القدرات الحسية والإدراكية لدى حديثي الولادة والمبتسرين: خلاصة علمية حول بدايات التعلم والنمو

 تكشف الدراسات الحديثة في علم نفس النمو وعلم الأعصاب النمائي أن الطفل لا يأتي إلى العالم بوصفه كائنًا سلبيًا لا يمتلك إلا مجموعة من المنعكسات الفطرية، بل يصل إلى الحياة الخارجية وهو مزود بمجموعة من القدرات الحسية والإدراكية التي تسمح له منذ لحظاته الأولى باستقبال المعلومات القادمة من البيئة، والتمييز بين بعض خصائصها، والتعلم منها تدريجيًا.

وتشمل هذه القدرات حواس اللمس والسمع والبصر والشم والتذوق، إضافة إلى القدرة المبكرة على الربط بين المعلومات القادمة من أكثر من حاسة واحدة. وقد بينت الأبحاث كذلك أن بعض هذه القدرات تبدأ جذورها قبل الولادة، خلال الحياة الجنينية، ثم تتطور بسرعة بعد خروج الطفل إلى العالم الخارجي. وتؤكد المراجعات العلمية أن نمو الأجهزة الحسية يبدأ بالفعل خلال الحياة الجنينية، ثم يستمر بعد الولادة بالتفاعل مع الخبرة والبيئة.

ولا تقتصر هذه الصورة على الأطفال الذين يولدون في موعدهم الطبيعي، فقد أثبتت الدراسات التي أجريت على الأطفال المبتسرين أن بعض عمليات التعلم والتمييز الحسي تكون قابلة للملاحظة حتى قبل بلوغ العمر الذي كان يفترض أن تتم فيه الولادة الطبيعية.

ولهذا تمثل دراسة الطفل حديث الولادة والمبتسر نافذة مهمة لفهم الطريقة التي يبدأ بها الإنسان علاقته بالعالم.

القدرات الحسية والإدراكية لدى حديثي الولادة والمبتسرين: خلاصة علمية حول بدايات التعلم والنمو

المولود الجديد ليس متلقيًا سلبيًا

كان الاعتقاد القديم يميل إلى النظر إلى الطفل حديث الولادة باعتباره كائنًا محدود الإدراك لا يبدأ تعلم العالم إلا بعد مرور فترة من الزمن.

لكن التقنيات التجريبية الحديثة غيرت هذه الصورة بصورة كبيرة.

فالطفل يستطيع منذ الأيام الأولى إظهار تفضيلات بصرية وسمعية، والاعتياد على بعض المثيرات، والاستجابة للجِدّة، والتعرف إلى بعض الأصوات والروائح المألوفة، والتمييز بين أشكال مختلفة باللمس، وربط معلومات حسية بعضها ببعض.

وهذا لا يعني أن قدراته تماثل قدرات الطفل الأكبر سنًا أو الراشد.

فالرؤية ما تزال غير ناضجة، والحركة غير دقيقة، والانتباه محدود، والذاكرة في مراحلها الأولى.

لكن وجود هذه الحدود لا يعني غياب الإدراك.

بل يكشف أن الأسس الأولى للتعلم موجودة منذ البداية، ثم تتوسع وتتطور بصورة مستمرة.

الحواس تبدأ عملها في أوقات مختلفة

لا تنضج جميع الحواس بالوتيرة نفسها.

فاللمس من الحواس التي تبدأ مبكرًا خلال الحياة الجنينية، في حين تستمر الرؤية في النضج فترة طويلة بعد الولادة.

كما يتعرض الجنين في الرحم إلى الأصوات والروائح والنكهات والحركة والضغط، ثم يستمر بعد الولادة في استقبال معلومات أكثر تنوعًا ووضوحًا.

ولهذا يدخل الطفل إلى العالم ومعه قدر من الخبرة السابقة.

فهو لا يسمع صوت الأم للمرة الأولى بالمعنى المطلق بعد ولادته، لأن بعض خصائص هذا الصوت وصلت إليه خلال الحمل.

ولا يبدأ التعرض للنكهات والروائح يوم الولادة فقط، لأن بعض المركبات المرتبطة بغذاء الأم تصل إلى السائل الأمنيوسي الذي يعيش فيه الجنين.

وتكشف هذه المعطيات أن الولادة مرحلة انتقالية كبيرة في الخبرة الحسية، لكنها ليست نقطة الصفر في نشأة الإدراك.

