التعوّد والاستجابة للجِدّة: منهج علمي لدراسة القدرات الإدراكية لدى الرضّع

 تُعد دراسة القدرات الإدراكية لدى الأطفال الرضّع أحد الموضوعات الأساسية في علم النفس النمائي؛ إذ يسعى الباحثون إلى فهم الطريقة التي يدرك بها الرضيع العالم المحيط به، ومدى قدرته على التمييز بين الأشكال والألوان والأصوات والوجوه وغيرها من المثيرات منذ المراحل الأولى من حياته.

غير أن دراسة الإدراك لدى الرضّع تطرح صعوبة منهجية واضحة؛ فالرضيع لا يستطيع التعبير لفظيًا عما يراه أو يسمعه، كما لا يمكنه الإجابة عن الأسئلة أو تنفيذ التعليمات بالطريقة التي يستطيع بها الطفل الأكبر سنًا أو الراشد. لذلك طوّر علماء النفس مجموعة من الأساليب غير المباشرة التي تستند إلى ملاحظة السلوك، ولا سيما اتجاه النظر ومدته، والتغيرات التي تطرأ على انتباه الرضيع عند تقديم مثيرات مألوفة أو جديدة.

ومن أبرز هذه الأساليب منهج التعوّد والاستجابة للجِدّة، الذي أصبح أداة مهمة لدراسة التعلم والذاكرة والتمييز الإدراكي خلال مرحلة الرضاعة.



قياس إدراك الرضيع من خلال مدة النظر

يقوم أحد الأساليب المبكرة لدراسة إدراك الرضع على عرض مثيرين بصريين مختلفين، مثل صورتين أو شكلين، ثم قياس المدة التي يقضيها الرضيع في النظر إلى كل واحد منهما. فإذا نظر الرضيع إلى أحد المثيرين مدة أطول بصورة منتظمة، فقد يشير ذلك إلى أنه يلاحظ اختلافًا بينهما أو يفضّل أحدهما على الآخر.

وقد أسهم عالم النفس الأمريكي روبرت فانتز في تطوير هذا النوع من الدراسات خلال ستينيات القرن العشرين، وأظهرت أبحاثه أن الرضع لا ينظرون إلى جميع المثيرات بالطريقة نفسها، بل قد يبدون تفضيلًا بصريًا لبعض الأشكال والأنماط مقارنة بغيرها.

ومع ذلك، فإن التفسير يصبح أكثر صعوبة عندما ينظر الرضيع إلى المثيرين بالمدة نفسها. فتساوي زمن النظر لا يعني بالضرورة أنه عاجز عن التمييز بينهما؛ إذ يمكن أن يكون قد أدرك الاختلاف، لكن المثيرين جذبا اهتمامه بدرجة متساوية. وقد تتأثر استجابته كذلك بالتعب أو الجوع أو التشتت أو موضع المثير أو خصائصه البصرية.

لهذا السبب لا يسمح غياب التفضيل البصري وحده بالجزم بأن الرضيع لا يميز بين المثيرين. والصياغة العلمية الأدق هي أن التجربة لم تقدم دليلًا كافيًا على حدوث التمييز في الظروف التي أُجريت فيها.

ما المقصود بالتعوّد؟

التعوّد هو انخفاض تدريجي في الاستجابة لمثير يتكرر تقديمه دون أن تترتب عليه نتيجة جديدة أو مهمة. فعندما يواجه الرضيع جسمًا غير مألوف، قد ينظر إليه مدة طويلة بسبب جِدّته. ولكن عند عرض الجسم نفسه مرات متتالية، تنخفض مدة النظر إليه تدريجيًا، لأنه أصبح مألوفًا.

لا يعني هذا الانخفاض بالضرورة أن الرضيع فقد القدرة على الرؤية أو أصابه التعب؛ بل قد يدل، إذا ضُبطت التجربة جيدًا، على أنه كوّن تمثيلًا ذهنيًا للمثير وتعلم بعض خصائصه، فلم يعد يحتاج إلى تخصيص القدر نفسه من الانتباه لمعالجته.

ويمثل التعوّد آلية أساسية من آليات التعلم؛ لأنه يساعد الإنسان على تقليل الاستجابة للمثيرات المألوفة وتوجيه الانتباه نحو الأحداث الجديدة أو المهمة. وتظهر هذه الظاهرة في مراحل مبكرة من الحياة، كما يمكن ملاحظتها في أنظمة حسية متعددة، منها البصر والسمع واللمس والشم.

