يدرك الإنسان العالم من خلال منظومة حسية متكاملة، وليس بوصفه مجموعة من الصور والأصوات والملامس المنفصلة. فعندما يمسك شخص كأسًا وينظر إليه، فإنه لا يشعر بأنه يتعامل مع جسم تراه العين وجسم آخر تلمسه اليد، بل يدرك كأسًا واحدًا يجمع بين الشكل واللون والملمس والوزن والحرارة. وإذا وضع الكأس على الطاولة وسمع الصوت الناتج عن ذلك، فإنه يربط الصوت بالحركة البصرية وبالجسم نفسه.
تحدث هذه العملية لدى الراشد بسرعة كبيرة ومن دون جهد واعٍ، لكنها تعتمد على نشاط عصبي معقد ينظم المعلومات القادمة من الحواس المختلفة، ويحدد الإشارات التي تنتمي إلى المصدر نفسه، ويفصل بينها وبين الإشارات الصادرة عن مصادر أخرى. ويُعرف هذا النشاط باسم التكامل الحسي أو الإدراك متعدد الحواس.
ويطرح هذا الأمر سؤالًا أساسيًا في علم النفس النمائي: هل يأتي الطفل إلى العالم وهو قادر على ربط المعلومات القادمة من الحواس المختلفة، أم أنه يحتاج إلى تعلم هذه الروابط بالكامل بعد الولادة؟
افترضت بعض التصورات القديمة أن حديث الولادة يعيش داخل عوالم حسية منفصلة؛ فما يراه لا يرتبط في البداية بما يلمسه، والصوت لا يرتبط مباشرة بالجسم المرئي الذي يصدره. ووفقًا لهذا التصور، تنشأ الروابط بين الحواس تدريجيًا بعد أن يكرر الطفل لمس الأشياء ورؤيتها وسماع أصواتها.
لكن الدراسات التي أُجريت خلال العقود الأخيرة كشفت أن هذه الصورة ليست دقيقة. فالطفل لا يمتلك عند الولادة تكاملًا حسيًا مكتملًا يماثل تكامل الراشد، إلا أنه يُظهر استعدادات وقدرات أولية تسمح له باكتشاف بعض العلاقات بين الحواس منذ الساعات أو الأيام الأولى. وقد يستطيع نقل معلومات عن شكل جسم من اللمس إلى البصر، أو تعلم علاقة بين مثير بصري وصوت متزامن معه، أو توجيه الرأس والعينين نحو المنطقة التي يأتي منها الصوت.
وتشكل هذه القدرات نقطة البداية لمسار نمائي طويل؛ إذ تصبح الروابط بين الحواس خلال الأشهر والسنوات التالية أكثر سرعة ودقة ومرونة، بفعل نضج الدماغ والحواس، وتحسن التحكم في الحركة، وتزايد الخبرة بالأشخاص والأشياء والأحداث.
ما المقصود بالتواصل بين الحواس؟
يشير التواصل بين الحواس إلى وجود علاقة وظيفية بين الأنظمة الحسية، بحيث يمكن للمعلومات التي تستقبلها حاسة معينة أن تؤثر في الانتباه أو الإدراك أو الاستجابة داخل حاسة أخرى.
فعندما يسمع الرضيع صوتًا يأتي من جهة معينة، قد يحرك رأسه وعينيه نحو تلك الجهة، فيصبح مصدر الصوت داخل مجال رؤيته. وعندما يمسك جسمًا من دون أن يراه، ثم يتعرف بصريًا إلى شكله، تكون المعلومات اللمسية قد أثرت في اختياره البصري.
ولا يعني التواصل بين الحواس أن المعلومات تنتقل حرفيًا من اليد إلى العين، بل إن الجهاز العصبي يستخرج خصائص معينة من الخبرة اللمسية، ويحتفظ بتمثيل لها، ثم يقارنها بالمعلومات التي يستقبلها عن طريق البصر.
ويمكن أن يأخذ التواصل بين الحواس صورًا متعددة:
-انتقال المعلومات من اللمس إلى البصر.
-انتقال المعلومات من البصر إلى اللمس.
-مطابقة حركة مرئية بصوت متزامن معها.
-ربط مصدر الصوت بموقعه في المجال البصري.
-ربط الوجه بصوت صاحبه.
-الربط بين تعبير الوجه ونبرة الصوت.
-ربط الإيقاع المسموع بالحركة المرئية.
-دمج الرائحة والمذاق والملمس أثناء التغذية.
-استخدام الرؤية لتوجيه اليد نحو الجسم.
ولا تظهر جميع هذه الصور في العمر نفسه أو بالقوة نفسها، كما أن النجاح في أحدها لا يعني أن جميع أشكال التكامل أصبحت مكتملة.
مصطلحات أساسية في دراسة التكامل الحسي
يستخدم الباحثون عدة مصطلحات متقاربة، لكن لكل منها معنى أكثر تحديدًا.
الإدراك متعدد الحواس
يشير إلى معالجة المعلومات القادمة من أكثر من حاسة داخل الموقف نفسه، والاستفادة منها في إدراك الحدث أو الجسم.
النقل بين الحواس
يشير إلى تقديم معلومة عبر حاسة معينة، ثم اختبار التعرف إليها عبر حاسة مختلفة. ومن أمثلته لمس جسم ثم التعرف بصريًا إلى شكله.
المطابقة بين الحواس
تعني اختيار المثير الموجود في حاسة معينة والذي يتوافق مع مثير مقدم في حاسة أخرى، مثل النظر إلى الوجه الذي تتوافق حركة فمه مع الصوت.
التسهيل بين الحواس
يحدث عندما يؤدي وجود معلومة في حاسة إلى تحسين الانتباه أو المعالجة في حاسة أخرى، من دون أن يثبت ذلك بالضرورة تكوين تمثيل موحد.
الدمج الحسي
يشير بمعناه الدقيق إلى تفاعل المعلومات الحسية داخل الجهاز العصبي بطريقة تنتج استجابة تختلف عن الاستجابة إلى كل مثير منفردًا.
ويعد هذا التمييز ضروريًا؛ لأن بعض التجارب تثبت المطابقة أو انتقال المعلومة، لكنها لا تثبت بالضرورة أن حديث الولادة يدمج جميع جوانب الحدث بالطريقة نفسها التي يفعلها البالغ.
لماذا يحتاج الطفل إلى التكامل الحسي؟
العالم المحيط بالطفل مليء بمصادر متعددة ترسل معلومات إلى أكثر من حاسة في الوقت نفسه. فعندما تتحدث الأم إلى طفلها، يرى الرضيع وجهها وحركة فمها، ويسمع صوتها، ويشم رائحتها، وقد يشعر بملامستها وحركة جسمها أثناء الحمل.
ومن خلال التكامل الحسي يستطيع الطفل تدريجيًا الإجابة عن أسئلة إدراكية أساسية:
-هل الصوت الذي أسمعه صادر عن الوجه الذي أراه؟
-هل الجسم الذي ألمسه هو نفسه الجسم الموجود أمام عيني؟
-هل الحركة والصوت جزءان من الحدث نفسه؟
-هل هذه الرائحة مرتبطة بالشخص الذي يحملني؟
-هل الصوت الجديد صادر عن شخص مألوف أم عن مصدر آخر؟
-هل تغير شكل الجسم أم تغير موقعه فقط؟
ولا يجيب الرضيع عن هذه الأسئلة بصورة واعية أو لغوية، وإنما تظهر الإجابة في اتجاه النظر والحركة ومدة الانتباه والتعوّد والاستجابة للجِدّة.
الجذور السابقة للولادة
تبدأ أغلب الأنظمة الحسية في التطور قبل الميلاد، لكنها لا تنضج في الوقت نفسه ولا تحصل على المقدار نفسه من الخبرة. فاللمس والحركة والجهاز الدهليزي والشم والتذوق والسمع تتلقى أنواعًا من التحفيز داخل الرحم، في حين يكون التحفيز البصري محدودًا.
يتعرض الجنين إلى:
-ملامسة أجزاء جسمه.
-ملامسة السائل الأمنيوسي وجدار الرحم.
-حركة جسم الأم وتغير وضعيتها.
-الأصوات الداخلية لجسم الأم.
-صوت الأم وبعض الأصوات الخارجية.
-مركبات كيميائية مرتبطة بغذاء الأم.
ويكتسب النظام العصبي من هذه البيئة خبرة مبكرة بالحركة والإيقاع والصوت واللمس. لكنه يواجه بعد الولادة تدفقًا جديدًا من المعلومات البصرية، لأن الضوء والألوان والأشكال والوجوه تصبح أكثر وضوحًا.
ولهذا تُعد الولادة مرحلة انتقالية مهمة في بناء التكامل الحسي؛ إذ يبدأ الدماغ في ربط الخبرات اللمسية والسمعية والكيميائية السابقة بالمعلومات البصرية الجديدة.
اللمس بوصفه وسيلة مبكرة لمعرفة الأشياء
تبدأ الخبرة اليدوية لحديث الولادة غالبًا من خلال منعكس القبض. فعندما يوضع جسم صغير في راحة اليد، تنغلق الأصابع حوله. وعلى الرغم من أن هذا الإمساك ليس إراديًا بالكامل، فإنه يجعل سطح الجسم وحوافه في تماس مع الجلد والأصابع.
تستطيع اليد خلال هذه العملية استقبال معلومات عن:
-الحواف.
-الانحناء.
-الحجم التقريبي.
-الصلابة.
-الوزن.
-الضغط.
-وضع الأصابع حول الجسم.
-درجة خشونة السطح أو نعومته في بعض الشروط.
لكن قدرة حديث الولادة على الاستكشاف اليدوي أقل من قدرة الطفل الأكبر والراشد. فهو لا يحرك أصابعه بصورة منظمة فوق السطح، ولا يدير الجسم بحرية بين يديه، ولا يختار استراتيجية لمسية محددة.
ولهذا يستطيع إدراك بعض الخصائص بسهولة أكبر من غيرها. فالقبضة قد تكشف الفرق بين جسم ذي حواف وجسم منحنٍ، لكنها قد لا توفر معلومات كافية عن ملمس سطح مسطح يحتاج إلى حركة جانبية للأصابع.
التعوّد اللمسي
قبل اختبار التواصل بين اللمس والبصر، ينبغي إثبات أن حديث الولادة قادر أصلًا على إدراك الفرق بين جسمين بيده.
استخدم الباحثون طريقة التعوّد اللمسي، وفيها يوضع جسم معين في يد الطفل مرات متتالية. ويقاس زمن احتفاظه به في كل محاولة.
يكون زمن الإمساك غالبًا أطول خلال المحاولات الأولى، لأن الجسم جديد. ومع تكرار تقديمه، تنخفض مدة الاحتفاظ به تدريجيًا، وهي الظاهرة المعروفة باسم التعوّد.
بعد بلوغ معيار التعوّد، يقدم الباحث الجسم نفسه أو جسمًا مختلفًا. فإذا احتفظ الطفل بالجسم المختلف مدة أطول، توفر الزيادة دليلًا على استجابة للجِدّة وعلى التمييز بين الشكلين.
وقد أظهرت دراسات أرليت ستريري وزملائها أن حديثي الولادة يستطيعون، في ظروف تجريبية محددة، التمييز باللمس بين منشور وأسطوانة. ويعني ذلك أن اليد لا تنفذ منعكس القبض فقط، بل تنقل إلى الجهاز العصبي معلومات تسمح بترميز بعض خصائص الشكل.
من اللمس إلى البصر
بعد التأكد من أن الطفل يستطيع إدراك الشكل بيده، انتقل الباحثون إلى سؤال أكثر تعقيدًا: هل يستطيع التعرف بصريًا إلى الجسم الذي لمسه من دون أن يراه؟
في تجربة النقل من اللمس إلى البصر، يُوضع أحد الجسمين في يد الطفل بعيدًا عن مجال رؤيته. وقد يكون الجسم منشورًا أو أسطوانة.
يُقدم الجسم نفسه عدة مرات حتى ينخفض زمن الاحتفاظ به ويحقق الطفل معيار التعوّد. وبعد ذلك يُزال الجسم، ويُعرض المنشور والأسطوانة معًا أمام عينيه.
لم يشاهد الطفل الجسم الذي كان يمسكه خلال مرحلة التعوّد. ولذلك لا يمكنه الاعتماد على ذاكرة بصرية سابقة. وإذا أظهر فرقًا في النظر بين الجسمين، فإن التجربة تختبر أثر المعلومة التي حصل عليها عن طريق اللمس.
وقد أظهرت النتائج أن بعض حديثي الولادة نظروا مدة أطول إلى الجسم الجديد الذي لم يلمسوه. ويعني هذا أنهم تعاملوا مع الجسم الذي لمسوه بوصفه مألوفًا، رغم أن طريقة تقديمه تغيرت من اللمس إلى الرؤية.