اللمس بوابة مبكرة لاستكشاف العالم

يحتل اللمس مكانة خاصة في نمو الطفل.

فالجنين يلامس جدار الرحم وأجزاء جسمه والحبل السري، ويتعرض باستمرار إلى الضغط والحركة.

وبعد الولادة يصبح اللمس أحد أهم مصادر المعلومات عن البيئة.

فعندما يوضع جسم مناسب في يد الطفل، يستطيع الحصول على معلومات عن بعض خصائصه.

وقد أظهرت الدراسات على حديثي الولادة والأطفال المبتسرين أن الطفل يستطيع التعوّد على شكل لمسي يتكرر في يده ثم الاستجابة بصورة مختلفة عندما يقدم له شكل جديد.

وهذا النوع من التجارب مهم لأنه يدل على وجود أكثر من مجرد منعكس قبض.

فالطفل لا يمسك الجسم فقط، وإنما يستطيع أن يتعلم عنه ويكوّن أثرًا في الذاكرة يسمح له بالتمييز بين المألوف والجديد.

السمع والتعلم قبل الولادة

يبدأ الجهاز السمعي العمل خلال الحياة الجنينية، ويعيش الجنين في بيئة صوتية غنية.

فهو يسمع أصواتًا ناتجة عن جسم الأم، مثل ضربات القلب والتنفس والحركة، كما تصل إليه أصوات من البيئة الخارجية بعد أن تتغير بعض خصائصها خلال انتقالها عبر أنسجة جسم الأم والسائل المحيط به.

ومن أبرز الأصوات التي تتكرر أمام الجنين صوت الأم.

وقد كشفت أبحاث عديدة أن حديثي الولادة يستطيعون إظهار تفضيل أو استجابة مميزة لصوت الأم مقارنة بأصوات أخرى.

كما يمكن أن تظهر لديهم ألفة مع بعض خصائص اللغة التي سمعوها بصورة متكررة قبل الولادة.

وهكذا يصبح السمع أحد الأمثلة الواضحة على الاستمرارية بين الحياة الجنينية والحياة بعد الولادة.

البصر: حاسة موجودة ولكنها غير مكتملة

يستطيع المولود الجديد الرؤية، إلا أن حدة بصره تكون أقل بكثير من حدة بصر الراشد.

ومع ذلك فهو لا يعيش في عالم بصري فارغ.

يمكنه الانتباه إلى التباينات الواضحة والحركة وبعض الأشكال، كما يظهر اهتمامًا خاصًا بالوجوه.

وتتحسن قدرته على تثبيت النظر وتتبع الأجسام واستكشاف التفاصيل بسرعة خلال الأشهر الأولى.

وهذا التطور لا ينتج عن نضج الجهاز البصري وحده، وإنما يحدث أيضًا نتيجة الخبرة المتكررة.

فكلما تعامل الطفل مع الوجوه والأشياء والحركات المحيطة به، ازدادت خبرته في تفسير المعلومات التي تصل إلى العين.

الشم والتذوق منذ الأيام الأولى

يمتلك المولود الجديد قدرات واضحة في الشم والتذوق.

فهو لا يستجيب بالطريقة نفسها لجميع المذاقات، كما يستطيع التمييز بين بعض الروائح.

وأظهرت مراجعة منهجية للشم لدى حديثي الولادة أن هناك أدلة على معالجة الجنين للمثيرات الشمية داخل الرحم واستمرار بعض التفضيلات بعد الولادة، ومن بينها الاستجابة للروائح المرتبطة بالأم وحليبها.

وتساعد هذه القدرات الطفل في بداية حياته على التكيف مع التغذية والقرب من الأم، كما تدخل في بناء الألفة المبكرة مع البيئة المحيطة.

الحواس لا تعمل في عوالم منفصلة

من أهم الأفكار التي تكشفها أبحاث حديثي الولادة أن الحواس لا تعمل بصورة منعزلة تمامًا.

فالطفل لا يعيش في عالم من الأصوات منفصل عن عالم اللمس أو الرؤية.

إنه يتلقى المعلومات المختلفة في الوقت نفسه، ثم يبدأ الدماغ في الربط بينها.

وقد بينت الدراسات أن حديثي الولادة يستطيعون في ظروف معينة نقل معلومات بين اللمس والرؤية، أو الربط بين بعض الخصائص السمعية والبصرية.