ويقدم الإدراك اليومي أمثلة بسيطة على ذلك. فعندما يدخل الإنسان غرفة توجد فيها رائحة واضحة أو صوت متكرر، فإنه يلاحظهما في البداية، ثم ينخفض انتباهه إليهما بمرور الوقت ما داما ثابتين ولا يشيران إلى خطر أو تغير مهم. ويسمح هذا التكيف للجهاز العصبي بتجنب الاستجابة المستمرة لكل المثيرات المحيطة، والتركيز بدلًا من ذلك على المعلومات الجديدة.

مراحل تجربة التعوّد والاستجابة للجِدّة

تمر تجربة التعوّد البصري عادة بعدد من المراحل المنظمة:

1. تقديم المثير الأول

يُعرض على الرضيع جسم أو شكل أو صورة لم يشاهدها في التجربة من قبل، ويقيس الباحث مدة نظره إليها. وغالبًا ما يكون زمن النظر مرتفعًا في البداية لأن المثير لا يزال جديدًا.

2. تكرار عرض المثير

يُقدَّم المثير نفسه في عدة محاولات متتالية، مع تسجيل مدة النظر في كل محاولة. ويتوقع الباحثون أن تنخفض استجابة الرضيع تدريجيًا مع تكرار العرض.

ولا يحدد التعوّد دائمًا بعدد ثابت من المحاولات؛ ففي بعض الدراسات يُعتمد معيار إجرائي، مثل انخفاض متوسط زمن النظر في المحاولات الأخيرة إلى نسبة محددة من زمن النظر في المحاولات الأولى. ويساعد ذلك على مراعاة الفروق الفردية بين الرضع في سرعة معالجة المعلومات.

3. تقديم مثير جديد

بعد بلوغ معيار التعوّد، يُعرض مثير جديد يختلف عن المثير المألوف في خاصية يريد الباحث دراستها، مثل اللون أو الشكل أو الاتجاه أو العدد أو الصوت.

إذا ازدادت مدة نظر الرضيع إلى المثير الجديد مقارنة بالمثير المألوف، تُسمّى هذه الظاهرة «الاستجابة للجِدّة» أو «زوال التعوّد». وتوفر هذه الزيادة دليلًا على أن الرضيع اكتشف تغيرًا بين المثيرين؛ إذ لو كان يعاملهما بوصفهما متماثلين تمامًا، لما كان متوقعًا أن يستعيد المثير الجديد انتباهه.

4. إجراء اختبارات الضبط

يستخدم الباحثون اختبارات إضافية للتأكد من أن ارتفاع زمن النظر ناتج عن إدراك الاختلاف، وليس عن عامل عارض. وقد يُعاد عرض المثير المألوف، أو يُقدَّم المثير الجديد والمألوف معًا، كما يمكن موازنة مواقع العرض وترتيبه بين الأطفال.

إذا ارتفع انتباه الرضيع إلى المثير الجديد، بينما بقيت استجابته للمثير المألوف منخفضة، فإن ذلك يعزز تفسير النتيجة بوصفها دليلًا على التمييز. ومع ذلك، تختلف إجراءات الضبط باختلاف تصميم الدراسة، ولذلك لا تُعد إعادة عرض المثير المألوف خطوة إلزامية بالطريقة نفسها في جميع التجارب.

ماذا تكشف الاستجابة للجِدّة؟

تسمح هذه الطريقة بدراسة عدد من القدرات المبكرة، من بينها:

  • التمييز بين الأشكال والألوان والأنماط البصرية.

  • التعرف إلى الوجوه والتمييز بينها.

  • إدراك الفروق بين الأصوات والكلام.

  • تكوين الفئات وتصنيف الأشياء المتشابهة.

  • الذاكرة البصرية والتعرف إلى الأشياء المألوفة.

  • إدراك بعض العلاقات المكانية والعددية.

  • التعلم من التكرار واكتشاف التغيرات في البيئة.

غير أن النظر مدة أطول إلى مثير جديد لا يخبر الباحث بصورة مباشرة بما «يفكر فيه» الرضيع، بل يقدم مؤشرًا سلوكيًا ينبغي تفسيره في ضوء تصميم التجربة والفرضية العلمية والضوابط المستخدمة.

أهمية الطريقة في علم النفس النمائي

تتميز طريقة التعوّد والاستجابة للجِدّة بأنها لا تتطلب من الرضيع الكلام أو تنفيذ تعليمات معقدة، ولذلك تتيح دراسة الإدراك والتعلم في عمر مبكر جدًا. كما يمكن تكييفها لدراسة حواس ومجالات معرفية متعددة.

وقد ساعد هذا المنهج الباحثين على الانتقال من الاكتفاء بوصف سلوك الرضيع إلى اختبار فرضيات دقيقة حول ما يستطيع إدراكه وتذكره وتصنيفه. كما أظهرت نتائج الدراسات أن الرضيع ليس متلقيًا سلبيًا للمعلومات، بل يتعلم من التكرار، ويكوّن توقعات، ويوجه انتباهه إلى التغيرات التي تحدث في بيئته.

وتشير المراجعات العلمية إلى أن التعوّد البصري لا يمثل مجرد تراجع آلي في الانتباه، بل يرتبط بعمليات معرفية متعددة، منها الانتباه والتعلم والذاكرة وسرعة معالجة المعلومات.

الحدود المنهجية وتفسير النتائج

على الرغم من أهمية هذه الطريقة، فإن نتائجها تحتاج إلى تفسير حذر. فقد يتأثر زمن النظر بعوامل متعددة، مثل:

  • عمر الرضيع وحالته الصحية.

  • التعب أو النعاس أو الجوع.

  • الضوضاء والمشتتات المحيطة.

  • درجة تعقيد المثير.

  • مدة العرض وعدد المحاولات.

  • وجود تفضيل سابق للون أو الشكل.

  • اختلاف سرعة معالجة المعلومات بين الأطفال.

  • ترتيب المثيرات وموقعها داخل مجال الرؤية.

ومن الضروري كذلك التمييز بين نتيجتين مختلفتين: ظهور استجابة للجِدّة يقدم دليلًا إيجابيًا على أن الرضيع لاحظ اختلافًا بين المثيرين، أما عدم ظهورها فلا يثبت بصورة قاطعة عجزه عن التمييز. فقد يكون الاختلاف ضعيفًا، أو لم يحصل الرضيع على الوقت الكافي لمعالجة المثير الأول، أو أثرت عوامل الانتباه والتعب في سلوكه.

لذلك تعتمد الدراسات الجيدة على عينات مناسبة، ومعايير واضحة للتعوّد، وضبط ترتيب المثيرات ومواقعها، وتكرار التجربة على عدد من الأطفال، ثم تحليل النتائج إحصائيًا على مستوى المجموعة.

خاتمة

تمثل طريقة التعوّد والاستجابة للجِدّة إحدى أهم الأدوات التجريبية في علم النفس النمائي؛ لأنها تتيح دراسة القدرات الإدراكية لدى الرضع قبل اكتساب اللغة. وتقوم فكرتها على انخفاض اهتمام الرضيع بالمثير المتكرر، ثم مراقبة ما إذا كان مثير جديد سيستعيد انتباهه.

وعندما ينظر الرضيع إلى المثير الجديد مدة أطول، فإن ذلك يقدم دليلًا على أنه أدرك اختلافًا بينه وبين المثير المألوف. وقد أسهمت هذه الطريقة في الكشف عن جوانب مهمة من التعلم والذاكرة والانتباه والتمييز الإدراكي خلال الأشهر الأولى من الحياة، ورسخت تصورًا علميًا للرضيع باعتباره كائنًا نشطًا في استكشاف بيئته ومعالجة المعلومات الواردة إليه.

المراجع

  1. Colombo, J., & Mitchell, D. W. (2009). Infant visual habituation. Neurobiology of Learning and Memory, 92(2), 225–234. الاطلاع على الدراسة

  2. Oakes, L. M. (2010). Using habituation of looking time to assess mental processes in infancy. Journal of Cognition and Development, 11(3), 255–268. الاطلاع على الدراسة

  3. Fantz, R. L. (1964). Visual experience in infants: Decreased attention to familiar patterns relative to novel ones. Science, 146(3644), 668–670. بيانات الدراسة

  4. Groves, P. M., & Thompson, R. F. (1970). Habituation: A dual-process theory. Psychological Review, 77(5), 419–450. الدراسة عبر جمعية علم النفس الأمريكية

  5. Rankin, C. H., et al. (2009). Habituation revisited: An updated and revised description of the behavioral characteristics of habituation. Neurobiology of Learning and Memory, 92(2), 135–138. الدراسة

almorabbi - المربي

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم