أهمية العواطف في تعلم الطفل ونموه في مرحلة التعليم الأولي

 العواطف أحد المكونات الأساسية في نمو الطفل وتعلمه، إذ تؤثر بصورة مباشرة في طريقة تفاعله مع البيئة المحيطة، وفي قدرته على التعلم، والتواصل، وبناء العلاقات الاجتماعية. وقد أكدت الدراسات الحديثة أن النمو العاطفي والاجتماعي لا ينفصل عن النمو المعرفي، بل يشكل أساسًا مهمًا للنجاح الأكاديمي والتكيف الاجتماعي. لذلك أصبح الاهتمام بتنمية المهارات العاطفية لدى الأطفال في مرحلة الطفولة المبكرة من أهم الأولويات التربوية داخل الأسرة ومؤسسات التعليم الأولي، لما لها من أثر بالغ في بناء شخصية متوازنة وقادرة على التفاعل الإيجابي مع الآخرين.

ويقصد بالعاطفة أنها استجابة أو حالة وجدانية تنشأ داخل الفرد نتيجة مؤثرات داخلية أو خارجية. فقد تكون هذه المؤثرات داخلية مثل الأفكار والذكريات والانفعالات الشخصية، وقد تكون خارجية ناتجة عن الأحداث والمواقف التي يمر بها الفرد في محيطه. وتظهر العاطفة في صورة استجابات نفسية وجسدية مؤقتة تعكس طبيعة الموقف الذي يعيشه الإنسان، ولذلك فإن فهم العواطف والتعامل معها بصورة سليمة يعد من المهارات الأساسية التي ينبغي تنميتها لدى الطفل منذ سنواته الأولى.



وتكتسب العواطف أهمية خاصة داخل العملية التعليمية، لأن التعلم في مرحلة الطفولة المبكرة يعتمد بدرجة كبيرة على المشاعر والخبرات الحسية المباشرة. فعندما يتعلم الطفل كيفية التواصل مع الآخرين، ويشعر بالقبول والأمان داخل بيئته التعليمية، يصبح أكثر استعدادًا للمشاركة والتفاعل، ويتمكن من فهم الأشخاص المحيطين به واستيعاب مشاعرهم، مما يسهل اندماجه داخل الجماعة ويزيد من دافعيته نحو التعلم. ولهذا فإن البيئة التعليمية الداعمة عاطفيًا تسهم في تحسين جودة التعلم وتعزيز النمو الشامل للطفل.

وقد أظهرت العديد من الدراسات الحديثة أن امتلاك الأطفال للمهارات العاطفية يعد شرطًا أساسيًا لتحقيق النجاح الأكاديمي والاندماج الاجتماعي. فالطفل الذي يستطيع فهم مشاعره والتعبير عنها بطريقة مناسبة، ويدرك مشاعر الآخرين ويتفاعل معها بإيجابية، يكون أكثر قدرة على إقامة علاقات ناجحة مع المربية وأفراد الأسرة والأصدقاء، كما يحقق مستويات أفضل في الأداء الدراسي، لأن إدراك العواطف وتنظيمها يسهم في تحسين التركيز، والتعاون، وحل المشكلات، والتكيف مع المواقف المختلفة.

وتعد المهارات العاطفية جزءًا لا يتجزأ من الممارسات اليومية داخل مؤسسات التعليم الأولي، إذ تمنح الأطفال فرصًا أكبر للتمتع بصحة نفسية جيدة، وتعزز قدرتهم على التواصل مع الآخرين، وتنمي لديهم الثقة بالنفس والشعور بالكفاءة، كما ترتبط بتحقيق أداء أكاديمي أفضل، والحد من ظهور المشكلات السلوكية، وتنمية روح التعاطف مع الآخرين، إلى جانب تطوير المرونة النفسية والقدرة على التكيف مع التغيرات والمواقف الجديدة.

ومن الخصائص النمائية التي ينبغي أن يدركها المربي أن الطفل في مرحلة الطفولة المبكرة لا يكون قادرًا بعد على التحكم الكامل في سلوكياته وانفعالاته، وذلك بسبب عدم اكتمال نضج بعض مناطق الدماغ المسؤولة عن التفكير المنطقي، والتخطيط، والاستدلال، واتخاذ القرارات المناسبة. ولهذا السبب قد تبدو ردود أفعال الطفل مبالغًا فيها أو غير متناسبة مع الموقف بالنسبة للراشدين، مما يؤدي أحيانًا إلى إساءة فهمه ووصفه بأنه طفل مدلل أو كثير الشغب، بينما يكون السبب الحقيقي هو عدم اكتمال نمو قدراته على تنظيم انفعالاته.

وانطلاقًا من ذلك، يتحمل المربي دورًا محوريًا في مساعدة الطفل على تعلم التعبير عن مشاعره وتنظيمها بطريقة سليمة. ويتمثل هذا الدور في تشجيع الطفل على وصف مشاعره بالكلمات، ومنحه الفرصة للحديث عما يشعر به، ومساعدته على تسمية العواطف المختلفة حتى يمتلك رصيدًا لغويًا يساعده على التعبير عن ذاته. فكلما توسعت مفرداته العاطفية، أصبح أكثر قدرة على فهم مشاعره والتعامل معها بصورة إيجابية.

ويمكن للمربي تنمية هذه المهارات من خلال مجموعة متنوعة من الأنشطة التربوية التي تجعل الطفل يتعرف على المشاعر المختلفة ويميز بينها. فمن الممكن عرض صور تعبر عن مشاعر الفرح والحزن والغضب والخوف والهدوء والشجاعة والحب، أو توظيف القصص المصورة والألعاب التعليمية ومشاهد الرسوم المتحركة للحديث عن الشخصيات ومشاعرها المختلفة، كما يمكن استثمار المواقف اليومية داخل القسم لتوضيح الانفعالات بصورة عملية تساعد الطفل على الربط بين الموقف والشعور الناتج عنه.

ويعد استخدام المربي لمشاعره الخاصة وسيلة تعليمية فعالة، إذ يمكنه أن يعبر أمام الأطفال عن مشاعره بطريقة واضحة، كأن يقول: "أشعر بالحزن لأنك تحدثت مع زميلك بطريقة غير لائقة"، أو "أشعر بالسعادة لأنك تحملت مسؤولية ترتيب أدوات القسم". ويمكن أن يدعم هذا التعبير باستخدام تعابير الوجه أو الرسوم أو الصور أو الأغاني المناسبة للأطفال، كما يمكن إعداد وسائل تعليمية مثل "ساعة المشاعر" التي تساعد الطفل على التعرف على حالته الانفعالية واختيار المشاعر التي يعيشها في كل لحظة.

وفي كثير من الأحيان قد يجد الطفل صعوبة في التعبير عن مشاعره بالكلمات، لذلك ينبغي على المربي أن يكون قادرًا على ملاحظة إشارات الطفل غير اللفظية، مثل تعابير الوجه، ولغة الجسد، ونبرة الصوت، مع الإصغاء الجيد لما يقوله. فإذا كان الطفل غاضبًا أو يبكي، فمن الأفضل تهدئته أولًا ثم تشجيعه على الحديث عن شعوره من خلال طرح أسئلة مفتوحة، مثل: "هل تستطيع أن تخبرني كيف تشعر؟"، أو "هل تعتقد أن ما تشعر به هو غضب أم حزن؟"، أو "هل هناك شيء آخر ترغب في إضافته حتى أفهم مشاعرك بشكل أفضل؟". وبعد ذلك يُترك للطفل المجال ليروي ما حدث من وجهة نظره، مع تجنب فرض تفسير معين لمشاعره، حتى يتمكن بنفسه من اكتشاف طبيعة الانفعال الذي يعيشه.

كما ينبغي أن يكون المربي قدوة حسنة في التعبير عن المشاعر، لأن الطفل يتعلم بدرجة كبيرة من خلال الملاحظة والتقليد. فعندما يعبر المربي عن مشاعره بطريقة هادئة وواضحة أمام الأطفال، فإنه يقدم لهم نموذجًا عمليًا لكيفية التعامل مع الانفعالات المختلفة. فعلى سبيل المثال يمكنه أن يقول: "أشعر بالغضب عندما لا نحترم قواعد العيش داخل القسم"، أو "أشعر بالسعادة عندما أستقبلكم كل صباح". ويساعد هذا الأسلوب الأطفال على فهم أن التعبير عن المشاعر بالكلمات أمر طبيعي وصحي، ويشجعهم على القيام بالمثل.

وفي الختام، فإن تنمية المهارات العاطفية لدى الطفل لا تقل أهمية عن تنمية مهاراته المعرفية أو اللغوية، بل تعد أساسًا لتحقيق التعلم الفعال والتكيف الاجتماعي السليم. فكل سلوك يصدر عن الطفل يكون في الغالب نتيجة فكرة أو شعور داخلي، ولذلك فإن فهم عالم الطفل الانفعالي ومساعدته على التعبير عنه وتنظيمه يمثلان أحد أهم أدوار المربي والأسرة في مرحلة التعليم الأولي، بما يسهم في بناء شخصية متوازنة، واثقة بنفسها، وقادرة على النجاح في حياتها المدرسية والاجتماعية.

المراجع

Berk, L. E. (2022). Development Through the Lifespan (8th ed.). Pearson.

Denham, S. A. (2006). Social-Emotional Competence as Support for School Readiness. Early Education and Development, 17(1), 57–89.

CASEL (Collaborative for Academic, Social, and Emotional Learning). (2024). What is Social and Emotional Learning (SEL)?

Papalia, D. E., & Martorell, G. (2021). Experience Human Development (15th ed.). McGraw-Hill.

UNICEF. (2017). Early Moments Matter for Every Child.

منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو). التعليم والرعاية في مرحلة الطفولة المبكرة.

almorabbi - المربي

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم