المثابرة من أهم المهارات الحياتية التي ينبغي تنميتها لدى طفل التعليم الأولي، لأنها تمثل الأساس الذي يساعده على مواجهة التحديات، والاستمرار في أداء المهام، وعدم الاستسلام عند مواجهة الصعوبات. فبعد اكتساب الطفل لمهارتي الثقة بالنفس والإبداع، يصبح بحاجة إلى مهارة تمكنه من تحويل حماسه ورغبته في التعلم إلى سلوك ثابت يقوم على الاستمرار وبذل الجهد حتى تحقيق الهدف. فالمثابرة ليست مجرد الإصرار على أداء مهمة معينة، وإنما هي قدرة الطفل على تقبل الفشل باعتباره خطوة طبيعية في مسار التعلم، وتحويله إلى فرصة لاكتساب خبرات جديدة وتحقيق النجاح مستقبلاً. لذلك يمكن اعتبار المثابرة مفتاحاً أساسياً للنجاح الدراسي والشخصي، لأنها تجعل الطفل أكثر قدرة على مقاومة الإحباط، وأكثر استعداداً لمواصلة التعلم رغم العقبات التي قد تعترض طريقه (Duckworth, 2016).
ويتميز الطفل المثابر بأنه لا ينهزم بسهولة، بل يحاول مرة بعد أخرى حتى يتمكن من إنجاز المهمة المطلوبة. ومن هذا المنطلق، فإن تنمية المثابرة خلال مرحلة التعليم الأولي تهدف إلى تعزيز استقلالية الطفل، وتشجيعه على خوض تجارب جديدة لم يسبق له أن مر بها، كما تساعده على اكتساب صفات شخصية إيجابية مثل قوة الإرادة، والعزيمة، والعناد الإيجابي، والرغبة في تحقيق أهداف بعيدة المدى. إن هذه الصفات لا تساعد الطفل فقط على النجاح في المرحلة الدراسية الحالية، وإنما تشكل قاعدة أساسية تمكنه من مواجهة تحديات الحياة مستقبلاً بثقة وإصرار (منظمة الصحة العالمية، 1999).
وتبرز أهمية الدور التربوي في تنمية المثابرة من خلال الحالة التي عرضها التكوين والمتعلقة بالطفلة صابرين. فقد سبق أن تبين أن الطفلة تتمتع بموهبة الإبداع، غير أن المربية، خلال اجتماع فردي مع والدتها، أشارت إلى أن صابرين تجد صعوبة في إتمام أنشطتها بسبب ضعف قدرتها على التركيز لفترة طويلة. غير أن رد فعل الأم كان قاسياً، إذ وجهت إليها عبارات لوم وانتقاد من قبيل أنها بطيئة ولا تنجز أعمالها مثل بقية الأطفال. ويعد هذا النوع من الخطاب من أكثر الأساليب التربوية ضرراً، لأن الطفل عندما يتعرض باستمرار لأوصاف سلبية مثل "أنت بطيء" أو "أنت غير كفء"، يبدأ تدريجياً في تصديق هذه الأحكام، فتتحول إلى جزء من صورته عن نفسه، مما يؤدي إلى انخفاض ثقته بقدراته وتراجع دافعيته نحو التعلم (Bandura, 1997).
وتوضح هذه الحالة أن صابرين لم تكن تفتقر إلى القدرة على التعلم، وإنما كانت تعاني من الإحباط عند أول تجربة فاشلة، وربما يرجع ذلك إلى خوفها من الفشل أو من الأحكام السلبية الصادرة عن المحيطين بها، أو إلى عدم قدرتها على الحفاظ على التركيز لمدة طويلة. لذلك فإن التدخل التربوي السليم لا يقوم على اللوم أو المقارنة مع الآخرين، وإنما يعتمد على تكييف الأنشطة التعليمية مع قدرات الطفل الحالية، بحيث يتمكن من إنجازها بدرجة مناسبة من الصعوبة، مع تشجيعه المستمر على إعادة المحاولة، وتعزيز كل تقدم يحققه مهما كان بسيطاً، والابتعاد عن إصدار الأحكام السلبية التي قد تؤثر في دافعيته نحو التعلم (Dweck, 2006).
