مقدمة
يعد التلوين من الأنشطة الفنية التي تحظى باهتمام الأطفال خلال مرحلة التعليم الأولي، لأنه يتيح لهم التعامل مع الأشكال والخطوط والألوان، ويساعدهم على تطوير مهارات الملاحظة والتآزر البصري الحركي والتحكم التدريجي في أدوات الرسم. وعندما يرتبط التلوين بموضوع المشاعر، فإنه يصبح فرصة تربوية تجمع بين التعبير الفني والتواصل اللغوي والتربية العاطفية.
فالطفل قد يشعر بالفرح عندما يلعب مع أصدقائه، أو بالحزن عندما يفقد شيئًا يحبه، أو بالغضب عندما لا يحصل على ما يريد، أو بالخوف عندما يواجه موقفًا غير مألوف. ومع ذلك، قد لا يمتلك المفردات الكافية للتعبير عن هذه المشاعر بصورة واضحة.
ومن هنا تأتي أهمية بطاقات المشاعر المفرغة للتلوين، التي تقدم رسومات لوجوه تعبر عن أربعة مشاعر أساسية: الفرح والحزن والغضب والخوف، بحيث يستطيع الطفل ملاحظة ملامح كل وجه وتلوينها والتحدث عن الشعور الذي تمثله.
ويخصص هذا المقال لتقديم هذه البطاقات بوصفها وسيلة تربوية قابلة للطباعة والاستعمال داخل القسم أو المنزل، مع توضيح الأسس العلمية للنشاط وأهدافه ومراحل إنجازه وكيفية تكييفه مع المستوى الأول والثاني من التعليم الأولي.
أولًا: ما المقصود ببطاقات المشاعر المفرغة للتلوين؟
بطاقات المشاعر المفرغة للتلوين عبارة عن رسومات بالأبيض والأسود، تتضمن وجوه أطفال تظهر عليها تعبيرات مختلفة، مع ترك المساحات الداخلية دون ألوان حتى يتمكن الطفل من تلوينها بنفسه.
وتتكون المجموعة من أربع بطاقات:
— بطاقة الفرح: وجه مبتسم يعبر عن السعادة والسرور.
— بطاقة الحزن: وجه حزين تظهر عليه ملامح الأسى دون ضرورة وجود دموع.
— بطاقة الغضب: وجه تظهر عليه علامات الانزعاج والغضب.
— بطاقة الخوف: وجه تظهر عليه ملامح الخوف أو المفاجأة المقلقة.
وتكتب تسمية الشعور باللغة العربية بصورة واضحة أسفل كل رسم، لربط الصورة بالكلمة وتيسير التعرف عليها.
وتختلف هذه البطاقات عن البطاقات الملونة الجاهزة، لأن الطفل لا يكتفي بمشاهدتها، بل يشارك في إعدادها من خلال التلوين وإضافة بعض التفاصيل الفنية.
ويمكن للمربي استعمال البطاقات المفرغة في نشاط مستقل، أو توظيفها بعد عرض البطاقات الملونة التي سبق للأطفال التعرف عليها.
ثانيًا: لماذا نجمع بين التلوين والتربية العاطفية؟
يوفر التلوين فرصة للطفل للعمل على مهمة فنية تتطلب الانتباه واستعمال اليد والعين بصورة متناسقة.
كما أن تقديم رسومات المشاعر يتيح للمربي فتح حوار حول أسماء الانفعالات وبعض المواقف المرتبطة بها.
فعندما يلون الطفل وجهًا مبتسمًا، يمكن للمربي أن يسأله عن الأشياء التي تجعله سعيدًا. وعندما يلون وجهًا حزينًا، يمكن مناقشة كيفية مساعدة صديق يشعر بالحزن.
لكن من المهم عدم اعتبار اختيار الطفل للون معين دليلًا على حالته النفسية؛ فالألوان التي يختارها قد تتأثر بذوقه أو بالأدوات المتوفرة أو برغبته في التجريب.
ولا يصح استخدام رسومات الطفل أو الألوان التي يختارها لتشخيص مشكلات نفسية أو استنتاج مشاعره بصورة قطعية.
وتكمن القيمة التربوية للنشاط في الجمع بين الممارسة الفنية والحوار واحترام اختلاف اختيارات الأطفال.
ثالثًا: ماذا تقول الدراسات العلمية عن التربية العاطفية؟
سوزان دينهام والكفاءة الاجتماعية والعاطفية
تناولت الباحثة سوزان دينهام (Susanne A. Denham)، في دراستها المنشورة سنة 2006، أهمية الكفاءة الاجتماعية والعاطفية في الاستعداد المدرسي.