ماذا يحتاج الطفل لإنجاز هذه المهمة؟
يبدو الإجراء بسيطًا، لكنه يتطلب سلسلة من العمليات:
-استخراج معلومات عن شكل الجسم من وضع الأصابع والضغط اللمسي.
-الاحتفاظ بأثر الجسم بعد إزالته من اليد.
-استقبال معلومات بصرية عن الجسمين.
-اكتشاف الخصائص المشتركة بين التمثيل اللمسي والصورة المرئية.
-التعرف إلى الجسم المألوف رغم تغير الحاسة.
-اكتشاف الجسم المختلف.
-توجيه الانتباه البصري نحو الجديد.
ولهذا تُعد التجربة دليلًا مهمًا على وجود تواصل مبكر بين اللمس والبصر.
لكنها لا تثبت أن المولود كوّن مفهومًا مجردًا وكاملًا عن الأسطوانة أو المنشور. فهي تظهر قدرته على التعرف إلى بعض الخصائص الشكلية البسيطة خلال فترة زمنية قصيرة وفي ظروف مضبوطة.
لماذا ينظر الرضيع إلى الجسم الجديد؟
تفسر زيادة النظر إلى الجسم الجديد عادة وفق مبدأ الاستجابة للجِدّة. فالمثير المألوف خضع لمعالجة سابقة، ولذلك يحتاج إلى قدر أقل من الانتباه. أما الجسم المختلف فيحتوي على معلومات لم يختبرها الطفل من قبل، فيستعيد انتباهه.
لكن ليس كل تفضيل بصري دليلًا تلقائيًا على النقل بين الحواس. فقد ينظر الطفل إلى جسم مدة أطول لأنه أكبر أو أكثر سطوعًا أو أوضح حوافًا. ولهذا يجب على الباحثين ضبط التجربة بعناية.
ومن إجراءات الضبط:
-تعويد بعض الأطفال على المنشور وبعضهم على الأسطوانة.
-تغيير موضع الجسمين بين يمين مجال الرؤية ويساره.
-استخدام أجسام متقاربة في الحجم واللون والسطوع.
-تحديد معيار التعوّد قبل مرحلة الاختبار.
-استبعاد الأطفال الذين لم ينظروا إلى المثيرات مدة كافية.
-تسجيل حالة اليقظة والتعب.
-مقارنة النتائج على مستوى مجموعة من الأطفال.
إذا استمر تفضيل الجسم الجديد بصرف النظر عن هويته وموقعه، أصبح تفسير الانتقال من اللمس إلى البصر أقوى.
هل تستطيع اليدان أداء المهمة بالطريقة نفسها؟
بحثت بعض الدراسات أثر اليد المستخدمة في مرحلة التعوّد. فقد جرى اختبار النقل من اليد اليمنى إلى البصر ومن اليد اليسرى إلى البصر.
أظهرت النتائج وجود النقل في بعض الشروط، لكنها كشفت كذلك عن اختلافات محتملة مرتبطة باليد ونوع المهمة. وقد ترتبط هذه الاختلافات بطريقة معالجة نصفي الدماغ للمعلومات أو بفروق بسيطة في قوة القبضة وحالة الطفل ووضعه أثناء التجربة.
ولا يجوز تفسير هذه النتائج على أنها قاعدة ثابتة تنطبق على كل مولود. كما لا يمكن استخدامها للتنبؤ المبكر بما إذا كان الطفل سيصبح أيمن أو أعسر، لأن التفضيل اليدوي المستقر يتطور خلال مرحلة لاحقة ويتأثر بعوامل متعددة.
هل يكون النقل متساويًا في الاتجاهين؟
من الممكن نظريًا نقل معلومات الشكل من اللمس إلى البصر أو من البصر إلى اللمس. لكن الأدلة تشير إلى أن الاتجاهين لا يعملان دائمًا بالكفاءة نفسها.
عندما يلمس الطفل جسمًا مجسمًا، يفرض شكله وضعًا معينًا على الأصابع، مما يوفر معلومات واضحة عن الحواف والانحناء. وعندما يرى الجسم لاحقًا، تستطيع العين استقبال شكله كاملًا بصورة سريعة.
أما إذا شاهد الجسم أولًا ثم طُلب منه التعرف إليه باللمس، فقد تصبح المهمة أصعب؛ لأن اليد لا تمتلك حركات الاستكشاف المنظم اللازمة للوصول إلى جميع الخصائص التي التقطتها العين.
ولهذا يُوصف التواصل بين الحواس في مرحلة الولادة بأنه غير متماثل أحيانًا. فالنجاح في النقل من حاسة إلى أخرى لا يضمن نجاح النقل في الاتجاه المعاكس.
التواصل بين الشكل والملمس
لا تُنقل جميع خصائص الجسم بين الحواس بسهولة واحدة. ويبدو أن الشكل المجسم قد يكون أوضح ليد المولود من الملمس الموجود على سطح مسطح.
أظهرت دراسة أجرتها كورالي سان وستريري أن حديثي الولادة لم ينجحوا في بعض الظروف في التعرف باللمس إلى ملمس سطح مسطح سبق أن شاهدوه. وكان أحد التفسيرات أن القبض وحده لا يسمح بتمييز النعومة والخشونة الدقيقة عندما يكون السطح مسطحًا.
لكن الأداء تحسن عندما وُضعت الملامس على أجسام مجسمة يمكن الإمساك بها. ففي هذه الحالة تنتج القبضة معلومات أكثر وضوحًا عن السطح.
وتبين هذه النتيجة أن حدود النقل قد تكون ناتجة عن طبيعة الاستكشاف، لا عن انفصال تام بين الحواس. فإذا لم تستطع اليد استخراج الخاصية من البداية، فلن يكون هناك تمثيل لمسي دقيق يمكن مقارنته بالرؤية.
التواصل بين السمع والحركة
يظهر حديث الولادة قدرة أولية على الاستجابة إلى موقع الصوت. فعندما يصدر صوت من أحد جانبي الرأس، قد يدير الطفل رأسه أو عينيه نحوه.
يعتمد تحديد الموقع السمعي على فروق دقيقة بين الإشارات التي تصل إلى الأذنين، منها زمن وصول الصوت وشدته. ولا تكون هذه القدرة مكتملة عند الولادة، لكنها تسمح بتمييز عام بين اليمين واليسار في ظروف معينة.
ويمثل توجيه الرأس نحو الصوت تنسيقًا بين:
-المعالجة السمعية.