ويستطيع المربي تنمية مهارة المثابرة من خلال مجموعة من الأنشطة التربوية الهادفة التي تجعل الطفل يختبر معنى المحاولة المتكررة بطريقة ممتعة. ومن بين هذه الأنشطة الألعاب التركيبية، مثل لعبة المكعبات أو الألغاز التركيبية، التي تتطلب من الطفل التفكير والتركيز وتحليل العلاقات بين الأجزاء للوصول إلى الحل. ففي بداية النشاط قد يعجز بعض الأطفال عن تركيب القطع بالشكل الصحيح، وهنا ينبغي على المربي أن يوضح لهم أن الفشل جزء طبيعي من عملية التعلم، وأن جميع الأشخاص يخطئون قبل أن ينجحوا، وأن تكرار المحاولة هو الطريق الحقيقي لاكتساب المهارة. كما يجب أن يراعي المربي مبدأ التدرج في مستوى الصعوبة، لأن الأطفال يختلفون في قدراتهم واستعداداتهم، وبالتالي فإن النجاح التدريجي يعزز لديهم الشعور بالكفاءة ويشجعهم على مواصلة المحاولة.
وتعد أنشطة الرسم والتلوين المعتمدة على تتبع النقاط من الوسائل الفعالة أيضاً لتنمية المثابرة، لأنها تتطلب من الطفل الدقة والتركيز والاستمرار حتى إكمال الرسم. ومن الأفضل تقسيم النشاط إلى مراحل صغيرة حتى يشعر الطفل بأنه قادر على إنجازه دون ملل أو إحباط، وهو ما يعلمه أهمية العمل المنظم، ويكسبه الصبر والدقة والقدرة على إنهاء المهام التي يبدأها.
كما تسهم الأنشطة الحركية في تنمية روح المثابرة، ومن أمثلتها لعبة المسار، حيث يتنافس الأطفال في جمع أكبر عدد من الكرات داخل السلة مع احترام مسار معين يتضمن الجري، والقفز، والزحف، ثم رمي الكرة. وتساعد هذه الأنشطة الطفل على مواجهة التحديات البدنية والنفسية في الوقت نفسه، كما تمنحه فرصة لاختبار النجاح بعد بذل الجهد، وهو ما يعزز لديه الرغبة في الاستمرار وعدم الاستسلام.
ويؤدي التشجيع اللفظي دوراً بالغ الأهمية في تعزيز المثابرة، إذ ينبغي للمربي أن يستخدم عبارات إيجابية تركز على الجهد المبذول أكثر من النتيجة النهائية، مثل: "أحسنت، لقد بذلت جهداً كبيراً"، أو "رائع، لم تستسلم رغم أن المهمة كانت صعبة"، أو "انظر كيف أصبحت أفضل بعد أن حاولت مرة أخرى". فمثل هذه العبارات تغرس لدى الطفل قناعة بأن النجاح يتحقق بالمحاولة والاجتهاد، وليس بالقدرات الفطرية وحدها، كما تساعده على تطوير عقلية النمو التي تجعله ينظر إلى الأخطاء باعتبارها فرصاً للتعلم وليس دليلاً على الفشل (Dweck, 2006).
وفي الختام، فإن تنمية المثابرة في مرحلة التعليم الأولي تعد من أهم الاستثمارات التربوية في شخصية الطفل، لأنها تعلمه الصبر، والاعتماد على النفس، ومواجهة الصعوبات بروح إيجابية، وعدم الاستسلام عند أول محاولة غير ناجحة. وكلما حرص المربي على توفير أنشطة تراعي الفروق الفردية، وتشجع الطفل على إعادة المحاولة، وتعزز جهوده بدل التركيز على أخطائه، ازدادت ثقته بقدراته، وأصبح أكثر استعداداً لتحقيق النجاح في مساره الدراسي وفي حياته المستقبلية، لأن المثابرة ليست مجرد مهارة مدرسية، بل هي أسلوب حياة يرافق الإنسان في مختلف مراحل نموه.
المراجع
المؤسسة المغربية للتعليم الأولي
Bandura, A. (1997). Self-Efficacy: The Exercise of Control. New York: W. H. Freeman.
Duckworth, A. (2016). Grit: The Power of Passion and Perseverance. New York: Scribner.
Dweck, C. S. (2006). Mindset: The New Psychology of Success. New York: Random House.
منظمة الصحة العالمية. (1999). مهارات الحياة: التعليم من أجل الصحة. جنيف: منظمة الصحة العالمية.
وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. الإطار المنهاجي للتعليم الأولي. الرباط.
وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. الدليل البيداغوجي للتعليم الأولي. الرباط.