وتشير مراجعة حديثة لأبحاث الإدراك متعدد الحواس لدى المواليد إلى وجود أدلة على أن الطفل مزود منذ الولادة باستعداد للربط بين المعلومات القادمة من قنوات حسية مختلفة من أجل تكوين تمثيل أكثر استقرارًا للعالم.

وهذه النتيجة مهمة جدًا.

فهي تعني أن نمو الإدراك ليس مجرد تطور خمس حواس مستقلة، بل هو أيضًا تطور طريقة عمل هذه الحواس معًا.

الأطفال المبتسرون وقدراتهم الحسية

تقدم دراسة الأطفال المبتسرين فرصة علمية خاصة.

فالطفل المولود قبل موعده الطبيعي يصبح موجودًا في العالم الخارجي خلال مرحلة كان من المفترض أن يقضيها داخل الرحم.

وبذلك يستطيع الباحثون دراسة بعض القدرات الحسية والتعلمية في أعمار مبكرة جدًا.

وأظهرت الدراسات التي تناولناها في هذا المحور أن الأطفال المبتسرين يستطيعون التعوّد لمسيًا على الأشكال والتمييز بينها.

كما أظهرت الدراسات أن هذه العمليات يمكن أن تتأثر بخصائص البيئة، كما حدث عند تعرض الأطفال لأصوات الإنذار أثناء التعلم اللمسي.

وهذا يؤكد فكرتين متكاملتين:

الأولى أن الطفل المبتسر يمتلك بالفعل قدرة على التعلم.

والثانية أن هذه القدرة تحدث داخل جهاز عصبي ما يزال شديد الحساسية للبيئة.

ولهذا فإن العناية ببيئة الطفل المبتسر لا تتعلق بالراحة فقط، وإنما قد ترتبط كذلك بالظروف التي تحدث فيها عمليات التعلم المبكر.

البيئة الحسية عنصر من عناصر النمو

الأصوات والروائح واللمسات والصور والحركة كلها عناصر تدخل في الخبرة اليومية للطفل.

ومن خلال تعرضه المتكرر لهذه الخبرات تتغير قدراته تدريجيًا.

وهذا لا يعني أن الطفل يحتاج إلى برنامج دائم من «التحفيز» أو إلى تعريضه إلى أكبر كمية ممكنة من المثيرات.

فالمثيرات الكثيرة والمزعجة قد تكون مرهقة، خاصة لدى الطفل المبتسر.

والحرمان الشديد من التفاعل بدوره غير مرغوب فيه.

والأهم هو البيئة الطبيعية المتوازنة التي تقدم للطفل فرصًا مناسبة لسماع الكلام، والنظر إلى الوجوه، والإحساس باللمس، والحركة، واللعب والتفاعل.

فالهدف ليس كمية المثيرات بقدر ما هو ملاءمتها لحالة الطفل وعمره ومستوى نموه.

الخبرة تبني فوق الاستعداد البيولوجي

توجد لدى الطفل منذ البداية استعدادات بيولوجية تسمح له باستقبال العالم.

لكن هذه الاستعدادات وحدها لا تفسر كل ما سيصبح عليه.

فالخبرة تؤدي دورًا مستمرًا في تشكيل القدرات الإدراكية.

يتعلم الطفل من الأصوات التي يسمعها.

ومن الوجوه التي يراها.

ومن الأشياء التي يلمسها.

ومن الروائح والمذاقات التي يتعرض لها.

ومن حركة جسمه.

ومن التفاعل الاجتماعي مع الأشخاص المحيطين به.

ومع مرور الوقت تصبح استجاباته أكثر تنظيمًا، وتتوسع ذاكرته، ويتحسن انتباهه، ويصبح قادرًا على معالجة مواقف أكثر تعقيدًا.

وبذلك فإن النمو عملية دينامية مستمرة تنشأ من التفاعل بين النضج البيولوجي والخبرة.

نتائج الدراسات هي متوسطات وليست أحكامًا فردية

من أهم النقاط التي يؤكد عليها الباحث ضرورة فهم النتائج العلمية بصورة صحيحة.

عندما تقول دراسة إن الأطفال يكتسبون قدرة معينة عند عمر معين، فإن ذلك لا يعني أن جميع الأطفال سيظهرون القدرة نفسها في اليوم أو الأسبوع أو الشهر نفسه.

الدراسات تعتمد على مجموعات من الأطفال.

ثم يحسب الباحثون متوسطات وتوزيعات إحصائية.