-تحديد الجهة التقريبية للمصدر.
-تنظيم حركة الرأس.
-توجيه العينين.
ومن خلال هذه الحركة ينتقل مصدر الصوت إلى مجال الرؤية، فتتاح للطفل فرصة جمع معلومات سمعية وبصرية عن الحدث نفسه.
توجيه الرأس لا يكفي لإثبات التكامل السمعي البصري
من المهم عدم تقديم توجيه الرأس نحو الصوت باعتباره دليلًا كاملًا على ربط الصوت بصورته. فهذا السلوك يثبت مباشرة أن الطفل اكتشف جهة الصوت ونظم حركة نحوها، لكنه لا يثبت وحده أنه تعرف إلى الجسم أو الشخص الذي أصدره.
يمكن التمييز بين مستويات متدرجة:
-إدراك وجود الصوت.
-تمييز الجهة التي يأتي منها.
-توجيه الرأس والعينين نحو الجهة.
-رؤية جسم موجود في ذلك المكان.
-تعلم أن الجسم هو مصدر الصوت.
-التعرف إلى العلاقة نفسها في موقف جديد.
-دمج الصوت والصورة في إدراك واحد.
ولإثبات الربط السمعي البصري، يستخدم الباحثون تجارب تعرض أكثر من مثير بصري، ثم تقدم صوتًا يتوافق مع أحدها، ويُقاس اتجاه نظر الطفل.
تعلم العلاقات السمعية البصرية
يمكن لحديثي الولادة تعلم بعض العلاقات بين صوت وصورة إذا قُدما بطريقة منظمة. وقد استخدمت دراسات أجسامًا مرئية مصحوبة بأصوات متزامنة، ثم اختبرت ما إذا كان الطفل يتوقع العلاقة نفسها لاحقًا.
يساعد التزامن الزمني على التعلم؛ فعندما يبدأ الصوت في اللحظة التي تبدأ فيها الحركة ويتوقف معها، يحصل الدماغ على إشارة قوية إلى أن المثيرين ينتميان إلى الحدث نفسه.
كما يمكن أن يستفيد الرضيع من:
-التقارب المكاني بين الصوت والصورة.
-تشابه الإيقاع.
-تكرار الاقتران.
-وضوح المثيرات.
-قلة المشتتات.
-ثبات العلاقة عبر المحاولات.
وتكون الروابط الطبيعية الواضحة أسهل من العلاقات الاعتباطية التي لا تشترك في خاصية حسية مباشرة.
الخصائص المشتركة بين الحواس
توجد خصائص يمكن إدراكها عن طريق أكثر من حاسة. ويستطيع الطفل استخدام هذه الخصائص لاكتشاف العلاقة بين المثيرات.
الشكل
يمكن إدراك الحواف والانحناء بصريًا ولمسيًا، كما في تجربة المنشور والأسطوانة.
المكان
يمكن رؤية الجسم في موقع معين وسماع الصوت صادرًا من الجهة نفسها.
الإيقاع
يمكن سماع إيقاع الضربات ورؤية الحركة التي تحدث وفق التوقيت نفسه.
المدة
قد يستمر الصوت والحركة للفترة نفسها.
العدد
يمكن أن يتوافق عدد الأصوات مع عدد الأحداث المرئية في بعض التجارب التي أجريت على الرضع.
الشدة
قد ترتبط الحركة القوية بصوت أعلى، والحركة الضعيفة بصوت أخف، رغم أن تعلم هذه العلاقة يتأثر بالسياق والخبرة.
ويطلق على وجود المعلومة نفسها في أكثر من حاسة اسم التكرار أو الوفرة بين الحواس. ويجعل هذا التكرار بعض خصائص الحدث أكثر بروزًا.
التزامن الزمني
يُعد التزامن من أهم المؤشرات التي يعتمد عليها الدماغ لتحديد ما إذا كانت المعلومات السمعية والبصرية تنتمي إلى المصدر نفسه.
عندما تتحرك شفتا المتحدث في اللحظة نفسها التي يصل فيها الصوت، يبدو من المرجح أن الصوت صادر عن ذلك الوجه. وعندما ترتطم الكرة بالأرض بالتزامن مع سماع صوت الاصطدام، يجمع الدماغ المثيرين في حدث واحد.
أما إذا كان الصوت متأخرًا جدًا عن الحركة أو جاء من موقع مختلف، فقد يعالجهما الدماغ بوصفهما حدثين منفصلين.
وتكون النافذة الزمنية التي يقبل خلالها الرضيع الإشارات بوصفها متزامنة أوسع من النافذة لدى الراشد في بعض مراحل النمو. ومع النضج والخبرة يصبح النظام أكثر دقة في اكتشاف التأخر بين الصوت والصورة.
الإدراك السمعي البصري للكلام
الكلام حدث متعدد الحواس بطبيعته؛ فهو يتضمن صوتًا وحركة في الفم والوجه. ويستطيع الرضيع رؤية فتح الشفتين وإغلاقهما بالتزامن مع تغير الصوت.
أظهرت الدراسات أن بعض الرضع الصغار يمكنهم مطابقة أصوات معينة بحركات الفم التي تنتجها، خصوصًا عندما تكون المثيرات واضحة ومتزامنة. وقد عرض الباحثون وجهين ينطقان صوتين مختلفين، ثم قدموا صوتًا يتوافق مع حركة أحد الوجهين.
إذا نظر الطفل مدة أطول إلى الوجه المتوافق، دل ذلك على حساسية للعلاقة بين الصوت وحركة الفم.
لكن هذه النتيجة لا تعني أنه يعرف اسم الصوت أو معناه، بل تشير إلى اكتشاف تطابق سمعي بصري. كما يجب التمييز بين إدراك التزامن البسيط والقدرة على دمج الكلام السمعي والبصري في تمثيل لغوي أكثر تقدمًا.
دور صوت الأم في التعرف إلى وجهها
يملك المولود خبرة بصوت الأم قبل الولادة، لكنه لا يحصل على خبرة بصرية واضحة بوجهها إلا بعد الميلاد. ولهذا يمثل صوتها المألوف جسرًا محتملًا نحو تعلم وجهها.
عندما يسمع الطفل صوت الأم بالتزامن مع رؤية وجهها مرارًا، يمكن أن يساعد الصوت على زيادة الانتباه إلى الوجه وتكوين علاقة بين المثيرين. وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن صوت الأم يؤدي دورًا في نشوء التفضيل البصري لوجهها.
لكن التعرف إلى الأم لا يعتمد على الوجه والصوت وحدهما؛ فهو يستفيد من منظومة متعددة الحواس:
-رائحة جسمها وحليبها.
-طريقة حملها.
-ملمس جلدها وملابسها.
-حرارة جسمها.
-إيقاع حركتها.
-صوتها.
-وجهها.
-استجابتها إلى بكائه وحركاته.
ومع تكرار اجتماع هذه المعلومات، يتكون تمثيل أكثر استقرارًا لمقدم الرعاية.
التكامل بين الشم والتذوق واللمس
يُركز كثير من الدراسات على البصر والسمع واللمس لأنها أسهل نسبيًا في الضبط والقياس داخل المختبر، لكن حياة الرضيع تشمل أيضًا علاقات قوية بين الشم والتذوق واللمس.
تجمع الرضاعة بين:
-رائحة الحليب.
-مذاقه.
-ملمسه داخل الفم.
-حركة المص والبلع.
-لمس جلد الأم أو زجاجة الرضاعة.
-وضعية الجسم.
-حرارة الحليب.
-صوت مقدم الرعاية.
وقد تساعد رائحة الحليب أو الأم على توجيه الرأس وحركات الفم. كما تعمل المستقبلات الموجودة حول الفم مع التذوق والشم لتنظيم السلوك الغذائي.
ويمثل هذا التكامل امتدادًا جزئيًا للخبرة السابقة للولادة، حيث تعرض الجنين إلى مركبات كيميائية موجودة في السائل الأمنيوسي.
التكامل بين الرؤية واليد
تتطور العلاقة بين البصر وحركة اليد بسرعة خلال الأشهر الأولى. ويظهر لدى حديث الولادة بعض التنسيق الأولي، لكنه لا يستطيع الوصول إلى الأجسام والإمساك بها بالدقة التي تظهر لاحقًا.
في البداية تكون حركات الذراع عامة ومتغيرة، ثم تصبح تدريجيًا أكثر توجهًا نحو الأهداف المرئية. ومع تحسن التحكم في الرأس والجذع والكتف، يستطيع الطفل استخدام النظر لتوجيه اليد بصورة أفضل.
عندما يبدأ الإمساك الإرادي، يصبح الجسم مصدرًا متزامنًا للمعلومات:
-تراه العين.
-تلمسه اليد.
-تشعر العضلات والمفاصل بوزنه ووضعه.
-قد يسمع الطفل صوته عند تحريكه.
-قد يضعه في فمه ويستكشفه بالفم.
وتساعد هذه الخبرة المتكررة على بناء تمثيلات أكثر ثباتًا للأشياء.
دور الفم في الاستكشاف
يُعد الفم أداة حسية مهمة خلال الشهور الأولى. فعندما يضع الطفل جسمًا آمنًا في فمه، يحصل على معلومات عن شكله وملمسه وصلابته وحرارته.
ولا يمثل وضع الأشياء في الفم سلوكًا غذائيًا فقط؛ بل يؤدي دورًا في الاستكشاف. ويجمع بين اللمس داخل الفم وحركة الفك واللسان، وقد يسبق القدرة اليدوية الدقيقة على فحص السطح.
لكن يجب أن تكون الأجسام مناسبة للعمر وكبيرة بما يمنع الاختناق وخالية من الأجزاء المنفصلة والمواد الضارة، مع الإشراف المباشر على الطفل.
كيف يتطور التكامل بعد الولادة؟
يكون التواصل بين الحواس عند الميلاد محدودًا بضعف حدة البصر، وقصر مدة الانتباه، وعدم نضج التحكم الحركي. ثم يتحسن مع تطور هذه المكونات.
خلال الأسابيع الأولى
يعتمد الطفل على العلاقات البسيطة والواضحة، مثل الشكل المجسم والتزامن القوي والاتجاه العام للصوت. كما تؤثر الروائح والأصوات المألوفة في انتباهه وتهدئته.
خلال الشهرين الأولين
تتحسن القدرة على تثبيت النظر وتتبع الحركة، ويزداد الوقت الذي يقضيه الطفل في حالة يقظة هادئة. ويوفر ذلك فرصًا أكبر لمراقبة الوجوه المتكلمة وربط الصوت بالحركة.
بين الشهرين الثالث والرابع
يتحسن التحكم في الرأس والعينين، وتصبح حركة التتبع أكثر سلاسة. كما يزداد الانتباه إلى العلاقة بين حركة الفم والصوت، ويبدأ الطفل في مراقبة يديه.
بين الشهرين الخامس والسادس
يصبح الوصول إلى الأجسام والإمساك بها أكثر تنظيمًا، فتزداد فرص الجمع بين البصر واللمس والحركة. ويستطيع الطفل معالجة علاقات زمنية ومكانية أكثر تعقيدًا.
خلال النصف الثاني من السنة الأولى
يتطور الإدراك السمعي البصري للكلام والوجوه والأحداث، ويصبح الطفل أكثر قدرة على اختيار المعلومات المهمة وتجاهل المثيرات غير المرتبطة. كما يبدأ التخصص الإدراكي في تنظيم حساسيته وفق الخبرة البيئية.
وهذه المراحل تقريبية، ولا تظهر المهارات في الموعد نفسه لدى جميع الأطفال.
دور النضج العصبي
تعتمد دقة التكامل الحسي على نمو الشبكات العصبية التي تستقبل المعلومات وتقارن بينها. ولا يعمل الدماغ بوصفه مجموعة مناطق منعزلة تمامًا، بل توجد اتصالات بين المناطق البصرية والسمعية واللمسية والحركية.
خلال الأشهر الأولى تحدث تغيرات مهمة:
-تزداد سرعة انتقال الإشارات العصبية.
-تتحسن الاتصالات بين مناطق الدماغ.
-تنضج القشرة البصرية والسمعية.
-تتحسن القدرة على التحكم في الانتباه.
-تزداد كفاءة الذاكرة القصيرة.
-يتطور التحكم في العينين والرأس واليدين.
-تصبح الاستجابة إلى التزامن والمكان أكثر دقة.
لكن النضج لا يعمل بمعزل عن الخبرة؛ فالشبكات العصبية تتشكل وتتخصص جزئيًا استجابة إلى الأنماط التي يواجهها الطفل باستمرار.
دور الخبرة والتكرار
يوفر التكرار للطفل فرصة اكتشاف العلاقات الثابتة. فعندما يرى وجهًا ويتزامن معه الصوت نفسه مرات كثيرة، تصبح العلاقة أكثر قابلية للتعلم. وعندما يمسك اللعبة ويرى حركتها ويسمع صوتها، يبدأ في تكوين توقعات بشأن ما سيحدث عند تحريكها.
وتساعد الخبرة على تعلم قواعد ضمنية:
-الأصوات غالبًا تصدر عن أجسام أو أشخاص موجودين في مكان معين.
-حركة الفم ترتبط بالكلام.
-تحريك بعض الألعاب يؤدي إلى صوت.
-الجسم يحتفظ بهويته رغم الانتقال من اليد إلى مجال الرؤية.
-رائحة معينة قد ترتبط بالغذاء أو مقدم الرعاية.
-الحركة المرئية والصوت المتزامن غالبًا جزءان من حدث واحد.
ولا يتعلم الطفل هذه القواعد في درس مباشر، بل يستخرجها تدريجيًا من الأحداث اليومية المتكررة.
التعلم من الأفعال الذاتية
تؤدي أفعال الطفل نفسه دورًا مهمًا في بناء الروابط بين الحواس. فعندما يحرك ذراعه، يشعر بالحركة ويرى اليد تتغير في مجال الرؤية. وعندما يلمس جسمًا، يشعر بالاصطدام وقد يرى الجسم يتحرك أو يسمع صوتًا.
تقدم الأفعال الذاتية معلومات متزامنة وقابلة للتوقع. فالطفل يستطيع، مع التكرار، اكتشاف العلاقة بين الحركة التي ينتجها والنتيجة الحسية التي تليها.
وتزداد أهمية هذه الخبرة مع ظهور:
-التحكم في الرأس.
-الوصول إلى الأشياء.
-الإمساك الإرادي.
-نقل الجسم بين اليدين.
-هز الألعاب.
-وضع الأشياء في الفم.
-الجلوس والحركة في المكان.
وتحول هذه المهارات الطفل من متلقٍ للمثيرات إلى مستكشف قادر على إنتاج أحداث متعددة الحواس.
الانتباه الانتقائي
لا يحتاج الطفل فقط إلى دمج المعلومات المتوافقة، بل يحتاج أيضًا إلى تجاهل المثيرات التي لا تنتمي إلى الحدث نفسه.
إذا كانت الغرفة تحتوي على أكثر من صوت وأكثر من جسم متحرك، يجب على الدماغ تحديد الصوت المرتبط بالوجه الذي ينظر إليه. ويساعد التزامن والتقارب المكاني والألفة في اختيار العلاقة الصحيحة.
يتأثر الانتباه لدى حديث الولادة بعدة عوامل:
-حالة اليقظة.
-الجوع أو الشبع.
-التعب.
-درجة الحرارة.
-الضوضاء.
-شدة الضوء.
-سرعة الحركة.
-عدد المثيرات.
-درجة التباين.
-مدة العرض.
-التجارب السابقة.
ولهذا قد لا يظهر الطفل قدرته في تجربة معينة إذا كان ناعسًا أو منزعجًا أو معرضًا إلى مثيرات كثيرة.
التكرار بين الحواس
طرحت الباحثة لورين باريك وزملاؤها مفهوم التكرار بين الحواس لتفسير الطريقة التي يكتشف بها الرضيع خصائص الأحداث. فعندما تظهر المعلومة نفسها في حاستين، تصبح أكثر بروزًا من المعلومات الموجودة في حاسة واحدة.
إذا شاهد الطفل كرة ترتد وسمع صوت كل ارتطام، فإن الإيقاع يظهر بصريًا وسمعيًا في الوقت نفسه. وقد يؤدي هذا التكرار إلى زيادة الانتباه إلى الإيقاع.
ومن الخصائص التي يمكن إبرازها عبر أكثر من حاسة:
-الإيقاع.
-المدة.
-الشدة.
-السرعة.
-التغير.
-التزامن.
-بداية الحدث ونهايته.
وتشير فرضية التكرار بين الحواس إلى أن المواقف متعددة الحواس قد تساعد الرضيع في البداية على تعلم الخصائص المشتركة، بينما يكون تعلم التفاصيل الخاصة بحاسة واحدة أكثر صعوبة داخل المشهد المعقد.
التكامل الحسي والتواصل الاجتماعي
يُعد التواصل الاجتماعي أحد أهم المجالات التي تستفيد من التنسيق بين الحواس. فالشخص الذي يتفاعل مع الطفل يقدم معلومات متزامنة ومتكررة من خلال الوجه والصوت واللمس والحركة.
عندما يبتسم مقدم الرعاية ويتحدث بنبرة لطيفة ويحمل الطفل برفق، تتقارب المعلومات البصرية والسمعية واللمسية والانفعالية. ومع التكرار، يبدأ الطفل في تكوين توقعات عن الأنماط الاجتماعية.
وتدعم هذه الخبرة تطور:
-الانتباه إلى الوجوه.
-التعرف إلى الأصوات المألوفة.
-متابعة اتجاه النظر.
-تمييز بعض التعبيرات الانفعالية.
-تعلم تبادل الأدوار في التواصل.
-ربط الكلمات بالأشخاص والأفعال.
-الإحساس بالأمان مع مقدم الرعاية.
لكن التكامل الحسي ليس العامل الوحيد في بناء التعلق؛ فالتعلق يعتمد أيضًا على استجابة مقدم الرعاية لحاجات الطفل واستمرار العلاقة وجودة التفاعل.
العلاقة بين التكامل الحسي وتعلم اللغة
يتعلم الطفل اللغة داخل بيئة متعددة الحواس. فهو لا يسمع الكلمات فقط، بل يرى حركة وجه المتحدث، ويتابع اتجاه نظره، ويلاحظ الأشياء التي يشير إليها، ويشعر بإيقاع التفاعل.
تساعد المعلومات المتعددة على تضييق الاحتمالات. فإذا نطق مقدم الرعاية اسم لعبة وهو ينظر إليها ويمسكها ويحركها، يحصل الطفل على مجموعة متوافقة من الإشارات التي تدل على المرجع المقصود.
وفي المراحل الأولى، تساعد حركة الفم والإيقاع والتنغيم على تنظيم الكلام. وفي المراحل اللاحقة، يؤدي اتجاه النظر والإشارة والحركة دورًا في تعلم معنى الكلمات.
ولذلك يعتمد اكتساب اللغة على تفاعل بين:
-السمع.
-الرؤية.
-الانتباه المشترك.
-الحركة.
-الذاكرة.
-الخبرة الاجتماعية.
