تطور القدرات الإدراكية لدى حديثي الولادة خلال الأشهر الأولى من الحياة

 يأتي الطفل إلى العالم مزودًا بمجموعة من الاستعدادات الحسية والإدراكية التي تسمح له باستقبال المعلومات والتفاعل مع البيئة منذ الساعات الأولى بعد الولادة. فهو لا يبدأ حياته باعتباره متلقيًا سلبيًا للمثيرات، بل يستطيع لمس الأشياء والإمساك بها، والاستجابة إلى الأصوات، وتوجيه نظره نحو الضوء والحركة والأنماط البصرية الواضحة. كما يظهر حساسية خاصة لبعض المثيرات الاجتماعية، مثل صوت الأم والوجه البشري.

غير أن هذه القدرات لا تكون مكتملة عند الولادة؛ فبعض الأجهزة الحسية تكون أكثر استعدادًا للعمل من غيرها، كما تختلف الوظائف البسيطة، مثل اكتشاف وجود صوت، عن الوظائف الأكثر تعقيدًا، مثل التعرف الدقيق إلى هوية المتحدث أو فهم معنى الكلام. ويستمر الدماغ والجهاز العصبي في التطور بسرعة خلال الأشهر الأولى، فتتحسن قدرة الرضيع على تنظيم المعلومات الواردة من الحواس، والتمييز بين المثيرات، والاحتفاظ بالخبرة، وتوجيه الانتباه إلى العناصر المهمة في البيئة.

ولا ينفصل الإدراك عن الحركة أو الذاكرة أو الانتباه؛ فعندما يمسك الرضيع جسمًا، تتعاون حاسة اللمس مع حركة الأصابع واليد. وعندما يسمع صوتًا، قد يدير رأسه في اتجاهه. وعندما يرى وجهًا يتكلم، يبدأ تدريجيًا في الربط بين حركة الفم والصوت. لذلك يُنظر إلى النمو الإدراكي بوصفه عملية متكاملة تنشأ من تفاعل النضج العصبي مع الخبرة اليومية والرعاية الاجتماعية.



ما المقصود بالإدراك لدى الرضيع؟

الإحساس هو استقبال الجهاز العصبي للمعلومات القادمة من البيئة أو من داخل الجسم، أما الإدراك فيشير إلى تنظيم هذه المعلومات والتمييز بينها واستخراج العلاقات التي تربطها.

فاستقبال مستقبلات الجلد للضغط يمثل عملية حسية، بينما التمييز باللمس بين جسم أسطواني وجسم ذي حواف يمثل عملية إدراكية أكثر تعقيدًا. ووصول الصوت إلى الأذن عملية حسية، أما تعرف الرضيع إلى صوت أمه أو تمييزه بين نمطين صوتيين فهو عملية إدراكية.

تشمل القدرات الإدراكية المبكرة عددًا من العمليات الأساسية:

-اكتشاف وجود المثير.

-تحديد موقعه بصورة تقريبية.

-التمييز بين مثيرين.

-التعوّد على المثير المتكرر.

-استعادة الانتباه عند ظهور مثير جديد.

-تكوين أثر قصير للمثير في الذاكرة.

-التعرف إلى بعض المثيرات المألوفة.

-ربط المعلومات القادمة من أكثر من حاسة.

-توجيه الانتباه إلى المثيرات الاجتماعية المهمة.

وتعمل هذه القدرات بدرجات متفاوتة عند الولادة، ثم تتحسن خلال الأشهر الأولى بفعل النضج والخبرة.

الاستمرارية بين الحياة قبل الولادة وبعدها

لا يبدأ تطور الحواس لحظة الميلاد، فقد بدأت الأجهزة اللمسية والدهليزية والكيميائية والسمعية في التكون والعمل بدرجات مختلفة خلال الحمل. ولهذا يدخل الطفل العالم ومعه قدر من الخبرة السابقة، خصوصًا في مجالات اللمس والحركة والصوت والروائح والنكهات.

يتعرض الجنين قبل الولادة إلى حركة جسمه وحركة الأم، ويلامس أجزاء جسمه وجدار الرحم، ويسمع الإيقاعات الداخلية لجسم الأم وبعض الأصوات الخارجية. كما تصل بعض المركبات المرتبطة بغذاء الأم إلى السائل الأمنيوسي.

لكن الولادة تحدث تحولًا حسيًا كبيرًا؛ إذ ينتقل الطفل إلى بيئة هوائية ذات إضاءة أقوى وأصوات أوضح، ويتعرض مباشرة إلى الجاذبية ودرجات الحرارة والملامسة الخارجية. ويبدأ في رؤية الوجوه والأشياء والتفاعل معها، كما يصبح مطالبًا بتنظيم التنفس والرضاعة والنوم والاستجابة لمقدمي الرعاية.