لكن الطفل الفرد قد يكون أسرع أو أبطأ من المتوسط من دون أن يعني ذلك بالضرورة وجود مشكلة.

وهذه القاعدة مهمة جدًا بالنسبة إلى الوالدين.

فالفرق بين الطفل والمتوسط الإحصائي ليس تشخيصًا.

والنمو الطبيعي نفسه يحتوي على مجال واسع من الاختلاف بين الأطفال.

المشي مثال واضح على الاختلاف الطبيعي

يضرب الباحث مثالًا بالمشي.

فالكثير من الأطفال يبدأون المشي بصورة مستقلة حول عمر 12 شهرًا تقريبًا، ولكن هذا الرقم ليس موعدًا إلزاميًا.

وتؤكد بيانات منظمة الصحة العالمية اتساع المجال الطبيعي لاكتساب المشي المستقل؛ فقد تراوح نطاق الإنجاز في الدراسة متعددة البلدان تقريبًا بين 8.2 و17.6 شهرًا، وكان المتوسط نحو 12.1 شهرًا.

وهذا يعني أن طفلًا قد يبدأ المشي مبكرًا، بينما يحتاج طفل آخر إلى عدة أشهر إضافية، ويمكن أن يقع كلاهما ضمن التباين الطبيعي.

لكن هذا لا يعني تجاهل التأخر أو أي علامات أخرى تثير القلق.

فجداول النمو تستخدم لتوجيه المتابعة والمساعدة على معرفة متى قد يكون التقييم المهني مناسبًا، وليس لوضع أحكام قاطعة على كل طفل انطلاقًا من رقم واحد. وتوضح منظمة الصحة العالمية نفسها أن نوافذ اكتساب المهارات الحركية تصف التباين الطبيعي ويمكن أن تساعد في الإشارة إلى الحالات التي قد تحتاج إلى فحص إضافي.

لكل طفل وتيرته الخاصة

الاختلافات الفردية ليست استثناءً في نمو الطفل، بل جزء طبيعي منه.

قد يتقدم طفل بسرعة في اللغة، بينما يتقدم آخر بصورة أسرع في الحركة.

وقد يظهر طفل اهتمامًا مبكرًا بالوجوه والتواصل، بينما يكون آخر أكثر تركيزًا على استكشاف الأشياء.

وتتداخل في هذه الاختلافات عوامل عديدة:

— الخصائص البيولوجية الفردية.
— العمر الحملي عند الولادة.
— الخبرات التي يمر بها الطفل.
— البيئة الأسرية والاجتماعية.
— فرص الحركة والاستكشاف.
— نوعية التفاعل مع الوالدين.
— الحالة الصحية العامة.
— طبيعة كل مرحلة من مراحل النمو.

ولهذا فإن مقارنة الطفل باستمرار بطفل آخر ليست طريقة دقيقة لفهم نموه.

الأهم هو متابعة مساره الخاص وما إذا كان يواصل اكتساب قدرات جديدة بصورة تدريجية.

الوالدان جزء من بيئة النمو

يلعب الوالدان ومقدمو الرعاية دورًا أساسيًا في الخبرة الحسية والاجتماعية للطفل.

فكل مرة تتحدث فيها الأم أو الأب إلى الطفل، وكل مرة يحمله أحدهما وينظر إليه ويستجيب إلى صوته أو حركته، تحدث تجربة تعلم صغيرة.

ولا يحتاج هذا التفاعل إلى أدوات معقدة.

فالحياة اليومية نفسها توفر فرصًا كثيرة للنمو.

يمكن دعم الطفل من خلال الحديث الطبيعي معه، والابتسام له، والاستجابة إلى أصواته، وحمله بلطف، والسماح له باستكشاف الأشياء الآمنة، واللعب معه، وإتاحة الحركة المناسبة لعمره.

وقد أظهرت مراجعة منهجية حول التفاعل بين الأم والرضيع خلال السنة الأولى وجود ارتباط بين نوعية التفاعل المبكر وجوانب متعددة من تطور الطفل.

لا حاجة إلى تحويل المنزل إلى مختبر

معرفة أن الطفل يستطيع التعلم منذ الولادة لا تعني أن الوالدين مطالبان باختباره بصورة مستمرة.

لا توجد حاجة إلى وضع الطفل أمام سلسلة من التمارين لمعرفة هل يميز شكلًا أو لونًا أو صوتًا.