وأوضحت أن هذه الكفاءة تشمل معرفة المشاعر والتعبير عنها وتنظيمها، إلى جانب مهارات التفاعل الاجتماعي وحل المشكلات.
وتساعد أعمال دينهام على فهم أهمية إدراج المفردات العاطفية ضمن الأنشطة التربوية الموجهة للأطفال الصغار.
ويمكن الاستفادة من هذا التصور في تصميم أنشطة تلوين تتيح للطفل التعرف على المشاعر وتسميتها ومناقشتها.
ومع ذلك، لا تمثل الدراسة دليلًا مباشرًا على أن تلوين بطاقات المشاعر وحده يؤدي إلى تحسين الكفاءة العاطفية، بل توفر أساسًا نظريًا وتربويًا أوسع.
مارك براكت وتعليم المفردات العاطفية
درس مارك براكت (Marc A. Brackett) وزملاؤه أثر برنامج RULER Feeling Words Curriculum في تنمية بعض الكفاءات الاجتماعية والعاطفية لدى تلاميذ أكبر سنًا.
وأظهرت الدراسة المنشورة سنة 2012 نتائج إيجابية في بعض جوانب الأداء الاجتماعي والعاطفي والتحصيل المدرسي.
وتبرز هذه النتائج أهمية تقديم مفردات المشاعر بصورة منظمة، لكنها لا تسمح بتعميم النتائج مباشرة على أطفال التعليم الأولي، نظرًا لاختلاف أعمار المشاركين في الدراسة.
ويمكن الاستفادة من المبدأ التربوي العام المتمثل في ربط أسماء المشاعر بمواقف واقعية، من خلال التلوين والحكاية والحوار.
إطار CASEL للتعلم الاجتماعي والعاطفي
يعتمد إطار CASEL على خمسة مجالات أساسية: الوعي بالذات، وإدارة الذات، والوعي الاجتماعي، ومهارات العلاقات، واتخاذ القرارات المسؤولة.
ويمكن توظيف بطاقات المشاعر المفرغة في أنشطة تتصل بالوعي بالذات والوعي الاجتماعي والتواصل، عندما يرافق التلوين حوار يساعد الأطفال على التعبير عن مشاعرهم واحترام مشاعر الآخرين.
ولا ينبغي الاكتفاء بتلوين الرسومات دون توجيه تربوي، لأن تعلم المفردات العاطفية يحتاج إلى ممارسة وتفاعل متكرر.
رابعًا: الأهداف التربوية لبطاقات المشاعر المفرغة
يمكن أن يسهم النشاط في تحقيق أهداف متعددة، منها:
— التعرف على مشاعر الفرح والحزن والغضب والخوف.
— ربط تعبيرات الوجه بأسماء المشاعر.
— اكتساب مفردات لغوية جديدة باللغة العربية.
— تطوير مهارات التلوين والتحكم في القلم.
— تنمية التآزر البصري الحركي.
— تشجيع التعبير الشفوي عن الانفعالات.
— تنمية الملاحظة والتمييز بين بعض ملامح الوجه.
— تعزيز احترام اختلاف مشاعر الآخرين.
— تشجيع الإبداع والاختيار الحر للألوان.
— تنمية القدرة على إنجاز نشاط فني بصورة فردية.
وتتحقق هذه الأهداف بدرجات مختلفة بحسب مستوى نمو الطفل وطبيعة الممارسة التربوية.
خامسًا: تقديم بطاقات المشاعر الأربع للتلوين
1. بطاقة الفرح
تظهر البطاقة وجه طفل مبتسم، مع كتابة كلمة «فرح» أسفل الرسم.
قبل الشروع في التلوين، يعرض المربي البطاقة ويسأل:
— ماذا تلاحظون في وجه الطفل؟
— هل يبدو سعيدًا؟
— متى تشعرون بالفرح؟
بعد الاستماع إلى الإجابات، يدعو الأطفال إلى تلوين الرسم بالألوان التي يفضلونها.
ويمكن تشجيعهم على تقديم أمثلة عن مواقف مفرحة، مثل اللعب أو لقاء الأصدقاء أو إنجاز نشاط يحبونه.
2. بطاقة الحزن
تمثل البطاقة وجه طفل تظهر عليه ملامح الحزن، مع كتابة كلمة «حزن».
ويفضل أن تكون ملامح الوجه هادئة وواضحة، دون المبالغة في رسم الدموع، لأن الإنسان قد يشعر بالحزن دون أن يبكي.
