مقدمة
يشكل المشروع المهني فرصة للمربي لإبراز ما اكتسبه من خبرة خلال ممارسته داخل قسم التعليم الأولي، من خلال اختيار نشاط تربوي محدد، والتخطيط له، وتنفيذه، وملاحظة أثره على تعلمات الأطفال، ثم تحليل النتائج وتطوير الممارسة. وتظهر قيمة هذا المشروع عندما ينطلق من حاجة فعلية لدى الأطفال، ويرتبط بالمشاريع التربوية المعتمدة، ويعتمد طرائق تناسب خصائص الطفولة المبكرة.
وفي هذا الإطار، نقدم نموذجا لمشروع مهني بعنوان «أكتشف الفضاء الطرقي باللعب»، يتمحور حول توظيف المجسمات واللعب التمثيلي لمساعدة الأطفال على تعرف بعض مكونات الفضاء الطرقي والتمييز بين وظائفها. ويجمع النموذج بين التعريف بالمشروع وجانبه التطبيقي، مع تقديم خطوات للتقويم والدعم والتحليل المهني.
هذا النموذج مقترح للاستئناس والتكييف، وليس وثيقة رسمية صادرة عن المؤسسة المغربية للتعليم الأولي، كما أن النتائج المرتبطة به تستكمل بعد التطبيق الفعلي داخل القسم.
فكرة المشروع المهني
تقوم فكرة المشروع على إعداد فضاء طرقي مصغر داخل القسم، يضم طريقا ورصيفا وممر الراجلين ومجسمات أشخاص وسيارات. يلاحظ الأطفال هذا الفضاء، ويكتشفون مكوناته، ثم يشاركون في وضعيات لعب تساعدهم على فهم العلاقات بين هذه العناصر.
ويستعمل المربي المجسمات لطرح مشكلات بسيطة، مثل وضع سيارة فوق الرصيف، أو البحث عن المكان المناسب لدمية تمثل طفلا يرافقه راشد. ويقترح الأطفال الحلول، ويجربونها، ويعدلون اختياراتهم بمساعدة المربي.
ويمكن اعتماد العنوان المهني الآتي في ملف المشروع: «توظيف اللعب التمثيلي لتنمية تعرف مكونات الفضاء الطرقي لدى أطفال المستوى الثاني بالتعليم الأولي».
المرجعية التربوية للمشروع
يرتبط هذا النموذج بالمشروع الموضوعاتي الثاني للمستوى الثاني «هيا بنا في جولة بين البادية والمدينة»، وبالمكون الفرعي «في الطريق»، الواردين في دليل المربي لسلسلة «التفتح والإبداع».
تعرض الصفحة 143 من النسخة المرجعية البطاقة التقنية لهذا المكون، وتتضمن أهدافا ترتبط بتعرف الفضاء الطرقي وبعض مخاطره وقواعد السلامة فيه. كما تتضمن الصفحة 144 نشاط «أكتشف الفضاء الطرقي» ضمن مصفوفة الأنشطة التربوية.
ويستند اعتماد اللعب والاستكشاف إلى المقاربة البيداغوجية المعروضة في الصفحات 7 إلى 10 من الدليل، والتي تركز على جعل الطفل فاعلا في بناء تعلماته، وعلى مراعاة حاجاته وقدراته وإيقاع تعلمه.
أما تنظيم الحصص والوسائل وشبكة الملاحظة الواردة في هذا المقال، فهي مقترحات تطبيقية لإعداد المشروع المهني، وليست نقلا حرفيا لجذاذة الدليل.
المستوى المستهدف والمجال التربوي
يستهدف المشروع أساسا أطفال المستوى الثاني «م2»، المقابل لـ«GS». ويندرج ضمن مجال «استكشاف الذات والمحيط البيئي والتكنولوجي»، لأن أهدافه تركز على تعرف عناصر من المحيط والتمييز بين وظائفها واستعمالاتها.
ورغم حضور اللغة والحركة والتعاون أثناء التنفيذ، فإن التصنيف يظل مرتبطا بالمجال الأساسي الذي تقاس أهدافه. فاستعمال الطفل للكلام أو تحريك المجسمات لا يقتضي إضافة مجالات أخرى إلى بطاقة المشروع ما دامت هذه الممارسات وسائل لخدمة الهدف المحدد.