ولا توجد حاجة إلى تعريضه باستمرار إلى مواد تعليمية بهدف تسريع نموه.

ففي معظم الحالات تكون الحياة الطبيعية نفسها غنية للغاية بالمعلومات.

وجه الأم والأب.

أصوات أفراد الأسرة.

تغير الضوء بين النهار والليل.

الحمل والرضاعة.

الاستحمام والملابس.

الألعاب الآمنة.

الحركة في المنزل وخارجه.

كل هذه الخبرات تقدم للطفل معلومات مستمرة عن العالم.

وتشير مراجعات حديثة إلى أن الخبرات الحسية والحركية المتنوعة تشكل جزءًا أساسيًا من النمو المعرفي المبكر، وأن فهم النمو يستفيد من النظر إلى الطفل كنظام ديناميكي يتفاعل مع بيئته بدل التعامل مع كل قدرة بصورة منفصلة.

التفاعل الطبيعي أفضل من الإفراط في التنبيه

ينبغي التمييز بين توفير بيئة غنية وبين الإفراط في التنبيه.

فالبيئة الغنية هي البيئة التي يحصل فيها الطفل على فرص طبيعية مناسبة لعمره للتفاعل والاستكشاف.

أما الإفراط في التنبيه فهو تعريض الطفل إلى كمية من الأصوات أو الصور أو الألعاب أو التفاعلات تتجاوز قدرته على تنظيم الانتباه والراحة.

والطفل، وخاصة المبتسر، يحتاج إلى النوم والهدوء بقدر حاجته إلى التفاعل.

ومن هنا يصبح الانتباه إلى إشارات الطفل مهمًا.

إذا كان يقظًا وهادئًا فقد يكون مستعدًا للتفاعل.

وإذا بدأ يدير وجهه أو يبدو متعبًا أو منزعجًا، فقد يكون الوقت مناسبًا لتقليل المثيرات ومنحه فرصة للراحة.

وهذا التوازن جزء من الرعاية الحساسة لاحتياجات الطفل.

من الحواس إلى القدرات المعرفية

الحواس ليست غاية نهائية في النمو.

فالطفل لا يتعلم النظر واللمس والسمع لمجرد استخدام هذه الحواس بمعزل عن بقية حياته النفسية.

هذه القدرات تصبح فيما بعد أدوات يستخدمها في بناء مهارات أكثر تعقيدًا.

فمن خلال النظر إلى الوجوه يبدأ تعلم التواصل الاجتماعي.

ومن خلال سماع الكلام تتكون الأسس التي سيبنى عليها تعلم اللغة.

ومن خلال لمس الأشياء ورؤيتها تبدأ معرفة خصائص الأجسام.

ومن خلال الحركة يتعلم الطفل المسافة والمكان وعلاقة جسمه بالعالم.

ومن خلال الشم والتذوق تتشكل جوانب من تجربته المرتبطة بالتغذية والألفة.

وبذلك تصبح الحواس بوابات أولى لبناء المعرفة.

من الإدراك الحسي إلى التواصل الاجتماعي

عندما يتعلم الطفل التعرف إلى الوجه البشري، ولا سيما الوجوه المألوفة، فإنه يضع أحد أسس التواصل الاجتماعي.

وعندما يصبح حساسًا للنظر المباشر وتعابير الوجه ونبرة الصوت، فإنه يبدأ في استخلاص معلومات اجتماعية من الأشخاص المحيطين به.

ثم تتوسع هذه القدرة تدريجيًا.

ويتعلم الطفل أن بعض الأصوات تحمل معنى.

وأن بعض تعبيرات الوجه ترتبط بمواقف معينة.

وأن استجابته قد تؤدي إلى استجابة من الآخر.

وهكذا تبدأ العلاقة الاجتماعية قبل ظهور الكلمات بزمن طويل.

من السمع إلى اللغة

من أبرز الأمثلة على تحول القدرة الحسية إلى قدرة معرفية معقدة العلاقة بين السمع واللغة.

فالطفل يبدأ بالتمييز بين الأصوات والإيقاعات.

ثم يصبح أكثر تخصصًا في التعامل مع أصوات اللغة التي يسمعها حوله.

وبمرور الوقت تتحول الخبرة السمعية إلى أساس لفهم الكلمات وإنتاجها.

ولهذا فإن تعلم اللغة لا يبدأ فجأة عند نطق الكلمة الأولى.

فالكلمة الأولى تأتي بعد أشهر طويلة من الاستماع والانتباه والتعلم.

