فوائد وأضرار التلفزيون وتأثيره على الأطفال

يُعد التلفزيون من أكثر وسائل الإعلام انتشارًا في العالم، وقد أصبح جزءًا من الحياة اليومية داخل معظم الأسر، حتى بات حضوره في المنزل أمرًا مألوفًا يرافق الأطفال منذ سنواتهم الأولى. وقد اهتم الباحثون في مجالات علم النفس والتربية وطب الأطفال بدراسة تأثير التلفزيون في نمو الطفل، وأظهرت نتائج العديد من الدراسات أن تأثيره لا يكون إيجابيًا أو سلبيًا في حد ذاته، وإنما يعتمد على عمر الطفل، ومدة المشاهدة، ونوعية المحتوى، ومدى مشاركة الوالدين في توجيه الطفل أثناء المشاهدة (American Academy of Pediatrics, 2016).

تشير الأبحاث إلى أن السنوات الأولى من حياة الطفل تمثل مرحلة سريعة في نمو الدماغ، حيث تتكون الروابط العصبية من خلال التفاعل المباشر مع الأشخاص والأشياء والبيئة المحيطة. ولذلك فإن التعلم الحقيقي في هذه المرحلة يعتمد بدرجة كبيرة على اللعب والاستكشاف والتواصل الاجتماعي أكثر من اعتماده على التعرض السلبي للشاشات (Shonkoff & Phillips, 2000). وعندما يقضي الطفل ساعات طويلة أمام التلفزيون تقل فرصه في الحركة واللعب والتفاعل مع الآخرين، وهو ما قد يؤثر في جوانب مختلفة من نموه.


ورغم ذلك، يمكن أن يقدم التلفزيون فوائد تربوية وتعليمية إذا استُخدم بطريقة مناسبة. فالبرامج التعليمية المصممة للأطفال تساعد على تعلم الحروف والأرقام والألوان والأشكال، كما تقدم مفاهيم علمية واجتماعية مبسطة تناسب مراحل النمو المختلفة. وقد بينت دراسات عديدة أن البرامج التعليمية ذات الجودة العالية قد تسهم في تحسين الاستعداد المدرسي والمهارات اللغوية عندما يشاهدها الطفل في إطار من التفاعل الأسري (Anderson & Hanson, 2010).

كما يساعد التلفزيون الأطفال على التعرف إلى ثقافات مختلفة وبيئات طبيعية متنوعة وحيوانات وظواهر قد لا تتاح لهم فرصة مشاهدتها في حياتهم اليومية. وتساهم البرامج الوثائقية والتعليمية في تنمية الفضول العلمي وتشجيع الأطفال على طرح الأسئلة، خاصة عندما يناقش الوالدان معهم ما شاهدوه ويقدمان تفسيرات إضافية للمعلومات المعروضة (Singer & Singer, 2005).

وتشير الدراسات إلى أن التلفزيون قد يسهم أيضًا في تنمية اللغة عندما يحتوي على حوارات واضحة ومفردات مناسبة لعمر الطفل، إلا أن هذه الفائدة ترتبط بوجود تفاعل مباشر مع الوالدين. فاللغة تنمو من خلال الحوار المتبادل أكثر مما تنمو من خلال الاستماع السلبي، لذلك فإن مشاركة الأسرة في المشاهدة تزيد من القيمة التعليمية للبرامج (American Academy of Pediatrics, 2016).

ومن الجوانب الإيجابية أيضًا أن بعض البرامج تقدم نماذج للسلوك الاجتماعي الإيجابي، مثل التعاون واحترام الآخرين ومساعدة المحتاجين وحل المشكلات بطريقة سلمية. ويمكن لهذه النماذج أن تساعد الأطفال على اكتساب بعض القيم الاجتماعية والانفعالية عندما تكون مناسبة لأعمارهم ويجري توضيحها من قبل الوالدين أو المربين (Bandura, 1977).

وفي المقابل، تؤكد الأبحاث أن الإفراط في مشاهدة التلفزيون يرتبط بعدد من الآثار السلبية. فالجلوس لفترات طويلة أمام الشاشة يقلل من النشاط البدني، ويحد من فرص اللعب الحر الذي يمثل عنصرًا أساسيًا في النمو الحركي والمعرفي والاجتماعي للطفل (World Health Organization, 2019).