-الاستجابة المتبادلة بين الطفل والراشد.
التكامل الحسي لدى الأطفال الخدج
يخرج الطفل الخديج من البيئة الرحمية قبل اكتمال مدة الحمل، وقد يواجه داخل وحدة العناية مثيرات تختلف عن تلك التي كان سيواجهها داخل الرحم.
تشمل هذه المثيرات:
-إضاءة أقوى.
-أصوات الأجهزة.
-اللمسات والإجراءات الطبية.
-انخفاض الاحتضان والحركة الطبيعية في بعض الظروف.
-تغير الوضعية.
-الألم أو الانزعاج الناتج عن العلاج.
وتكون أنظمته الحسية في درجات مختلفة من النضج، مما قد يؤثر في قدرته على تنظيم المعلومات المتعددة.
وقد أظهرت دراسات أن الأطفال الخدج يستطيعون التعوّد اللمسي والتمييز بين بعض الأشكال في أعمار حملية مبكرة. لكن النتائج لا تعني أن كل وظائف التكامل قد اكتملت؛ فالأداء يعتمد على عمر الحمل والحالة الصحية وجودة البيئة والرعاية.
ولهذا تهدف الرعاية النمائية إلى تنظيم الإضاءة والصوت واللمس والحركة، وتوفير تواصل ملائم مع الوالدين وفق الحالة الطبية.
حدود القدرات المبكرة
تدل الدراسات على وجود تواصل مبكر بين الحواس، لكن ينبغي تجنب وصف هذه القدرات بأنها مكتملة أو عامة.
من حدود التكامل لدى حديث الولادة:
-ضعف حدة البصر.
-محدودية حساسية التباين.
-قصر مدة الانتباه.
-هشاشة الذاكرة القصيرة.
-ضعف التحكم في الرأس واليدين.
-غياب الاستكشاف اليدوي الدقيق.
-الحاجة إلى مثيرات بسيطة.
-الحاجة إلى فرق واضح بين المثيرات.
-عدم تماثل النقل بين الحواس.
-تأثير حالة الطفل في الأداء.
-الحاجة إلى تزامن مكاني وزمني واضح.
-محدودية تعميم التعلم على مواقف جديدة.
ويتطور كثير من هذه المكونات بصورة سريعة خلال السنة الأولى.
هل يعيش حديث الولادة إدراكًا موحدًا بالفعل؟
يصعب الإجابة عن هذا السؤال بصيغة نعم أو لا. فالأدلة لا تدعم فكرة أن المولود يعيش داخل عوالم حسية منفصلة تمامًا، لكنها لا تثبت أيضًا أنه يمتلك عالمًا إدراكيًا موحدًا ومفصلًا مثل الراشد.
الصياغة الأكثر دقة هي أن حديث الولادة يمتلك مجموعة من الجسور المبكرة بين الحواس. وتعمل هذه الجسور مع بعض الخصائص الواضحة، مثل الشكل المجسم والتزامن والمكان والإيقاع.
ثم تتوسع الروابط بفعل:
-نضج الحواس.
-تحسن الذاكرة.
-زيادة سرعة المعالجة.
-تطور الانتباه.
-تحسن التحكم الحركي.
-تكرار الخبرة.
-التفاعل مع الأشخاص.
-استكشاف الأشياء.
-تعلم العلاقات السببية.
وبذلك ينتقل الطفل تدريجيًا من روابط أولية وانتقائية إلى إدراك متعدد الحواس أكثر ثباتًا ومرونة.
كيف يمكن للوالدين دعم هذا التطور؟
توفر الرعاية اليومية خبرات كافية وغنية لدعم التكامل الحسي، ولا يحتاج الطفل إلى برامج تجارية أو تمارين معقدة.
يمكن توفير خبرة ملائمة من خلال:
-التحدث إلى الطفل من مسافة تسمح له برؤية الوجه.
-استخدام صوت طبيعي غير مرتفع.
-حمله ولمسه برفق.
-إتاحة الفرصة له لرؤية الشيء الذي يصدر الصوت.
-عرض أجسام آمنة يمكن رؤيتها ولمسها.
-تحريك اللعبة ببطء.
-استخدام ألعاب تصدر صوتًا معتدلًا عند تحريكها.
-تكرار النشاط البسيط عدة مرات.
-منح الطفل وقتًا للنظر والاستجابة.
-اختيار لحظات اليقظة الهادئة.
-التوقف عند ظهور التعب أو الانزعاج.
-إبعاد الطفل عن الشاشات والأصوات المرتفعة.
-توفير تفاعل مباشر ومتبادل بدل التحفيز الآلي.
ويكون حضور مقدم الرعاية واستجابته أهم من كثرة الألعاب أو شدة المثيرات.
الإفراط في المثيرات
يحتاج الجهاز العصبي النامي إلى فترات من الراحة، ولا يؤدي التحفيز المستمر إلى تعلم أفضل. فقد تكون كثرة الأصوات والأضواء والحركات مرهقة للرضيع.
ومن علامات الإفراط في التحفيز:
-إدارة الرأس بعيدًا.
-إغلاق العينين.
-التثاؤب المتكرر.
-الحركات غير المنظمة.
-تغير نمط التنفس.
-البكاء.
-التجهم.
-فقدان الاهتمام.
-صعوبة التهدئة.
وعندما تظهر هذه العلامات، يكون من الأفضل تقليل الصوت والضوء والحركة ومنح الطفل وقتًا للراحة.
صعوبات دراسة التكامل الحسي
تواجه أبحاث حديثي الولادة تحديات منهجية كبيرة. فالطفل لا يستطيع شرح ما أدركه، ويجب استنتاج قدرته من سلوك قصير ومتغير.
ومن أبرز الصعوبات:
-نوم الطفل أثناء التجربة.
-بكاؤه أو انزعاجه.
-ضعف الانتباه.
-عدم بلوغ معيار التعوّد.
-فقدان بيانات النظر.
-الاختلاف في قوة القبضة.
-صغر حجم العينات.
-استبعاد عدد من المشاركين.
-تأثير موضع المثيرات.
-اختلاف الجاذبية البصرية بين الأجسام.
-صعوبة الفصل بين المطابقة البسيطة والتكامل الحقيقي.
-احتمال وجود تفسيرات بديلة لمدة النظر.
ولهذا تُعد إعادة التجربة واستخدام أكثر من طريقة للقياس أمرين ضروريين لتقوية الاستنتاج.
ما الذي تثبته تجربة واحدة؟
إذا لمس الطفل أسطوانة ثم نظر مدة أطول إلى منشور، فإن النتيجة تدعم قدرته على نقل معلومات شكلية محددة من اللمس إلى البصر في ظروف التجربة.
لكنها لا تثبت بالضرورة أنه:
-يستطيع نقل جميع خصائص الأجسام.
-يؤدي المهمة في الاتجاه المعاكس.
-يحتفظ بالمعلومة مدة طويلة.
-يتعرف إلى الجسم في كل زاوية أو حجم.
-يمتلك مفهومًا لغويًا عن الشكل.
-يدمج جميع الحواس بالمستوى نفسه.
وتتطلب كل قدرة من هذه القدرات تجربة خاصة. وهذه الدقة تمنع تحميل النتائج أكثر مما تحتمل.
القيمة العلمية للتكامل الحسي المبكر
ساعدت دراسات التواصل بين الحواس على تغيير النظرة إلى حديث الولادة. فقد أظهرت أن الطفل يمتلك تنظيمًا إدراكيًا أكثر تقدمًا مما كان يُعتقد، وأنه قادر على التعلم والمقارنة والتعرف إلى بعض العلاقات منذ وقت مبكر جدًا.
كما كشفت هذه الدراسات أن الإدراك لا ينشأ من حاسة واحدة، بل من تفاعل متواصل بين الحواس والجسم والحركة والبيئة.
وتوفر هذه المعرفة أساسًا لفهم:
-التعرف إلى الأشياء.
-تنظيم الانتباه.
-الذاكرة المبكرة.
-التواصل الاجتماعي.
-إدراك الكلام.
-تعلم اللغة.
-تنسيق العين واليد.
-تحديد مصادر الأصوات.
-تكوين صورة الجسم.
-التعلم من الأفعال والنتائج.
وتظل العلاقة بين هذه القدرات موضوعًا لبحوث مستمرة، خصوصًا مع تطور تقنيات تتبع العين وتخطيط الدماغ والتصوير العصبي.
تكشف الأدلة العلمية أن حديث الولادة لا يتعامل مع اللمس والبصر والسمع بوصفها مجالات منفصلة تمامًا. فهو يستطيع في بعض الظروف التعرف بصريًا إلى شكل سبق أن استكشفه بيده، ويستجيب إلى موقع الصوت، كما يمكنه تعلم بعض العلاقات بين المثيرات السمعية والبصرية عندما تتكرر وتتزامن.
وتعتمد هذه القدرات على استخراج خصائص مشتركة بين الحواس، مثل الشكل والمكان والإيقاع والمدة والتزامن. غير أنها تظل محدودة بطبيعة الجهاز الحسي المستخدم، وبدرجة نضجه، وبقدرة الطفل على الانتباه والحركة والاحتفاظ بالمعلومات.
لا يكون الإدراك متعدد الحواس جاهزًا بصورة كاملة عند الميلاد، كما أنه لا يبدأ من الصفر. بل ينشأ من استعدادات مبكرة، ثم يتطور مع نضج الدماغ وتحسن البصر والسمع واللمس، ومع اكتساب الطفل خبرات متكررة بالأجسام والأشخاص والأحداث.
وتوفر العلاقة اليومية مع الوالدين ومقدمي الرعاية أهم بيئة لهذا التعلم؛ إذ تجمع بين الوجه والصوت والرائحة واللمس والحركة داخل خبرة واحدة متماسكة. ومن خلال هذه الخبرات يبدأ الطفل في بناء عالم منظم لا يتكون من أحاسيس متفرقة، بل من أشخاص وأشياء وأحداث لها هوية ومكان وصوت وخصائص متعددة.
المراجع
-Streri, A., & Gentaz, E. (2003). Cross-modal recognition of shape from hand to eyes in human newborns. Somatosensory & Motor Research, 20(1), 13–18. الاطلاع على الدراسة
-Streri, A., & Gentaz, E. (2004). Cross-modal recognition of shape from hand to eyes and handedness in human newborns. Neuropsychologia, 42(10), 1365–1369. الاطلاع على الدراسة
-Streri, A., Lhote, M., & Dutilleul, S. (2000). Haptic perception in newborns. Developmental Science, 3(3), 319–327. الاطلاع على الدراسة
-Sann, C., & Streri, A. (2007). Perception of object shape and texture in human newborns: Evidence from cross-modal transfer tasks. Developmental Science, 10(3), 399–410. الاطلاع على الدراسة
-Sann, C., & Streri, A. (2008). The limits of newborn’s grasping to detect texture in a cross-modal transfer task. Infant Behavior and Development, 31(3), 523–531. الاطلاع على الدراسة
-Streri, A., & de Hevia, M. D. (2023). How do human newborns come to understand the multimodal environment? Psychonomic Bulletin & Review, 30, 1171–1186. الاطلاع على الدراسة
-Meltzoff, A. N., & Borton, R. W. (1979). Intermodal matching by human neonates. Nature, 282, 403–404. الاطلاع على الدراسة
-Slater, A., Quinn, P. C., Brown, E., & Hayes, R. (1999). Intermodal perception at birth: Intersensory redundancy guides newborn infants’ learning of arbitrary auditory–visual pairings. Developmental Science, 2(3), 333–338. الاطلاع على الدراسة
-Morrongiello, B. A., Fenwick, K. D., & Chance, G. (1998). Crossmodal learning in newborn infants: Inferences about properties of auditory–visual events. Infant Behavior and Development, 21(4), 543–553. الاطلاع على الدراسة
-Kuhl, P. K., & Meltzoff, A. N. (1982). The bimodal perception of speech in infancy. Science, 218(4577), 1138–1141. الاطلاع على الدراسة
-Bahrick, L. E. (1987). Infants’ intermodal perception of two levels of temporal structure in natural events. Infant Behavior and Development, 10(4), 387–416. الاطلاع على الدراسة
-Lickliter, R., & Bahrick, L. E. (2000). The development of infant intersensory perception: Advantages of a comparative convergent-operations approach. Psychological Bulletin, 126(2), 260–280. الاطلاع على الدراسة
-Lewkowicz, D. J., & Ghazanfar, A. A. (2009). The emergence of multisensory systems through perceptual narrowing. Trends in Cognitive Sciences, 13(11), 470–478. الاطلاع على الدراسة
-Sai, F. Z. (2005). The role of the mother’s voice in developing mother’s face preference: Evidence for intermodal perception at birth. Infant and Child Development, 14(1), 29–50. الاطلاع على الدراسة