ويمكن تكييف النشاط لقسم مشترك، مع تبسيط المهمات الموجهة للمستوى الأول، وتوضيح أن المرجع الأصلي لهذا النموذج يخص المستوى الثاني.
تشخيص الحاجة التربوية
قبل إعداد النشاط، يجري المربي ملاحظة أولية للتعرف على مكتسبات الأطفال. ويمكنه عرض صورة واضحة لفضاء طرقي، أو تقديم مجسم بسيط، ثم طرح أسئلة قصيرة من قبيل: أين يمشي الراجلون؟ أين تسير السيارات؟ هل تعرفون هذا الممر؟
يسجل المربي الاستجابات الفعلية، ويلاحظ الفرق بين القدرة على التسمية والقدرة على التعرف. فقد يشير طفل إلى الرصيف بشكل صحيح دون أن يعرف اسمه، وقد يسمي طفل آخر ممر الراجلين دون أن يحدد موقعه في الصورة.
وتساعد هذه الملاحظة على تحديد الحاجة التي سيعالجها المشروع، دون افتراض وجود الصعوبة نفسها لدى جميع الأطفال.
وعندما تظهر الحاجة إلى تطوير هذه التعلمات، يمكن صياغة الإشكالية كما يلي: «كيف يسهم توظيف فضاء طرقي مصغر واللعب التمثيلي في مساعدة أطفال المستوى الثاني على تعرف مكونات الفضاء الطرقي والتمييز بين وظائفها؟».
الأهداف الإجرائية للمشروع
يسعى المشروع إلى تمكين الطفل، بحسب تقدمه، من:
— التعرف على الرصيف وقارعة الطريق وممر الراجلين في صورة أو مجسم.
— تسمية بعض مكونات الفضاء الطرقي أو الإشارة إليها.
— التمييز بين المكان المخصص لسير الراجلين والمكان المخصص لسير المركبات داخل المحاكاة.
— وضع مجسم شخص أو سيارة في المكان المناسب.
— تصحيح وضعية بسيطة تتضمن استعمالا غير مناسب لأحد المكونات.
— توظيف التعلم في وضعية جديدة مشابهة.
وتوجه هذه الأهداف اختيارات المربي، بحيث تكون الوسائل والتعليمات والتقويم مرتبطة بما يراد تنميته فعلا.
الوسائل والمعينات الديداكتيكية
يمكن إنجاز المشروع باستعمال وسائل بسيطة ومتاحة، منها:
— شريط لاصق قابل للإزالة لتحديد المسارات على الأرض.
— قطع كرتون كبيرة لتمثيل الرصيف والطريق.
— شرائط بيضاء لتشكيل ممر الراجلين.
— سيارات لعب ومجسمات أشخاص مناسبة لعمر الأطفال.
— صور واضحة لمكونات الفضاء الطرقي.
— دمية تستعمل في وضعية الانطلاق.
— بطاقات مصورة للمطابقة والتقويم.
ويراعى أن تكون الوسائل واضحة ومتينة، وأن تخلو مساحة النشاط من العوائق. كما يفضل تجنب الزخارف الكثيرة والقطع الصغيرة غير المناسبة، حتى يظل انتباه الأطفال موجها إلى العناصر المستهدفة.
تنظيم الفضاء والمدة الزمنية
يهيئ المربي مساحة تسمح بالملاحظة والتحرك الهادئ، مع فصل واضح بين الرصيف وقارعة الطريق وممر الراجلين. ويمكن الجمع بين مجسم صغير يستعمل على الأرض ومسار مبسط يسمح بالتمثيل.
ويقترح توزيع النشاط على ثلاث حصص قصيرة، تتراوح كل واحدة منها بين 15 و20 دقيقة، بحسب استعمال الزمن المعتمد وقدرة الأطفال على المشاركة:
— الحصة الأولى للملاحظة والاستكشاف.
— الحصة الثانية للممارسة والبناء.
— الحصة الثالثة للتطبيق والتوظيف والتقويم.