من اللمس والحركة إلى معرفة العالم

تسمح الحركة واللمس للطفل باكتشاف خصائص الأشياء.

فالشيء قد يكون ناعمًا أو خشنًا، مستديرًا أو ذا زوايا، خفيفًا أو ثقيلًا.

وعندما يزداد تحكم الطفل في يديه يستطيع الوصول إلى الأشياء والإمساك بها وتقليبها ونقلها.

وهذا النشاط الحركي في ظاهره يحمل داخله قدرًا هائلًا من التعلم.

فالطفل لا يحرك يده فقط.

إنه يجري باستمرار تجارب صغيرة عن العالم.

ماذا يحدث عندما أضغط؟

ماذا يحدث عندما أترك الشيء؟

كيف يبدو الجسم من جهة أخرى؟

هل يمكنني وضعه داخل جسم آخر؟

ومن هذه الأنشطة البسيطة تتطور لاحقًا مفاهيم أكثر تعقيدًا.

الحواس أساس النمو الانفعالي أيضًا

حتى الجانب الانفعالي يعتمد على الخبرة الحسية.

فصوت مألوف يمكن أن يكون مهدئًا.

واللمسة الدافئة يمكن أن ترتبط بالأمان.

والوجه المبتسم يصبح جزءًا من الخبرة الاجتماعية الإيجابية.

وهكذا ترتبط المعلومات الحسية تدريجيًا بالمشاعر والذكريات.

وبمرور الوقت لا يصبح الطفل فقط أكثر قدرة على رؤية العالم وسماعه، بل يصبح أكثر قدرة على فهم الدلالات الاجتماعية والانفعالية لما يراه ويسمعه.

القدرات الأولية ليست نهاية القصة

كل قدرة تناولتها الدراسات في هذا المحور تمثل بداية لمسار طويل.

حدة البصر ستتحسن.

والسمع سيصبح أكثر تخصصًا في اللغة.

واليد ستتحول من القبض البسيط إلى الاستعمال الدقيق.

والتواصل سيصبح لغة.

والتعرف إلى الوجوه سيصبح علاقات اجتماعية.

والاستجابة إلى الانفعالات ستتطور إلى فهم أكثر تعقيدًا لمشاعر الآخرين.

ولهذا فإن دراسة المولود ليست دراسة لمرحلة منفصلة عن بقية الحياة.

بل هي دراسة للأسس الأولى التي ستبنى عليها قدرات الإنسان اللاحقة.

لا ينبغي تحويل المتوسطات إلى مصدر للقلق

قد تكون المعلومات العلمية عن مراحل النمو مفيدة جدًا للوالدين، لكنها قد تصبح مصدرًا غير ضروري للقلق إذا فُهمت بطريقة جامدة.

إذا قرأ الأب أو الأم أن قدرة معينة تظهر «في عمر معين»، فقد يظنان أن عدم ظهورها في التاريخ نفسه يعني وجود مشكلة.

لكن العلم لا يعمل بهذه الطريقة.

فمتوسط المجموعة ليس موعدًا إلزاميًا للفرد.

وينبغي النظر إلى النمو باعتباره مسارًا.

هل يواصل الطفل اكتساب مهارات جديدة؟

هل يتفاعل مع البيئة؟

هل تظهر لديه تغيرات تدريجية؟

هل توجد مجموعة من العلامات التي تستدعي تقييمًا، أم أن الأمر مجرد اختلاف في التوقيت؟

ولهذا يكون التقييم الشامل أهم بكثير من التركيز على مهارة واحدة منعزلة.

الطفل ليس جدولًا زمنيًا

من الأخطاء الشائعة اختزال الطفل في قائمة أعمار ومهارات.

يجلس في هذا الشهر.

يمشي في ذلك الشهر.

يتحدث في عمر محدد.

لكن الطفل أكثر تعقيدًا من ذلك بكثير.

فالنمو يتضمن تفاعلًا مستمرًا بين الجسم والجهاز العصبي والبيئة والتجربة والعلاقات الاجتماعية.

وقد يمر الطفل بفترات يتقدم فيها بسرعة ثم بفترات أكثر استقرارًا.

وقد تختلف أولوياته النمائية عن طفل آخر.

لذلك ينبغي استخدام المعرفة العلمية لفهم الطفل ودعمه، لا للحكم عليه باستمرار.

