مرحلة ما قبل التمدرس من أهم المراحل التي يمر بها الطفل، إذ تشكل الأساس الذي تُبنى عليه شخصيته الاجتماعية والعاطفية في المستقبل. فالخبرات التي يكتسبها الطفل والعلاقات التي يعيشها خلال السنوات الأولى من حياته تترك آثارًا بعيدة المدى على نموه النفسي والاجتماعي، وتؤثر في قدرته على التفاعل مع الآخرين، وفهم مشاعره، وتنظيم انفعالاته. ولهذا فإن معرفة خصائص النمو الاجتماعي والعاطفي في كل مرحلة عمرية تساعد المربي على اختيار الأساليب التربوية المناسبة، والاستجابة لحاجات الطفل بما يتلاءم مع مستوى نموه.
تلعب مرحلة الطفولة المبكرة دورًا حاسمًا في تنمية الكفاءات الاجتماعية والعاطفية التي يحتاج إليها الطفل لفهم التفاعلات اليومية والاستفادة منها في التعلم والتكيف مع محيطه. ويقتضي تقييم هذا النمو امتلاك رؤية واضحة حول الخصائص التي تميز كل مرحلة عمرية، لأن النمو الاجتماعي والعاطفي يتطور تدريجيًا مع تقدم الطفل في السن، وتزداد معه قدرته على التعبير عن مشاعره، وتنظيم سلوكه، وإقامة علاقات أكثر نضجًا مع الآخرين.
في المرحلة الممتدة بين الرابعة والخامسة من العمر يحقق الطفل تقدمًا ملحوظًا على المستوى العاطفي، حيث يصبح أكثر قدرة على تحمل المشاعر غير السارة، ويستخدم استراتيجيات مختلفة لتهدئة نفسه عند التعرض للمواقف المزعجة. كما يزداد تمكنه من التعبير عن حاجاته ومشاعره بالكلمات، فيصبح قادرًا على قول عبارات مثل: "أنا متعب" أو "أنا حزين"، بدل الاقتصار على البكاء أو السلوك الانفعالي. ويستطيع كذلك توقع بعض المواقف وتجنب ما قد يسبب له الانزعاج، كما يعبر عن الفرح والحماس والإثارة قبل المشاركة في الأنشطة التي يحبها.
ويظهر التطور الانفعالي أيضًا في طريقة تعبير الطفل عن الغضب، إذ يبدأ في استخدام الكلمات وتعابير الوجه والإيماءات مثل عقد الذراعين أو العبوس بدل اللجوء إلى السلوكيات العدوانية كالرمي أو الضرب أو الركل. كما تزداد ثقته بنفسه، ويصبح أكثر وعيًا بقدراته وما يميزه عن الآخرين، ويستوعب القواعد بصورة أفضل ويحرص على الالتزام بها. ويستطيع التعبير عن غضبه بشكل أكثر هدوءًا، وهو ما يعكس نموًا تدريجيًا في قدرته على ضبط الانفعالات.
وعلى المستوى الاجتماعي، تتطور علاقات الطفل مع أقرانه بصورة واضحة، فيصبح أكثر قدرة على العمل والتعاون معهم لتحقيق أهداف مشتركة، كما يزداد صبره ومثابرته عند مواجهة المهام الصعبة. ويبدأ تدريجيًا في الابتعاد عن التمركز حول الذات، ويأخذ بعين الاعتبار وجهة نظر الآخرين، مما يؤدي إلى نمو التعاطف لديهم. ورغم أن الطفل في هذه المرحلة يحب اللعب مع الأطفال الآخرين، فإن اهتمامه ما يزال يتمحور بدرجة كبيرة حول ذاته، وقد يظهر أحيانًا مشاعر الغيرة أو بعض السلوكيات العدوانية، إلا أنه يتعلم شيئًا فشيئًا المشاركة والتعاون واحترام الآخرين.
ويتعلم الطفل كذلك بعض قواعد السلوك الاجتماعي، فيحيي الكبار الذين يعرفهم، ويستخدم عبارات اللباقة مثل "من فضلك" و"شكرًا"، كما يستمتع بألعاب التظاهر والتمثيل، حيث يبتكر مواقف خيالية أكثر تعقيدًا، مثل تمثيل نزاع مع طفل آخر أو تقليد مواقف الحياة اليومية، مما يساعده على التعبير عن مشاعره وفهم مشاعر الآخرين بطريقة غير مباشرة.
أما في المرحلة الممتدة بين الخامسة والسادسة من العمر، فإن الطفل يحقق مستوى أكبر من النضج العاطفي، إذ يصبح أكثر قدرة على التحكم في ردود أفعاله، رغم أنه لا يزال بحاجة إلى دعم الكبار عند التعرض للمشاعر القوية. كما يتحسن تعبيره اللفظي عن مشاعره، ويصبح قادرًا على التعرف على الحالة الانفعالية للآخرين من خلال ملاحظة تعابير وجوههم وإيماءاتهم، وهو ما يعزز قدرته على التفاعل الاجتماعي السليم.
ويزداد استقلال الطفل في هذه المرحلة، فيستطيع التعبير عن حاجاته واتخاذ بعض القرارات المناسبة، كما يصبح أكثر استعدادًا لمواجهة التحديات اليومية. ومع تطور فهمه للقواعد الاجتماعية، تبدأ لديه مشاعر أكثر تعقيدًا مثل الخجل والشعور بالذنب والفخر، ويصبح أكثر مراعاة لمشاعر الآخرين، وقد يدفعه ذلك إلى مواساة صديق حزين أو تقديم المساعدة لمن يحتاج إليها.
كما تتطور صورة الطفل عن ذاته، فيصبح قادرًا على وصف نفسه بصفات إيجابية بهدف الحصول على القبول والإعجاب، ويقارن نفسه بأقرانه لتقييم قدراته، سواء في اللعب أو الأنشطة الرياضية أو غيرها. ويحب اللعب مع الأصدقاء، كما يستطيع الاستمتاع باللعب الفردي عند الحاجة، ويواصل اهتمامه بألعاب الأدوار، خاصة تلك التي يقلد فيها تصرفات الكبار، مما يسهم في تعزيز تعلمه الاجتماعي.
وعلى المستوى الاجتماعي، يصبح الطفل أكثر فهمًا للقواعد الأسرية والاجتماعية وأكثر قدرة على احترامها، كما يستطيع تفسير تعابير وجوه الآخرين وفهم مشاعرهم بصورة أفضل، ويحترم حاجاتهم وخصوصياتهم، ويميز بوضوح أكبر بين الصواب والخطأ. ويسعى كذلك إلى الحصول على رضا الكبار وموافقتهم، ويظهر استعدادًا أكبر للتعاون والعمل ضمن المجموعة، وإن كان لا يزال يحتاج إلى توجيه وإشراف من شخص بالغ في بعض المواقف.
ويبرز دور المربي خلال هذه المرحلة في ملاحظة الفروق الفردية بين الأطفال، وتوفير بيئة تعليمية آمنة تساعدهم على التعبير عن مشاعرهم بحرية، وتشجعهم على التعاون واحترام القواعد وتنمية التعاطف مع الآخرين. كما ينبغي أن يستثمر اللعب والقصص والأنشطة الجماعية في تعزيز المهارات الاجتماعية والعاطفية، مع تقديم الدعم المناسب لكل طفل وفق مستوى نموه، لأن النمو في هذه المرحلة لا يسير بالوتيرة نفسها لدى جميع الأطفال.
وفي الختام، فإن التطور الاجتماعي والعاطفي في مرحلة ما قبل التمدرس يمثل حجر الأساس لبناء شخصية الطفل، إذ ينتقل تدريجيًا من التمركز حول الذات إلى فهم الآخرين والتفاعل معهم بصورة أكثر نضجًا. وكلما حظي الطفل ببيئة أسرية وتربوية داعمة، ازدادت قدرته على تنظيم مشاعره، والتواصل الإيجابي، واحترام القواعد، وبناء علاقات اجتماعية ناجحة، وهي مهارات سترافقه طوال حياته الدراسية والاجتماعية.
المراجع
Berk, L. E. (2022). Development Through the Lifespan (8th ed.). Pearson.
Papalia, D. E., & Martorell, G. (2021). Experience Human Development (15th ed.). McGraw-Hill.
Santrock, J. W. (2023). Child Development (16th ed.). McGraw-Hill.
Denham, S. A. (2006). Social-Emotional Competence as Support for School Readiness. Early Education and Development, 17(1), 57–89.
CASEL (Collaborative for Academic, Social, and Emotional Learning). What is Social and Emotional Learning (SEL)?
UNICEF. (2017). Early Moments Matter for Every Child.