ويبقى هذا التوزيع قابلا للتعديل، مع الحفاظ على وحدة النشاط والتدرج في التعلمات، وتجنب إطالة الحصة عندما تظهر علامات التعب.
المرحلة الأولى: الملاحظة والاستكشاف
يقدم المربي دمية تريد الذهاب إلى المدرسة برفقة شخص راشد، ثم يضعها قرب المجسم ويسأل الأطفال: «أين يمكن أن تمشي الدمية مع مرافقها؟».
يتيح لهم وقتا للملاحظة والاقتراح، ويقبل الإجابة بالكلمة أو الإشارة أو تحريك المجسم. ثم يوجه انتباههم تدريجيا إلى الرصيف وقارعة الطريق وممر الراجلين.
ويستعمل أسئلة قصيرة وواضحة، مثل: «أين الرصيف؟»، و«أين تسير السيارة؟»، و«ما الفرق بين هذين المكانين؟».
وعندما يقدم الطفل اختيارا غير مناسب، يساعده المربي على المقارنة والتجريب، دون توبيخ أو تقديم الإجابة مباشرة في كل مرة. ويعيد صياغة المفردات الأساسية في سياق طبيعي حتى ترتبط بالأشياء التي يراها الطفل.
المرحلة الثانية: الممارسة والبناء
ينظم المربي الأطفال في مجموعات صغيرة، ويقترح مهمات متدرجة. تضع مجموعة مجسمات الأشخاص والسيارات في أماكنها، وتلاحظ مجموعة أخرى الوضعيات، ثم تتبادل المجموعات الأدوار.
ويعرض مشكلات بسيطة، مثل سيارة موضوعة فوق الرصيف، أو دمية تحتاج إلى تحديد مكان المشي، أو مجسم ينقصه ممر الراجلين.
يختار الطفل حلا ويجربه، ثم يوضح اختياره بما تسمح به قدرته اللغوية. ولا يجعل المربي التعبير الشفهي شرطا وحيدا للحكم على الفهم؛ فقد يكشف الأداء العملي عن تعلم لم يستطع الطفل التعبير عنه بالكلام.
ويمكن إدراج محاكاة قصيرة للمشي على الرصيف برفقة المربي، مع التأكيد أن الطفل يحتاج إلى راشد يرافقه في الطريق الحقيقي. فنجاحه في المحاكاة لا يعني قدرته على العبور بمفرده.
المرحلة الثالثة: التطبيق والتوظيف
يغير المربي ترتيب عناصر المجسم، أو يقدم صورة أخرى، ثم يطلب من الطفل تحديد الرصيف ووضع السيارة في مكانها المناسب والإشارة إلى ممر الراجلين.
ويساعد هذا التغيير على ملاحظة ما إذا كان الطفل قد فهم العلاقات بين المكونات، أم اكتفى بحفظ مواقعها في الوضعية السابقة.
ويمكن إنهاء النشاط بمهمة جماعية تتمثل في ترتيب فضاء طرقي مصغر ناقص، يساهم كل طفل في استكمال جزء منه. ثم يعاد استعمال المجسم لاحقا لتثبيت التعلمات في وضعيات قصيرة.
التكييف داخل القسم المشترك
عند تطبيق المشروع في قسم مشترك، يهيئ المربي مهمات مختلفة بحسب المستوى والحاجة. يمكن أن يكتفي طفل المستوى الأول بمطابقة صورتين، أو التمييز بين الطريق والرصيف، أو وضع مجسم بعد مشاهدة نموذج.
أما أطفال المستوى الثاني، فيمكن مطالبتهم بالتمييز بين مكونات أكثر، وتصحيح وضعية غير مناسبة، وتطبيق التعلم في ترتيب جديد.
ويشمل التكييف عدد العناصر، وطول التعليمة، والوقت الممنوح، ودرجة الاستقلالية، وطريقة الاستجابة. ولا يقتصر على تغيير اسم المستوى في بطاقة النشاط.
تقويم التعلمات
يعتمد التقويم على ملاحظة أداء الطفل خلال النشاط وبعده. ويمكن إعداد شبكة تتضمن المؤشرات الآتية:
— يتعرف على الرصيف.
— يميز المكان المخصص لسير المركبات.
— يحدد ممر الراجلين.