ماذا يحتاج الطفل في النهاية؟

بعد استعراض كل هذه القدرات والدراسات، يمكن اختصار جزء كبير من الرسالة العملية في مجموعة مبادئ بسيطة:

— بيئة آمنة ومستقرة.
— رعاية صحية مناسبة.
— تغذية جيدة.
— نوم وراحة كافيان.
— قرب جسدي ولمس لطيف.
— أصوات بشرية طبيعية وكلام موجه إلى الطفل.
— فرص مناسبة للنظر والاستكشاف والحركة.
— تفاعل اجتماعي دافئ ومستجيب.
— احترام الفروق الفردية.
— عدم الإفراط في التحفيز.
— متابعة النمو وطلب التقييم المهني عند وجود مؤشرات حقيقية تدعو إلى القلق.

هذه العناصر ليست برنامجًا تعليميًا منفصلًا عن الحياة اليومية.

إنها الحياة اليومية نفسها عندما تكون بيئة الطفل آمنة وغنية ومتوازنة.

نحو القدرات الاجتماعية والمعرفية والانفعالية

تختتم هذه الوحدة التعليمية دراسة القدرات الحسية، لكنها في الحقيقة تفتح الباب أمام سؤال أكبر:

ماذا يفعل الطفل بكل هذه المعلومات؟

إن الرؤية والسمع واللمس والشم والتذوق والتكامل بين الحواس ليست سوى الأدوات الأولى التي يستخدمها الطفل لبناء علاقته بالعالم.

ومن خلالها ستظهر تدريجيًا القدرات الاجتماعية.

ومن خلالها سيتطور التفكير.

ومن خلالها ستتشكل اللغة.

ومن خلالها سيتعلم الطفل فهم الأشخاص والأشياء.

كما ستدخل هذه القدرات في تكوين ذاكرته وانتباهه وانفعالاته وعلاقاته.

ولهذا تمثل القدرات الحسية والإدراكية أساسًا لا غنى عنه لفهم الوحدات اللاحقة من النمو النفسي.

من الطفل الحسي إلى الطفل الاجتماعي

في الأسابيع الأولى يركز الباحث على كيفية استجابة الطفل للوجه والصوت والرائحة واللمس.

لكن بعد ذلك يصبح السؤال:

كيف يستخدم الطفل الوجه للتواصل؟

كيف يبدأ في فهم المقاصد؟

كيف يكوّن علاقة عاطفية مع مقدمي الرعاية؟

كيف تظهر الابتسامة الاجتماعية؟

كيف يبدأ الانتباه المشترك؟

كيف يتعلم اللغة؟

كيف تتطور الذاكرة والذكاء؟

كل هذه الأسئلة تعتمد، بطريقة أو بأخرى، على البنية الحسية والإدراكية التي بدأت منذ الحياة الجنينية واستمرت بعد الولادة.

خلاصة عامة

يولد الإنسان مزودًا باستعدادات حسية وإدراكية تسمح له بالبدء في تعلم العالم منذ وقت مبكر للغاية.

وهو يستطيع أن يرى ويسمع ويلمس ويشم ويتذوق، وإن كانت هذه القدرات متفاوتة في درجة نضجها.

كما يستطيع التعوّد والتعلم وتذكر بعض المعلومات والتمييز بين المثيرات.

ويمكنه كذلك دمج معلومات من أكثر من حاسة واحدة.

ويظهر الأطفال المبتسرون بدورهم قدرات تعلم حسية حتى قبل الوصول إلى الموعد الطبيعي للولادة، وهو ما يقدم دليلًا إضافيًا على أن النمو الإدراكي يبدأ مبكرًا.

لكن هذه القدرات لا تعمل في الفراغ.

فالبيئة تؤثر فيها.

والتفاعل مع الوالدين يؤثر فيها.

والخبرة اليومية تساعد في تطويرها.

وفي الوقت نفسه ينبغي تجنب تحويل نتائج الدراسات إلى مقاييس جامدة لكل طفل، لأن النمو الطبيعي يسمح بتفاوت واسع بين الأفراد.

والمثال الواضح على ذلك المشي، الذي يبلغ متوسطه نحو 12 شهرًا، بينما يمتد نطاق طبيعي واسع لاكتسابه عند الأطفال الأصحاء.

ولذلك ينبغي أن ينظر إلى الطفل بوصفه فردًا له إيقاعه الخاص ومساره الخاص في التطور.

إن المطلوب من الأسرة ليس تسريع هذا المسار، وإنما توفير البيئة التي تسمح له بأن يتطور في أفضل الظروف الممكنة.

فالحديث مع الطفل، وحمله، ولمسه، واللعب معه، وإتاحة الاستكشاف والحركة، والاستجابة إلى إشاراته، كلها خبرات بسيطة في ظاهرها لكنها تشكل المادة اليومية التي يبني بها الدماغ معرفته بالعالم.

وتشكل القدرات الحسية والإدراكية التي درست في هذه الوحدة نقطة البداية فقط.

فمن هذه الأسس ستنشأ لاحقًا القدرات المعرفية والاجتماعية والانفعالية الأكثر تعقيدًا، وستتطور قدرة الطفل على التواصل والتعلم والتذكر والفهم وبناء العلاقات مع الآخرين.

ولهذا فإن دراسة حواس المولود ليست دراسة لمجموعة من الوظائف البيولوجية المعزولة، بل هي دراسة للبدايات الأولى للحياة النفسية والإنسانية.

المراجع

— World Health Organization. WHO Motor Development Study: Windows of Achievement for Six Gross Motor Development Milestones. Acta Paediatrica Supplement, 2006;450:86–95. يوضح نطاقات الاختلاف الطبيعي في توقيت اكتساب المهارات الحركية الكبرى، ومنها المشي المستقل الذي تراوح تقريبًا بين 8.2 و17.6 شهرًا في العينة المرجعية.

— Clark-Gambelunghe, M. B., & Clark, D. A. “Sensory Development.” Pediatric Clinics of North America, 2015, 62(2), 367–384. DOI: 10.1016/j.pcl.2014.11.003. مراجعة لتطور الحواس خلال الحياة الجنينية والفترة التالية للولادة.

— Gentaz, E., et al. “How Do Human Newborns Come to Understand the Multimodal Environment?” مراجعة حول التكامل متعدد الحواس لدى المواليد، بما يشمل الروابط بين اللمس والرؤية والسمع منذ الولادة.

— Rocha, N. A. C. F., Silva, F. P. S., Santos, M. M., & Dusing, S. C. “Impact of Mother-Infant Interaction on Development During the First Year of Life: A Systematic Review.” Journal of Child Health Care, 2020, 24(3), 365–385. DOI: 10.1177/1367493519864742.

— Clark-Gambelunghe, M. B., & Clark, D. A. وغيرهما من الدراسات التي تناولت الإدراك المبكر والقدرات السمعية والبصرية والشمية والتذوقية واللمسية لدى حديثي الولادة.

— “Olfactory Sensory and Perceptual Evaluation in Newborn Infants: A Systematic Review.” مراجعة منهجية للأدلة المتعلقة بالشم لدى حديثي الولادة والذاكرة والتفضيلات الشمية المبكرة.

— Chen, C-H., & Monroy, C. D. “Moving, Seeing, Hearing, Smelling and Tasting: How Sensory-Motor Experiences Shape Early Cognitive Development.” Behavioral Sciences, 2026, 16(2). مراجعة حديثة للعلاقة بين الخبرة الحسية والحركية والتطور المعرفي في الطفولة المبكرة.

— “NICU Sensory Experiences Associated with Positive Outcomes: An Integrative Review of Evidence from 2015–2020.” مراجعة للتدخلات والخبرات الحسية المختلفة لدى الأطفال الموجودين في وحدات العناية المركزة لحديثي الولادة.

ويشير المحور الأصلي كذلك إلى وجود دليل أو كتيب علمي مصاحب للدورة يضم المراجع والدراسات التي استند إليها الباحث في عرض القدرات الحسية والإدراكية المختلفة، ويمكن الرجوع إليه للتوسع في المصادر الأصلية الخاصة بكل تجربة ونتيجة.

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم
جاري تجهيز رابط التحميل
شكرًا لزيارتكم موقع المربي. نتمنى أن تجدوا في هذا الملف ما يفيد عملكم التربوي، ونسعد دائمًا بعودتكم للاستفادة من موارد الموقع ومشاركتها مع من يحتاجها.
5
يرجى الانتظار قليلاً حتى يتم تجهيز رابط التحميل.
سيظهر زر متابعة التحميل بعد انتهاء مدة الانتظار.
🔊
الاستماع إلى المقال Écouter cet article
الحالة: جارٍ تحميل الأصوات...
تقدم القراءة 0%
الأصوات المتوفرة على جهازك: جارٍ الفحص...