كما قد تؤثر المشاهدة المفرطة في النمو اللغوي، خاصة لدى الأطفال الصغار، لأن الوقت الذي يقضونه أمام الشاشة يكون غالبًا على حساب الحوار مع الوالدين والتفاعل مع المحيطين بهم. وقد أظهرت دراسات أن الأطفال الذين يتعرضون لساعات طويلة من الشاشات خلال السنوات الأولى قد يمتلكون حصيلة لغوية أقل مقارنة بالأطفال الذين يقضون وقتًا أكبر في التفاعل المباشر مع الأسرة (Zimmerman, Christakis, & Meltzoff, 2007).

وتشير بعض الدراسات كذلك إلى وجود علاقة بين كثرة التعرض للشاشات وصعوبات الانتباه والتركيز لدى بعض الأطفال، إذ إن الانتقال السريع بين المشاهد والمؤثرات البصرية والصوتية قد يجعل الطفل أقل قدرة على التركيز في الأنشطة الهادئة التي تتطلب الصبر والانتباه لفترات أطول (Christakis et al., 2004).

ومن الآثار الصحية المهمة أيضًا زيادة خطر السمنة في مرحلة الطفولة، ويرجع ذلك إلى انخفاض النشاط البدني، بالإضافة إلى تناول الطعام أثناء المشاهدة، وتأثير الإعلانات التجارية التي تشجع الأطفال على استهلاك الأغذية الغنية بالسكر والدهون والملح (World Health Organization, 2019).

وقد يؤثر التلفزيون كذلك في جودة النوم، خاصة عندما تتم المشاهدة خلال الساعات التي تسبق النوم مباشرة. فالضوء الصادر عن الشاشات والمحتوى المثير قد يؤديان إلى تأخر النوم وانخفاض عدد ساعاته، وهو ما ينعكس سلبًا على الانتباه والتعلم والمزاج والنمو الجسدي (American Academy of Pediatrics, 2016).

كما حذرت العديد من الدراسات من تعرض الأطفال لمشاهد العنف في البرامج والأفلام، حيث قد يؤدي ذلك إلى زيادة السلوك العدواني أو تقليد بعض التصرفات العنيفة، إضافة إلى ارتفاع مستويات الخوف والقلق لدى بعض الأطفال، خاصة في المراحل العمرية المبكرة التي لا يستطيع فيها الطفل التمييز الكامل بين الواقع والخيال (Bandura, 1977).

وتؤكد البحوث أن تأثير التلفزيون لا يعتمد فقط على مدة المشاهدة، وإنما يتأثر أيضًا بنوعية المحتوى وبالبيئة الأسرية. فالطفل الذي يعيش في أسرة توفر له الحوار واللعب والقراءة والأنشطة الاجتماعية يكون أقل عرضة للآثار السلبية مقارنة بالطفل الذي يقضي معظم وقته أمام الشاشة دون إشراف أو تفاعل أسري (Shonkoff & Phillips, 2000).

وفي الختام، يتبين أن التلفزيون يمكن أن يكون وسيلة تعليمية مفيدة إذا استُخدم باعتدال، مع اختيار محتوى مناسب لعمر الطفل، ومشاركة الوالدين في المشاهدة، وتنظيم الوقت بحيث لا يحل التلفزيون محل اللعب والتفاعل الاجتماعي والنشاط البدني. أما الاستخدام المفرط أو غير الموجه، فقد ينعكس سلبًا على النمو اللغوي والمعرفي والانفعالي والصحي للطفل. لذلك يبقى دور الأسرة في الإشراف والتوجيه هو العامل الأساسي في تحقيق الاستفادة من التلفزيون وتقليل مخاطره.

المراجع

American Academy of Pediatrics. (2016). Media and Young Minds. Pediatrics, 138(5).

Anderson, D. R., & Hanson, K. G. (2010). From Blooming, Buzzing Confusion to Media Literacy: The Early Development of Television Viewing. Developmental Review.

Bandura, A. (1977). Social Learning Theory. Prentice Hall.

Christakis, D. A., Zimmerman, F. J., DiGiuseppe, D. L., & McCarty, C. A. (2004). Early Television Exposure and Subsequent Attentional Problems in Children. Pediatrics, 113(4), 708–713.

Shonkoff, J. P., & Phillips, D. A. (Eds.). (2000). From Neurons to Neighborhoods: The Science of Early Childhood Development. National Academies Press.

Singer, D. G., & Singer, J. L. (2005). Handbook of Children and the Media. Sage Publications.

World Health Organization. (2019). Guidelines on Physical Activity, Sedentary Behaviour and Sleep for Children Under 5 Years of Age.

Zimmerman, F. J., Christakis, D. A., & Meltzoff, A. N. (2007). Television and DVD/Video Viewing in Children Younger Than 2 Years. Archives of Pediatrics & Adolescent Medicine, 161(5), 473–479.

almorabbi - المربي

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم