الفضول من السمات الفطرية التي يولد بها جميع الأطفال، فهو يمثل الدافع الأول الذي يحركهم نحو التعرف إلى العالم المحيط بهم، واكتشاف الأشياء، وتجريبها، وطرح الأسئلة حولها. فالطفل منذ سنواته الأولى يسعى إلى لمس الأشياء، وتأملها، واختبار خصائصها، بدافع طبيعي نحو المعرفة، دون الحاجة إلى توجيه مباشر. ومن هنا تتجلى أهمية مرحلة التعليم الأولي، التي لا تقتصر على نقل المعارف، وإنما تعمل على استثمار هذا الفضول الطبيعي وتوجيهه ليصبح وسيلة فعالة للنمو المعرفي والاجتماعي والحركي. فالطفل الذي يتنقل بين أركان القسم، ويستكشف الأدوات، ويطرح الأسئلة باستمرار، لا يعبر عن سلوك عشوائي، بل يكشف عن استعداد طبيعي للتعلم ينبغي للمربي أن يستثمره ويوجهه بطريقة تربوية سليمة (Piaget, 1972).
ويشكل الفضول نقطة الانطلاق في عملية التعلم، لأنه يدفع الطفل إلى البحث عن المعلومات بنفسه، واكتشاف العلاقات بين الأشياء، ومحاولة تفسير الظواهر التي يلاحظها في بيئته. لذلك فإن تنمية الفضول خلال مرحلة التعليم الأولي تمكن الطفل من توسيع مجاله المعرفي، إذ كلما ازدادت فرصه في الاكتشاف والتجريب، ازدادت معارفه وخبراته، وأصبح أكثر قدرة على الفهم والتحليل والتعلم الذاتي. كما يساعد الفضول الطفل على الانفتاح على العالم الخارجي، وبناء علاقات اجتماعية أكثر مرونة، لأنه يدفعه إلى التواصل مع الآخرين، والاستفسار، والتفاعل مع محيطه، وهو ما يسهم في تنمية قدراته التواصلية والاجتماعية. إضافة إلى ذلك، يحد الفضول من الرتابة والجمود، ويحفز روح المبادرة والابتكار، لأن الطفل الفضولي يبحث دائماً عن حلول جديدة، ويجرب أساليب مختلفة للوصول إلى المعرفة (Vygotsky, 1978).
ولتحقيق هذه الأهداف، يعتمد التعليم الأولي على مجموعة من الأنشطة التربوية التي توظف فضول الطفل في مواقف تعليمية حقيقية. ومن أبرز هذه الأنشطة نشاط التفتح العلمي المرتبط بإنبات النباتات، حيث يشارك الأطفال في تجربة عملية تمكنهم من ملاحظة مراحل نمو النبتة، والتعرف إلى احتياجاتها، ومتابعة تطورها يوماً بعد يوم. ويتيح هذا النشاط للطفل ممارسة خطوات المنهج العلمي بصورة مبسطة، تبدأ بالملاحظة، ثم صياغة الفرضيات، فالقيام بالتجربة، وأخيراً الوصول إلى الاستنتاجات. ومن خلال هذه الممارسة، لا يكتسب الطفل معلومات حول النباتات فحسب، بل يتعلم أيضاً التفكير العلمي القائم على البحث والاستكشاف، وهو ما يعزز لديه حب المعرفة ويشبع فضوله الطبيعي (وزارة التربية الوطنية، الإطار المنهاجي للتعليم الأولي).
وتعد الخرجات التربوية من الوسائل المهمة أيضاً في تنمية الفضول، لأنها تنقل الطفل من التعلم داخل القسم إلى التعلم في البيئة الواقعية. فمن خلال زيارة الحديقة أو المزرعة أو الفضاءات الطبيعية، يكتشف الطفل الحيوانات والنباتات ومختلف عناصر البيئة، ويتعرف إلى أسمائها وخصائصها، ويتعلم الربط بين الكائنات الحية وبيئاتها الطبيعية. ويستثمر المربي هذه المواقف بتشجيع الأطفال على الملاحظة، وطرح الأسئلة، وتسمية الأشياء التي يشاهدونها، وربطها بالمعارف التي سبق أن اكتسبوها داخل المشروع الموضوعاتي، وبذلك يصبح التعلم أكثر ارتباطاً بالواقع وأكثر رسوخاً في ذاكرة الطفل.
كما يمكن تنمية الفضول من خلال أنشطة تعتمد على الحواس المختلفة، مثل ألعاب التمييز البصري باستخدام البطاقات والصور، أو أنشطة التعرف إلى أصوات الحيوانات والأناشيد لتنمية حاسة السمع، أو أنشطة الطين والرمل التي تساعد على تنمية حاسة اللمس، بالإضافة إلى الأنشطة التي توظف التذوق والشم في مواقف تعليمية آمنة. وتساعد هذه الأنشطة الطفل على اكتشاف خصائص الأشياء من خلال التجربة المباشرة، وهو ما يعزز فضوله ويجعله أكثر رغبة في استكشاف محيطه بطريقة نشطة.
ولا تقتصر تنمية الفضول على الأنشطة التعليمية فقط، بل تعتمد بدرجة كبيرة على أسلوب تعامل المربي مع الطفل. فمن الضروري أن يتيح المربي للطفل مساحة كافية للاستكشاف، دون الإفراط في حمايته أو منعه من التجربة بدافع الخوف عليه. فدور المربي لا يتمثل في منع الطفل من الاكتشاف، وإنما في تأمين البيئة المحيطة به والإشراف على أنشطته حتى يمارس فضوله في ظروف آمنة. وعندما يشعر الطفل بالأمان، يصبح أكثر استعداداً للمغامرة الفكرية، وأكثر رغبة في خوض تجارب جديدة.
ويحتاج المربي كذلك إلى التحلي بالصبر عند التعامل مع أسئلة الأطفال الكثيرة، لأن الطفل يدرك بطبيعته أنه لا يعرف كل شيء، ولذلك يسعى إلى بناء معارفه من خلال الاستفسار المستمر. ومن الخطأ تقديم الإجابات الجاهزة لكل سؤال يطرحه الطفل، لأن ذلك قد يحد من رغبته في البحث والاكتشاف. والأفضل أن يوجهه المربي نحو التفكير والبحث عن الإجابة بنفسه، من خلال طرح أسئلة مضادة، أو تشجيعه على الملاحظة والتجريب، وهو ما يعرف بالمرافقة التربوية في بناء المعرفة، حيث يصبح الطفل مشاركاً فعالاً في تعلمه بدلاً من أن يكون متلقياً سلبياً للمعلومات (Bruner, 1966).
كما ينبغي للمربي أن يحرص على استخدام لغة إيجابية عند توجيه الأطفال، وأن يتجنب العبارات الزجرية المباشرة مثل "لا تلمس" أو "لا تفعل". فبدلاً من المنع المجرد، يمكنه تفسير السبب وتقديم البديل المناسب، كأن يقول: "من الأفضل أن نغسل أيدينا بعد لمس حيوانات المزرعة"، أو "سنستعمل الماء لسقي النباتات حتى نحافظ عليه". فهذه الصياغة تساعد الطفل على فهم الأسباب، وتشجعه على التفكير في السلوك الصحيح، دون أن يشعر بأن فضوله مرفوض أو أن رغبته في الاستكشاف أمر سلبي.
وفي ختام هذه المسوغة التكوينية، يتضح أن التعليم الأولي يمثل المرحلة التي توضع فيها اللبنات الأولى لمسار الطفل الدراسي والشخصي. فمن خلال البرنامج التربوي، والأنشطة اليومية، والممارسات البسيطة التي يعتمدها المربي، يتمكن الطفل من تطوير مجموعة من المهارات الحياتية الأساسية، ومنها الثقة بالنفس، والإبداع، والمثابرة، والتعاون، والفضول وحب الاستطلاع. وتسهم هذه المهارات في تمكين الطفل من اكتشاف إمكاناته الحقيقية، وتنمية قدراته على التعلم المستمر، وإعداده ليصبح متعلماً مستقلاً، وقادراً على مواجهة مختلف التحديات بثقة وإيجابية. لذلك فإن الاستثمار في تنمية الفضول خلال مرحلة التعليم الأولي لا يقتصر أثره على نجاح الطفل داخل القسم، بل يمتد ليشكل أساساً لشخصية محبة للتعلم، وقادرة على الابتكار، والنجاح في مختلف مراحل الحياة.
المراجع
المؤسسة المغربية للتعليم الأولي
Bruner, J. S. (1966). Toward a Theory of Instruction. Cambridge, MA: Harvard University Press.
Piaget, J. (1972). The Psychology of the Child. New York: Basic Books.
Vygotsky, L. S. (1978). Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Cambridge, MA: Harvard University Press.
منظمة الصحة العالمية. (1999). مهارات الحياة: التعليم من أجل الصحة. جنيف: منظمة الصحة العالمية.
وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. الإطار المنهاجي للتعليم الأولي. الرباط.
وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. الدليل البيداغوجي للتعليم الأولي. الرباط.