— يضع مجسم الشخص أو السيارة في المكان المناسب.
— يوظف التعلم في وضعية مشابهة.
ويمكن تسجيل الأداء بعبارات «بشكل مستقل»، و«بمساعدة»، و«لم يظهر بعد»، باعتبارها ترميزا مقترحا، مع اعتماد الأداة المطلوبة من جهة التأطير إن وجدت.
ويقارن المربي بين الملاحظة الأولية والملاحظة اللاحقة باستعمال مهمات متقاربة، ويحرص على ألا يكون ضعف التعبير اللغوي سببا للحكم الخاطئ على قدرة الطفل على التعرف والتمييز.
الدعم والتثبيت
يبنى الدعم على الصعوبة التي تمت ملاحظتها. فإذا واجه الطفل صعوبة في التمييز بين المكونات، يمكن تقليل عددها وعرض عنصرين فقط. وإذا لم يفهم التعليمة، يعيد المربي صياغتها ويقدم نموذجا عمليا.
كما يمكن تكبير الصور، أو استعمال مجسمات أوضح، أو إتاحة وقت إضافي، أو قبول الإشارة بدل التسمية. وبعد المساعدة، تقدم وضعية مشابهة لملاحظة مدى تقدم الطفل.
ويستحسن تثبيت التعلمات عبر فرص قصيرة ومتباعدة، مع تجنب تكرار المهمة بالطريقة نفسها دون تعديل.
توثيق المشروع المهني
يتضمن الملف المهني تقديم السياق، وتشخيص الحاجة، والإشكالية، والمرجع، والأهداف، والوسائل، ومراحل التنفيذ، وشبكة التقويم، وخطة الدعم، والتحليل المهني.
ويمكن إرفاق صور للوسائل والمجسم والمنتوج النهائي، مع احترام الضوابط المعمول بها عند تصوير الأطفال.
ولا تدرج نتائج أو نسب نجاح قبل التطبيق. فإذا كان المشروع في مرحلة الإعداد، تكتب النتائج المنتظرة بصفتها توقعات، ثم تستكمل النتائج المحققة انطلاقا من الملاحظات المسجلة.
التحليل المهني للمربي
بعد التنفيذ، يحلل المربي تجربته من خلال أسئلة محددة: هل كانت التعليمات واضحة؟ هل أتاحت الوسائل مشاركة جميع الأطفال؟ هل ساعد اللعب على فهم وظائف المكونات؟ من احتاج إلى دعم إضافي؟ وما الذي ينبغي تغييره عند إعادة النشاط؟
ويستند التحليل إلى أمثلة واقعية، مثل تحسن قدرة طفل على تحديد الرصيف بعد استعمال المجسم، أو استمرار حاجة بعض الأطفال إلى نموذج عملي.
وتظهر قيمة المشروع في قدرة المربي على تفسير ما حدث، والتمييز بين أثر الوسائل وأثر التعليمات وتنظيم المجموعة، ثم اقتراح تعديلات مناسبة.
خاتمة
يتيح مشروع «أكتشف الفضاء الطرقي باللعب» بناء تجربة مهنية واضحة ترتبط بدليل المربي، وتتمحور حول نشاط محدد داخل مجال تربوي واحد. ويجمع بين الاستكشاف واللعب والمحاكاة، مع اعتماد التقويم والدعم لتحسين التعلمات.
وتكمن أهميته في بساطة وسائله وقابليته للتكييف، وفي ما يوفره للمربي من فرصة لتطوير التخطيط والتنشيط والملاحظة والتحليل. وكلما استند عرضه إلى ممارسة فعلية ونتائج موثقة، أصبح أكثر تعبيرا عن الخبرة المهنية المكتسبة داخل قسم التعليم الأولي.
المرجع
— دليل المربي، سلسلة «التفتح والإبداع»، المستوى الثاني، المشروع الموضوعاتي رقم 2: «هيا بنا في جولة بين البادية والمدينة»؛ الصفحات 7–10 للمقاربة البيداغوجية، والصفحات 142–144 للمكون الفرعي «في الطريق» وبطاقته ومصفوفة أنشطته. أرقام الصفحات وفق النسخة المرجعية المرسلة.