يمكن للمربي أن يسأل:
— لماذا قد يشعر طفل بالحزن؟
— كيف نستطيع مساعدة صديق حزين؟
— ماذا يمكن أن نقول له؟
بعد ذلك يلون الأطفال البطاقة، مع السماح لهم باختيار الألوان بحرية.
3. بطاقة الغضب
تعرض البطاقة وجهًا تظهر عليه علامات الغضب، مع كتابة كلمة «غضب».
يمكن للمربي استغلال هذه البطاقة لشرح الفرق بين الشعور بالغضب والسلوك العدواني.
ويمكن طرح أسئلة مثل:
— متى قد تشعر بالغضب؟
— ماذا تستطيع أن تقول عندما تغضب؟
— كيف تتصرف دون إيذاء الآخرين؟
ويستحسن تشجيع استعمال كلمات بسيطة للتعبير عن الانزعاج، وطلب المساعدة عند الحاجة.
4. بطاقة الخوف
تظهر البطاقة وجه طفل تعبر ملامحه عن الخوف، مع كتابة كلمة «خوف».
يمكن مناقشة المواقف التي قد تجعل الطفل يشعر بالخوف، مثل سماع صوت قوي أو دخول مكان غير مألوف.
ثم يطرح المربي أسئلة:
— ماذا نفعل عندما نخاف؟
— ممن نطلب المساعدة؟
— كيف نساعد صديقًا يشعر بالخوف؟
بعد ذلك ينجز الأطفال نشاط التلوين في جو هادئ وآمن، دون إجبارهم على الحديث عن تجارب شخصية.
سادسًا: مراحل إنجاز النشاط داخل قسم التعليم الأولي
المرحلة الأولى: ملاحظة واستكشاف
يعرض المربي البطاقات الأربع غير الملونة أمام الأطفال.
يدعوهم إلى ملاحظة تعبيرات الوجه ومقارنة شكل الفم والعينين والحاجبين.
ثم يقدم أسماء المشاعر بوضوح، ويشجع الأطفال على تكرارها أو الإشارة إلى البطاقات المناسبة.
المرحلة الثانية: ممارسة وبناء
يوزع المربي بطاقة واحدة أو أكثر على الأطفال، ويطلب منهم التعرف على الشعور الذي تمثله.
بعد ذلك يشرعون في تلوين الرسومات.
أثناء العمل، يتنقل المربي بين الأطفال ويطرح أسئلة قصيرة حول المشاعر، دون مقاطعة انشغالهم بصورة متكررة.
ويمكنه مساعدة الأطفال الذين يواجهون صعوبة في التحكم في أدوات التلوين.
المرحلة الثالثة: تطبيق وتوظيف
بعد الانتهاء، يعرض الأطفال الراغبون بطاقاتهم أمام المجموعة.
يسمي الطفل الشعور الذي لونه، ثم يذكر موقفًا يمكن أن يرتبط به.
ويمكن جمع البطاقات في ركن المشاعر أو استعمالها في ألعاب المطابقة والحكايات والأنشطة الشفوية.
سابعًا: تكييف النشاط مع المستوى الأول والثاني
بالنسبة إلى أطفال المستوى الأول، يمكن الاكتفاء ببطاقتين في البداية، مثل الفرح والحزن، مع تقديم تعليمات قصيرة ومباشرة.
ويمكن مساعدة الطفل على التعرف على الصورة، ثم تركه يلونها بحسب قدراته.
أما أطفال المستوى الثاني، فيمكن تقديم البطاقات الأربع وتشجيعهم على تسمية المشاعر وتكوين جمل قصيرة.
وفي القسم المشترك، يمكن تنظيم النشاط نفسه للجميع، مع تكييف المهام بحسب مستوى كل طفل.
فقد يكتفي طفل المستوى الأول بالتعرف على بطاقة وتلوينها، بينما ينجز أطفال المستوى الثاني بطاقات متعددة ويشرحون المشاعر التي تمثلها.
ثامنًا: استعمال البطاقات بعد التلوين
لا ينتهي النشاط بمجرد تلوين الرسومات، بل يمكن إعادة استعمال البطاقات في مواقف تربوية متنوعة.
— تعليقها في ركن المشاعر داخل القسم.
— استعمالها خلال فترة الاستقبال.
— ربطها بشخصيات الحكايات.
— تنظيم لعبة اختيار البطاقة المناسبة للموقف.
— توظيفها في أنشطة التعبير الشفوي.
— تشجيع الأطفال على مقارنة تعبيرات الوجه.
— استعمالها في المنزل بمشاركة الأسرة.
ويمكن للمربي الاحتفاظ بنسخة ملونة من كل بطاقة، وإعداد مجموعة جديدة من النسخ غير الملونة لأنشطة لاحقة.
تاسعًا: نصائح لطباعة بطاقات التلوين
للحصول على بطاقات واضحة ومناسبة للأطفال، يستحسن مراعاة بعض الإرشادات.
— استعمال صور ذات خلفية بيضاء.
— اختيار رسومات بخطوط سوداء واضحة.
— الطباعة على ورق A4 أو تقسيم الصفحة إلى بطاقات أصغر.
— تجنب الصور ذات التفاصيل الدقيقة جدًا.
— توفير مساحة كافية داخل الرسومات للتلوين.
— استعمال أقلام خشبية أو شمعية مناسبة لعمر الطفل.
— الاحتفاظ بالنسخ الأصلية لإعادة الطباعة.
— ترك حرية اختيار الألوان للأطفال.
ويفضل أن تبقى كلمة الشعور واضحة أسفل الرسم، حتى يستفيد الطفل من الربط بين الصورة والكلمة.
عاشرًا: تحميل بطاقات المشاعر المفرغة للتلوين
تتكون المجموعة من أربع بطاقات بالأبيض والأسود، مخصصة للطباعة والتلوين:
— بطاقة الفرح: وجه مبتسم مع كلمة «فرح».
— بطاقة الحزن: وجه حزين دون دموع مبالغ فيها، مع كلمة «حزن».
— بطاقة الغضب: وجه غاضب مع كلمة «غضب».
— بطاقة الخوف: وجه خائف مع كلمة «خوف».
يمكن تقديم البطاقات بصورة منفصلة أو جمعها في صفحة واحدة للطباعة، بحسب احتياجات المربي وطبيعة النشاط.
وتصلح هذه المجموعة لأنشطة التعرف على المشاعر والتعبير الفني والتواصل الشفوي داخل التعليم الأولي.
حادي عشر: أخطاء تربوية ينبغي تجنبها
من الضروري استعمال بطاقات التلوين بطريقة تحترم قدرات الأطفال ومشاعرهم.
— عدم إجبار الطفل على استعمال لون محدد لكل شعور.
— عدم تفسير الألوان المختارة على أنها دليل على الحالة النفسية.
— عدم السخرية من الرسومات أو مقارنتها بصورة جارحة.
— عدم إلزام الطفل بالحديث عن تجاربه الشخصية.
— عدم تقديم الحزن والغضب والخوف بوصفها مشاعر ممنوعة.
— عدم اعتبار التلوين اختبارًا نفسيًا.
— عدم التركيز على جمال الرسم على حساب مشاركة الطفل وتعلمه.
فالمقصود من النشاط هو التعلم والتعبير والممارسة الفنية، وليس إنتاج رسومات متطابقة أو تقييم الحالة النفسية للأطفال.
خاتمة
تمثل بطاقات المشاعر المفرغة للتلوين وسيلة تربوية تجمع بين النشاط الفني والتعلم العاطفي واللغوي. فمن خلال تلوين وجوه تعبر عن الفرح والحزن والغضب والخوف، تتاح للطفل فرصة ملاحظة التعبيرات المختلفة والتعرف على أسمائها ومناقشة بعض المواقف المرتبطة بها.
وتنسجم هذه الأنشطة مع التوجهات التربوية التي تؤكد أهمية الكفاءات الاجتماعية والعاطفية خلال الطفولة المبكرة، شريطة توظيفها في إطار تفاعل إيجابي يحترم الفروق الفردية.
ويمكن للمربين والمربيات والأسر استعمال البطاقات الأربع داخل القسم أو المنزل، مع الحرص على أن يظل التلوين نشاطًا ممتعًا وحرًا يساعد الطفل على التعلم والتواصل.
المراجع العلمية
— Denham, S. A. (2006). Social-Emotional Competence as Support for School Readiness: What Is It and How Do We Assess It? Early Education and Development, 17(1), 57–89.
— Brackett, M. A., Rivers, S. E., Reyes, M. R., & Salovey, P. (2012). Enhancing Academic Performance and Social and Emotional Competence With the RULER Feeling Words Curriculum. Learning and Individual Differences, 22(2), 218–224.
— Collaborative for Academic, Social, and Emotional Learning (CASEL). (2020). CASEL's SEL Framework: What Are the Core Competence Areas and Where Are They Promoted?
