لكنه لم يظهر بوضوح بعد الصوت الغاضب، مما يشير إلى أن تطور الربط بين الصوت والوجه قد يختلف باختلاف نوع الانفعال.
خامسًا، قُدم الصوت السعيد قبل الصوت الغاضب لجميع الأطفال لتجنب إثارة استجابة سلبية في بداية الاختبار. ومع أن لهذا الاختيار مبررًا أخلاقيًا وتجريبيًا، فإنه يجعل استبعاد أثر ترتيب العرض بصورة كاملة أكثر صعوبة.
لذلك تحتاج النتائج إلى دراسات لاحقة تضم عينات أكبر وأعمارًا مختلفة ومثيرات أكثر تنوعًا وديناميكية.
خاتمة
أظهرت دراسة مختبر الأطفال بجامعة جنيف أن الرضع في عمر ستة أشهر يستطيعون، في ظروف تجريبية محددة، الربط بين نبرة صوت سعيدة وتعبير الوجه الذي يحمل المعنى الانفعالي نفسه. فعندما استمع الأطفال إلى صوت سعيد ثم شاهدوا وجهًا سعيدًا وآخر غاضبًا، وجهوا اهتمامًا أطول إلى الوجه الغاضب غير المتوافق، ولا سيما إلى منطقة الفم.
توفر هذه النتيجة دليلًا على ظهور قدرة مبكرة على نقل بعض المعلومات الانفعالية من السمع إلى البصر. ومع ذلك، لا تعني أن الرضيع يفهم جميع الانفعالات كما يفهمها البالغ، بل تكشف عن إحدى اللبنات الأولى التي يتطور منها الإدراك الاجتماعي والانفعالي خلال الطفولة.
المراجع
Palama, A., Malsert, J., Grandjean, D., Sander, D., & Gentaz, E. (2018). Are 6-month-old human infants able to transfer emotional information (happy or angry) from voices to faces? An eye-tracking study. PLOS ONE, 13(4), e0194579. الدراسة الأصلية
University of Geneva. (2018). Babies make the link between vocal and facial emotion. البيان العلمي لجامعة جنيف
Flom, R., & Bahrick, L. E. (2007). The development of infant discrimination of affect in multimodal and unimodal stimulation: The role of intersensory redundancy. Developmental Psychology, 43(1), 238–252. الدراسة
Grossmann, T. (2010). The development of emotion perception in face and voice during infancy. Restorative Neurology and Neuroscience, 28(2), 219–236. بيانات الدراسة
Leppänen, J. M., & Nelson, C. A. (2009). Tuning the developing brain to social signals of emotions. Nature Reviews Neuroscience, 10, 37–47. الدراسة