لذلك تمثل القدرات التي تظهر عند حديث الولادة نتيجة التفاعل بين:

-النضج الذي حدث قبل الولادة.

-الخبرة الحسية داخل الرحم.

-التغيرات العصبية المصاحبة للميلاد.

-الخبرة الجديدة بعد الولادة.

-التفاعل المتكرر مع الوالدين ومقدمي الرعاية.

الإدراك اللمسي عند حديثي الولادة

يُعد اللمس من أكثر الأنظمة الحسية استعدادًا للعمل عند الولادة. فقد بدأ نموه خلال المراحل الجنينية، وتلقى الطفل قبل الميلاد قدرًا كبيرًا من الخبرة الناتجة عن ملامسة جسمه والسائل الأمنيوسي وجدار الرحم.

بعد الولادة يصبح الجلد مصدرًا أساسيًا للمعلومات عن العالم. ويستجيب الرضيع للمس والحرارة والضغط، كما تؤثر طريقة حمله واحتضانه وتغطيته في حالته الانفعالية ومستوى يقظته.

وتتمتع بعض مناطق الجسم بحساسية خاصة، مثل:

-الوجه والمنطقة المحيطة بالفم.

-راحتي اليدين.

-باطن القدمين.

-الشفتين واللسان.

-الأصابع.

وترتبط الحساسية المحيطة بالفم بأهمية الرضاعة والتغذية، بينما تسمح اليدان للرضيع بالإمساك بالأشياء واستقبال معلومات عن أشكالها وأحجامها وملمسها.

منعكس القبض وعلاقته بالإدراك اللمسي

يظهر لدى المولود منعكس يعرف باسم منعكس القبض الراحي؛ فعندما يُوضع إصبع أو جسم صغير في راحة يده، تنغلق أصابعه حوله. ويُعد هذا السلوك منعكسًا عصبيًا في بدايته، ولا يمثل إمساكًا إراديًا كاملًا بالطريقة التي تظهر عند الطفل الأكبر.

لكن وجود المنعكس لا يعني أن اليد تعمل بصورة آلية خالية من المعالجة الإدراكية. فقد استفاد الباحثون من قدرة المولود على الاحتفاظ بجسم داخل يده لدراسة ما إذا كان يستطيع استخراج معلومات عن شكله من دون رؤيته.

ومن المهم التمييز بين أمرين:

-منعكس القبض الذي يؤدي إلى انغلاق الأصابع عند تنبيه راحة اليد.

-الإدراك اللمسي الذي يسمح للجهاز العصبي بمعالجة المعلومات الناتجة عن ملامسة الجسم وحوافه وانحناءاته.

يمكن للباحث أن يستفيد من المنعكس بوصفه وسيلة لإبقاء الجسم داخل يد الطفل، ثم يقيس مدة احتفاظه به والتغير الذي يطرأ على هذه المدة مع تكرار العرض.

تجربة المنشور والأسطوانة

أجرت الباحثة الفرنسية أرليت ستريري وزملاؤها تجارب هدفت إلى معرفة ما إذا كان حديثو الولادة يستطيعون التمييز بين شكلين باللمس وحده. واستخدم الباحثون جسمين صغيرين وآمنين، أحدهما منشور ذو حواف والآخر أسطوانة ذات سطح منحنٍ.

كان الجسم يوضع داخل يد الطفل بعيدًا عن مجال رؤيته، حتى لا يستطيع الاعتماد على المعلومات البصرية. وسُجلت المدة التي يحتفظ فيها بالجسم في كل محاولة.

خلال مرحلة التعوّد، قُدم الجسم نفسه مرات متتالية. وأظهرت النتائج أن مدة الاحتفاظ به انخفضت تدريجيًا. ويشير هذا الانخفاض إلى أن الرضيع أصبح أكثر ألفة بالخصائص اللمسية للجسم المتكرر.

بعد ذلك قُدم للطفل إما الجسم نفسه أو الجسم الآخر المختلف في الشكل. وعندما احتفظ الرضيع بالجسم الجديد مدة أطول، اعتبر ذلك استجابة للجِدّة ودليلًا على إدراك الاختلاف بين الشكلين.

وتوصلت هذه التجارب إلى أن حديثي الولادة مكتملي الحمل يستطيعون:

-التعوّد اللمسي على جسم متكرر.

-استخراج بعض المعلومات عن محيط الجسم وشكله.

-الاحتفاظ بأثر قصير لهذه المعلومات.

-التمييز بين المنشور والأسطوانة باللمس.

-إظهار استجابة للجسم الجديد بعد التعوّد.

-أداء المهمة باستعمال اليد اليمنى أو اليسرى في بعض الشروط التجريبية.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأن أعمار بعض الأطفال المشاركين كانت لا تتجاوز ساعات أو أيامًا قليلة، مما يدل على أن اليد قادرة منذ وقت مبكر على نقل معلومات مفيدة عن خصائص الأشياء إلى الجهاز العصبي.

ماذا يكتشف الرضيع بيده؟

لا يستكشف حديث الولادة الجسم بالطريقة نفسها التي يستعملها الطفل الأكبر أو الراشد. فهو لا يديره إراديًا بين أصابعه وفق خطة واعية، كما أن قدرته على التحكم الدقيق في اليد محدودة. ومع ذلك، تنتج ملامسة الجسم معلومات عن مجموعة من الخصائص:

-وجود الحواف أو غيابها.

-درجة الانحناء.

-الحجم التقريبي.

-الملمس.

-الصلابة أو الليونة.

-مقدار الضغط الواقع على راحة اليد والأصابع.

-الاختلاف في وضع الأصابع عند الإمساك بأشكال مختلفة.

وتنقل المستقبلات الموجودة في الجلد والعضلات والمفاصل هذه المعلومات إلى الجهاز العصبي. ومن خلال تكرار الملامسة، يمكن أن يتكون تمثيل لمسي مؤقت يسمح بالتمييز بين الجسم المألوف والجسم الجديد.

الذاكرة اللمسية المبكرة

لا يكفي أن يشعر الرضيع بوجود جسم داخل يده حتى يميز بينه وبين جسم آخر؛ بل يجب أن يحتفظ ببعض خصائص الجسم الأول مدة تسمح بالمقارنة. ولهذا توفر الاستجابة للجِدّة دليلًا على شكل مبكر من الذاكرة اللمسية.

لكن هذه الذاكرة تكون محدودة وهشة مقارنة بذاكرة الطفل الأكبر. وقد تتأثر بسهولة بما يأتي:

-مدة الفاصل بين التعوّد والاختبار.

-حالة يقظة الرضيع.

-حركة اليد والجسم.

-درجة التعب أو الانزعاج.

-عدد المحاولات التي حصل عليها الطفل.

-التشابه بين الجسمين.

-اليد المستخدمة في التعوّد والاختبار.

-وجود أصوات أو مثيرات حسية منافسة.

لذلك لا تعني استجابة الرضيع في التجربة أنه كوّن مفهومًا كاملًا عن «المنشور» أو «الأسطوانة»، بل تشير إلى أنه رمز بعض الخصائص اللمسية التي تسمح له باكتشاف التغير.

انتقال المعلومات بين اللمس والبصر

تناولت أبحاث أخرى سؤالًا أكثر تعقيدًا: هل يستطيع الرضيع لمس جسم من دون رؤيته، ثم التعرف إليه بصريًا؟

تسمى هذه القدرة النقل بين الحواس أو الإدراك العابر للحواس. وهي تتطلب استخراج معلومة، مثل شكل الجسم، عن طريق اللمس ثم مقارنتها بمعلومات تصل عن طريق البصر.

تشير بعض الدراسات إلى وجود أشكال مبكرة من النقل بين اللمس والبصر لدى حديثي الولادة مكتملي الحمل، لكن هذه القدرة ليست كاملة أو متماثلة في جميع الاتجاهات والشروط. فقد يكون الانتقال من اللمس إلى البصر أسهل في بعض التجارب من الانتقال من البصر إلى اللمس، كما تتأثر النتيجة بنوع الجسم ومدة الاستكشاف.

ويعني ذلك أن الأنظمة الحسية لا تعمل في عزلة تامة منذ الولادة، إلا أن تكاملها يستمر في التطور خلال الأشهر التالية.

الإدراك السمعي عند الولادة

يكون النظام السمعي أكثر تقدمًا نسبيًا من النظام البصري عند الولادة، ويرجع ذلك جزئيًا إلى أن الجنين تعرض إلى الأصوات خلال المراحل المتأخرة من الحمل. ولذلك يستطيع المولود الاستجابة إلى طيف من المثيرات السمعية، مع أن قدرته على تحديد موقع الصوت وتحليل تفاصيله تستمر في النضج.

يمكن ملاحظة الاستجابة السمعية المبكرة من خلال:

-تغير حركة الجسم.

-توقف الحركة أو ازديادها.

-تغير نمط المص.

-تغير معدل ضربات القلب.

-الرمش أو الاستجابة إلى الصوت المفاجئ.

-توجيه الرأس أو العينين نحو مصدر الصوت في بعض الظروف.

-اختلاف الانتباه بين صوت مألوف وصوت جديد.

ويجذب الصوت البشري اهتمام الرضيع بدرجة كبيرة، خصوصًا عندما يحمل إيقاع الكلام الطبيعي وتنغيمه.

التعرف إلى صوت الأم

يمثل التعرف المبكر إلى صوت الأم أحد أشهر الأمثلة على أثر الخبرة قبل الولادة. فقد أظهرت دراسة أنطوني ديكاسبر ووليام فايفر أن المواليد، خلال الأيام الأولى، يستطيعون تعديل نمط مصهم لحلمة غير غذائية للحصول على تسجيل صوت الأم بدل صوت امرأة أخرى.

تدل النتيجة على أن بعض خصائص صوت الأم أصبحت مألوفة قبل الولادة. فحديث الولادة لم يحصل بعد على وقت كافٍ لتكوين كل هذه الألفة من الخبرة اللاحقة للميلاد وحدها.

ويُحتمل أن يعتمد التعرف إلى عناصر صوتية متعددة:

-إيقاع الكلام.

-طبقة الصوت.

-التنغيم.

-توزيع المقاطع.

-النمط الزمني للصوت.

-خصائص صوتية ثابتة نسبيًا لدى المتحدثة.

ولا تعني هذه القدرة أن المولود يفهم كلمات الأم أو المعنى الكامل لكلامها، بل إنه يميز نمطها الصوتي ويظهر تفضيلًا له في ظروف معينة.

التمييز بين الكلام والأصوات الأخرى

يظهر حديثو الولادة استعدادًا للانتباه إلى الكلام البشري. وينسجم هذا الاستعداد مع حاجتهم إلى تعلم اللغة والتفاعل مع الأشخاص المحيطين بهم.

لكن إدراك الكلام يمر بمراحل عديدة. فالطفل يحتاج أولًا إلى تحليل الإيقاع والنبرة والمقاطع والفواصل بين الأصوات، ثم تتطور قدرته على التعرف إلى الأنماط التي تتكرر في لغة بيئته.

وفي الأشهر الأولى لا يفهم الطفل الكلمات بالمعنى الذي يفهمها به البالغ، لكنه يبني معرفة إحصائية ضمنية بشأن الأصوات الأكثر تكرارًا والطريقة التي تنتظم بها.

هل يميز حديث الولادة بين اللغات؟

ينبغي تصحيح العبارة التي تقول إن حديث الولادة يميز ببساطة بين «اللغات الأوروبية واللغات الآسيوية». فالقارات ليست هي العامل الصوتي الذي يعتمد عليه الرضيع، كما أن اللغات داخل القارة الواحدة قد تختلف إيقاعيًا أكثر مما تختلف لغتان من قارتين مختلفتين.

تشير الدراسات إلى أن المواليد يستطيعون التمييز بين بعض اللغات عندما تنتمي إلى فئات إيقاعية مختلفة. فقد تختلف اللغات في توزيع المقاطع والنبر والفواصل والزمن النسبي للصوامت والحركات.

لذلك يمكن أن يميز الرضيع بين لغتين متباعدتين في بنيتهما الإيقاعية، لكنه قد يجد صعوبة في التمييز بين لغتين متقاربتين إيقاعيًا. وتتأثر النتيجة كذلك بطريقة تقديم التسجيلات وصوت المتحدث وخبرة الطفل السابقة.

والصياغة العلمية الأدق هي أن حديث الولادة يمتلك حساسية إلى الخصائص الإيقاعية والتنغيمية للكلام، ويمكنه في بعض الظروف التمييز بين لغات تختلف في هذه الخصائص.

اللغة التي سمعها الطفل قبل الولادة

أظهرت أبحاث أن المولود قد يفضل اللغة التي كانت شائعة في بيئة الأم أو يستجيب بصورة مختلفة لأصواتها مقارنة بلغة غير مألوفة. ويُرجح أن هذا الأثر يعتمد على الإيقاع والتنغيم أكثر من اعتماده على التفاصيل الدقيقة للكلمات.

وفي دراسة شملت مواليد في السويد والولايات المتحدة، استجاب الأطفال بطريقة مختلفة لأصوات العلة المألوفة في لغة بيئتهم ولأصوات تنتمي إلى لغة أخرى. وبما أن الاختبار أُجري بعد الولادة بفترة قصيرة، اعتُبرت النتائج دليلًا على أثر التعرض السابق للولادة.

ومع ذلك، لا يكون الطفل قد تعلم اللغة الأم بصورة مكتملة. فمعرفة الكلمات والقواعد والمعاني تحتاج إلى سنوات من التعرض والتفاعل الاجتماعي. وما يظهر عند الولادة هو استعداد وألفة ببعض الخصائص الصوتية العامة.

إدراك الألحان والإيقاع

يملك الرضع حساسية مبكرة لبعض جوانب الصوت الموسيقي، مثل الإيقاع وطبقة الصوت والتغير في التسلسل. لكن القدرات الموسيقية تختلف باختلاف العمر والمهمة المستخدمة.

ينبغي التمييز بين ما يستطيع المولود فعله وما يظهر بعد شهرين أو أكثر. فقد أثبتت دراسة جودي بلانتينغا ولوريل ترينور أن الأطفال في عمر شهرين استطاعوا، بعد مدة قصيرة من التأليف، تذكر لحن قصير وتمييزه من لحن مشابه. ولا يجوز تحويل هذه النتيجة تلقائيًا إلى القول إن جميع حديثي الولادة يميزون الألحان المعقدة بالطريقة نفسها.

كما أظهرت بحوث النشاط الدماغي أن المواليد حساسون لبعض الانتظامات الإيقاعية. وتنسجم هذه الحساسية مع خبرتهم السابقة للولادة، حيث تحيط بهم إيقاعات متكررة مثل نبض القلب والتنفس وحركة الأم وإيقاع الكلام.

ولا يعني ذلك أن المولود يفهم الموسيقى باعتبارها بناءً فنيًا، وإنما يدل على قدرة نظامه السمعي على التقاط بعض العلاقات الزمنية والصوتية.

التخصص الإدراكي لأصوات اللغة

يستطيع الأطفال في النصف الأول من السنة الأولى التمييز بين عدد واسع من الفروق الصوتية، ومنها فروق لا تؤدي دورًا مهمًا في اللغة التي يسمعونها يوميًا. ومع استمرار التعرض للغة أو اللغات المحيطة بهم، يعيد الجهاز الإدراكي تنظيم حساسيته.

بين نحو ستة أشهر واثني عشر شهرًا، تتحسن معالجة الفروق المهمة في اللغة المألوفة، بينما قد تنخفض الحساسية لبعض الفروق غير المستخدمة فيها. وتعرف هذه الظاهرة باسم التخصص الإدراكي أو التضييق الإدراكي.

لكن العبارة الشائعة التي تقول إن الطفل يولد قادرًا على تمييز «جميع أصوات لغات العالم» تحتاج إلى الحذر؛ فالدراسات اختبرت مجموعات محددة من المقابلات الصوتية، ولم تختبر كل صوت موجود في جميع اللغات مع كل مولود.

الصياغة العلمية الأدق هي أن صغار الرضع يظهرون حساسية واسعة إلى كثير من التباينات الكلامية، ومنها تباينات غير موجودة في لغة بيئتهم، ثم تصبح استجابتهم أكثر تخصصًا بالأنماط التي يسمعونها باستمرار.

ولا يمثل هذا التخصص فقدانًا بسيطًا للقدرة، بل هو إعادة تنظيم تساعد الدماغ على معالجة اللغة المحيطة بكفاءة أكبر.

أثر التعرض إلى أكثر من لغة

إذا كان الطفل يسمع لغتين بصورة منتظمة، فإن جهازه الإدراكي يتكيف مع توزيع الأصوات والإيقاعات في كلتيهما. ولا تؤدي الثنائية اللغوية في حد ذاتها إلى إرباك الطفل أو الإضرار بنموه اللغوي.

قد يسلك مسار التخصص الإدراكي لدى الطفل المعرض للغتين شكلًا مختلفًا عن الطفل الذي يسمع لغة واحدة، لأن البيئة تقدم له مجموعة أوسع من الأنماط التي ينبغي الاحتفاظ بالحساسية إليها.

لكن تطور الثنائية اللغوية لا يعتمد على الاستماع السلبي وحده؛ بل يستفيد من:

-التفاعل المباشر مع المتحدثين.

-تكرار الاستعمال في مواقف ذات معنى.

-تنوع الأشخاص والسياقات.

-الاستجابة إلى أصوات الطفل ومحاولاته التواصلية.

-الاستمرار في التعرض إلى اللغتين عبر الزمن.

الإدراك البصري عند الولادة

يُعد البصر أقل الأنظمة الحسية نضجًا نسبيًا عند الميلاد، لأن البيئة الرحمية توفر قدرًا محدودًا من الضوء والأشكال مقارنة بالبيئة الخارجية. وعلى الرغم من اكتمال تكوين أجزاء العين الأساسية، تستمر الشبكية والمسارات العصبية والقشرة البصرية في التطور بعد الولادة.

تكون حدة البصر لدى المولود أقل بكثير من حدة بصر الراشد، كما تكون حساسيته للتباين محدودة. ولذلك لا يرى العالم بالتفاصيل والوضوح نفسيهما اللذين يراهما بهما الشخص البالغ.

ومع ذلك، فإن ضعف الحدة البصرية لا يعني انعدام الرؤية. يستطيع المولود:

-اكتشاف الضوء والظلام.

-الاستجابة إلى التغير في شدة الإضاءة.

-النظر إلى الأجسام القريبة.

-الانتباه إلى الحدود الواضحة.

-تفضيل الأنماط ذات التباين القوي.

-تتبع جسم كبير يتحرك ببطء لمسافة قصيرة.

-توجيه الانتباه إلى بعض الأنماط الشبيهة بالوجه.

وتتحسن هذه القدرات بسرعة خلال الأسابيع والأشهر التالية.

ما المسافة التي يرى عندها المولود؟

يشيع القول إن المولود يرى بوضوح عند مسافة تتراوح بين 20 و30 سنتيمترًا أو بين 30 و40 سنتيمترًا. لكن هذه الأرقام تقريبية، ولا تمثل حدًا يفصل بصورة قاطعة بين الرؤية وعدم الرؤية.

يعتمد وضوح المثير على عدة عوامل:

-حجم الجسم.

-درجة التباين بينه وبين الخلفية.

-شدة الإضاءة.

-سرعة الحركة.

-عمر الطفل.

-حالة يقظته.

-سلامة العين والمسارات البصرية.

تجذب الأجسام القريبة انتباه الرضيع بدرجة أفضل عمومًا، كما تصادف هذه المسافة تقريبًا المسافة بين وجه الطفل ووجه الشخص الذي يحمله أو يرضعه. لكن المولود يستطيع اكتشاف بعض الأجسام الأكبر أو الأكثر تباينًا من مسافة أبعد، وإن لم ير تفاصيلها الدقيقة.

أهمية التباين البصري

نظرًا إلى انخفاض حدة البصر وحساسية التباين عند الولادة، ينجذب الرضيع أكثر إلى الأنماط التي تحتوي على اختلاف واضح بين المناطق الفاتحة والداكنة.

وتشمل المثيرات التي يسهل على المولود اكتشافها:

-الخطوط السوداء والبيضاء العريضة.

-الحدود الواضحة بين الشكل والخلفية.

-الأجسام الكبيرة نسبيًا.

-الحركة البطيئة.

-الأنماط البسيطة غير المزدحمة.

-الوجه عندما يكون قريبًا ومضاءً بصورة مناسبة.

ولا يعني ذلك ضرورة حصر بيئة الطفل في الأسود والأبيض؛ فالرؤية اللونية موجودة بصورة أولية وتتطور بسرعة، لكن التباين القوي يجعل اكتشاف الشكل أسهل خلال المرحلة المبكرة.

تطور حدة البصر خلال الأشهر الأولى

تتحسن حدة البصر وحساسية التباين بصورة سريعة خلال السنة الأولى، ويكون التطور ملحوظًا في الأشهر الأولى. ويرتبط ذلك بنضج الشبكية والمسارات البصرية والقشرة الدماغية، إضافة إلى الخبرة اليومية مع الضوء والأشكال والحركة.

خلال الشهرين الأولين، يبدأ التثبيت البصري في التحسن، ويصبح الرضيع أكثر قدرة على إبقاء نظره على هدف قريب. كما تتحسن حركة العينين عند تتبع جسم يتحرك ببطء.

بين الشهرين الثاني والرابع، يزداد التنسيق بين العينين، وتصبح حركة التتبع أكثر سلاسة. ويبدأ الطفل في مراقبة اليدين والأشياء المتحركة بدرجة أكبر.

خلال الأشهر اللاحقة، تتحسن رؤية الألوان والتفاصيل والمسافات، ويبدأ التنسيق بين الرؤية واليد في أداء دور متزايد عندما يحاول الطفل الوصول إلى الأشياء.

ولا تحدث هذه التغيرات في موعد واحد متطابق لدى جميع الأطفال؛ فهناك فروق فردية طبيعية، كما يؤثر موعد الولادة والحالة الصحية وجودة الخبرة البصرية في المسار.

الانتباه المبكر إلى الوجوه

يُعد الوجه البشري من أكثر المثيرات أهمية في حياة الطفل. وقد أظهرت دراسات أن حديثي الولادة يتتبعون بعض الأنماط الشبيهة بالوجه أكثر من أنماط أخرى، خصوصًا عندما تكون العناصر مرتبة في تكوين يشبه موضع العينين والفم.

في دراسة مارك جونسون وزملائه، تتبع المواليد نمطًا شبيهًا بالوجه مسافة أطول من بعض الأنماط غير الشبيهة به. وقد اعتبرت النتيجة دليلًا على وجود توجه مبكر نحو المثيرات الوجهية.

لكن تفسير هذه الاستجابة يحتاج إلى الدقة. فقد لا يكون حديث الولادة قد كوّن مفهومًا كاملًا عن الوجه، بل قد ينجذب إلى خصائص بصرية عامة تتوافر عادة في الوجوه، مثل:

-وجود عدد أكبر من العناصر في الجزء العلوي.

-التماثل التقريبي.

-الحدود الخارجية البيضاوية.

-التباين حول العينين.

-الحركة الطبيعية.

-اتجاه المثير نحو الطفل.

ولذلك يميز الباحثون بين التوجه الأولي نحو نمط شبيه بالوجه وبين القدرة المتقدمة على التعرف إلى هوية الوجوه وفهم تعبيراتها.

لماذا يحتل الوجه أهمية خاصة؟

يحمل الوجه معلومات اجتماعية كثيرة؛ فهو يساعد الطفل تدريجيًا على تحديد هوية الشخص، واتجاه نظره، وحركة فمه، وحالته الانفعالية. كما يظهر عادة مع الصوت واللمس والدفء والتغذية والرعاية.

تتكرر أمام الرضيع علاقة حسية متكاملة:

-يرى وجه مقدم الرعاية.

-يسمع صوته.

-يشعر بطريقة حمله ولمسه.

-يشم رائحته.

-يتلقى الغذاء أو التهدئة.

-يراقب حركة الفم أثناء الكلام.

يؤدي تكرار هذه الخبرات إلى زيادة الألفة بالوجوه المألوفة، ويساعد على بناء التوقعات الاجتماعية. لكن تكوين التعلق العاطفي لا ينتج من مجرد النظر إلى الوجه؛ بل يعتمد على علاقة متواصلة تشمل الاستجابة لحاجات الطفل، والحماية، والاحتضان، والتواصل، والاستقرار النسبي في الرعاية.

التعرف إلى وجه الأم

تشير بعض الدراسات إلى أن حديثي الولادة يستطيعون إظهار تفضيل لوجه الأم بعد خبرة قصيرة معه عقب الولادة، لكن التعرف البصري إلى الوجه يتأثر بعوامل كثيرة، منها وضع الشعر والإضاءة وزاوية التصوير ووضوح السمات.

وقد يعتمد الطفل في البداية على الملامح الخارجية، مثل خط الشعر ومحيط الوجه، ثم تتحسن معالجة السمات الداخلية والعلاقات بين العينين والأنف والفم مع مرور الوقت.

وكلما ازدادت الخبرة البصرية، أصبح تمثيل الوجه أكثر ثباتًا، مما يساعد الطفل على التعرف إليه في زوايا وإضاءات وتعبيرات مختلفة.

تطور إدراك تعبيرات الوجه

لا يولد الطفل وهو يفهم جميع الانفعالات الإنسانية فهمًا كاملًا. لكنه يظهر حساسية مبكرة إلى بعض الاختلافات في ملامح الوجه ونبرة الصوت، ثم تتطور قدرته على التمييز بين التعبيرات الانفعالية خلال الأشهر الأولى.

يؤثر في هذا التطور:

-نضج النظام البصري.

-تزايد الخبرة بالوجوه.

-تحسن الانتباه إلى العينين والفم.

-الربط بين تعبير الوجه ونبرة الصوت.

-التفاعل المباشر مع مقدمي الرعاية.

-تعرض الطفل إلى تعبيرات متنوعة في مواقف طبيعية.

ويبدأ الرضيع تدريجيًا في استخدام الوجوه بوصفها مصادر للمعلومات الاجتماعية، لكن فهم المعنى الانفعالي والسياق الذي يظهر فيه يستمر في النمو طوال الطفولة.

التخصص الإدراكي في معالجة الوجوه

خلال النصف الأول من السنة الأولى، يظهر الرضع قدرة على التمييز بين نطاق واسع نسبيًا من الوجوه. وقد بينت دراسات أن أطفالًا في عمر ستة أشهر استطاعوا التمييز بين بعض وجوه القردة، بينما انخفضت هذه القدرة لدى كثير من الأطفال في عمر تسعة أشهر إذا لم يحصلوا على خبرة مستمرة بهذه الوجوه.

كما أظهرت دراسات ما يسمى «أثر عرق الوجه الآخر» أن القدرة على التمييز بين وجوه المجموعات البشرية الأقل حضورًا في بيئة الطفل قد تنخفض بين الشهر السادس والتاسع، في حين تستمر القدرة على التمييز بين وجوه المجموعة التي يشاهدها بصورة متكررة.

لكن القول إن الطفل «يتخصص في الوجوه الآسيوية إذا عاش في آسيا، وفي الوجوه الأوروبية إذا عاش في أوروبا» يمثل تبسيطًا شديدًا. فالقضية لا تتعلق بالقارة وحدها، بل بتوزيع الخبرة البصرية الفعلية. فقد يعيش طفل في بيئة شديدة التنوع ويشاهد وجوهًا من مجموعات متعددة بصورة منتظمة.

تتأثر معالجة الوجوه بما يأتي:

-الوجوه التي يراها الطفل داخل الأسرة.

-التنوع البشري في المجتمع المحيط.

-عدد مقدمي الرعاية.

-جنس الوجوه الأكثر مشاهدة.

-العمر الظاهر للأشخاص المحيطين.

-كمية التفاعل المباشر.

-حركة الوجه وتعبيراته.

-اللغة المصاحبة للوجه.

-تكرار التعرض عبر الزمن.

لذلك فالأدق وصف الظاهرة بأنها تخصص تدريجي في فئات الوجوه الأكثر حضورًا في الخبرة اليومية.

هل يعني التخصص الإدراكي فقدان القدرة؟

يُستخدم مصطلح التضييق الإدراكي أحيانًا بطريقة توحي بأن الطفل يفقد قدراته، لكن هذه الصورة غير كاملة. فالدماغ يعيد توزيع حساسيته وفقًا للمعلومات الأكثر صلة بالبيئة.

يؤدي هذا التخصص إلى تحسين كفاءة معالجة المثيرات المألوفة، مثل أصوات اللغة والوجوه التي يتفاعل معها الطفل باستمرار. كما أن الحساسية للمثيرات غير المألوفة لا تختفي دائمًا بصورة نهائية، ويمكن الحفاظ عليها أو استعادتها جزئيًا من خلال التعرض المتكرر والتدريب والخبرة.

وقد أظهرت بعض الدراسات أن تعريف الرضع بصورة منتظمة بوجوه من فئة غير مألوفة يستطيع المحافظة على قدرتهم على التمييز بينها. ويؤكد ذلك أن الخبرة لا تؤدي فقط إلى تضييق الإدراك، بل يمكنها كذلك توسيع نطاقه عندما تكون متنوعة ومنظمة.

الإدراك الشمي والتذوقي

على الرغم من التركيز غالبًا على اللمس والسمع والبصر، فإن الشم والتذوق يؤديان دورًا أساسيًا منذ الولادة. فقد تعرض الطفل قبل الميلاد إلى مركبات كيميائية في السائل الأمنيوسي، ثم يواجه بعد الولادة روائح الجسم والحليب والبيئة المحيطة.

يمكن لحديث الولادة إظهار استجابات مختلفة للروائح، وقد ينجذب إلى رائحة الأم أو الحليب. وتكتسب الرائحة أهمية خاصة لأن الرؤية ما تزال محدودة، بينما يستطيع الشم تقديم معلومات تساعد على التوجه نحو مصدر الرعاية والغذاء.

كما يظهر المولود استجابات تذوقية مختلفة للمواد الحلوة والمرة والحامضة. لكن تفضيلات الطعام اللاحقة لا تحددها هذه الاستجابات وحدها، بل تتشكل من تفاعل الاستعدادات البيولوجية مع الخبرة والتغذية والثقافة الأسرية.

الإدراك المتعدد الحواس

نادراً ما يواجه الطفل مثيرًا يعتمد على حاسة واحدة فقط. فعندما تحمله أمه، يراها ويسمع صوتها ويشم رائحتها ويشعر بملمسها وحركتها. ويحتاج الدماغ إلى تعلم أن هذه المعلومات المختلفة قد تصدر عن شخص واحد أو حدث واحد.

توجد بعض أشكال التنسيق بين الحواس في مرحلة مبكرة، لكنها تتحسن خلال الأشهر الأولى. ويبدأ الرضيع تدريجيًا في الربط بين:

-الصوت وموقع المتحدث.

-حركة الفم والصوت.

-شكل الجسم وملمسه.

-الوجه ونبرة الصوت.

-الحركة المرئية والإيقاع المسموع.

-رائحة الأم وصوتها وطريقة حملها.

ويؤدي هذا التكامل إلى بناء تمثيل أكثر استقرارًا للأشخاص والأشياء من التمثيل الذي تقدمه حاسة واحدة بمفردها.

الانتباه بوصفه أساسًا للإدراك

تعتمد جميع المهام الإدراكية على قدرة الطفل على توجيه الانتباه. ويكون انتباه حديث الولادة قصيرًا ومتأثرًا بدرجة كبيرة بحالته الجسدية.

قد يكون الطفل نائمًا أو ناعسًا أو في حالة يقظة هادئة أو يقظة نشطة أو بكاء. وتُعد حالة اليقظة الهادئة مناسبة لكثير من التجارب، لأن الرضيع يكون مستعدًا لمراقبة المثير من دون حركة مفرطة.

ومن العوامل التي تؤثر في انتباهه:

-الجوع.

-التعب أو النعاس.

-الشبع.

-درجة الحرارة.

-الضوضاء.

-شدة الإضاءة.

-الانزعاج الجسدي.

-تعقيد المثير.

-سرعة الحركة.

-مدة العرض.

-الوقت المنقضي منذ الاستيقاظ أو الرضاعة.

ولهذا لا تعني الاستجابة الضعيفة في تجربة واحدة أن الطفل يفتقر إلى القدرة التي تُقاس. فقد يكون السبب متعلقًا بحالته وقت الاختبار.

التعوّد والاستجابة للجِدّة

تُعد طريقة التعوّد والاستجابة للجِدّة من أهم وسائل دراسة الإدراك لدى الرضع. ويُعرض فيها المثير نفسه مرات متتالية حتى تنخفض استجابة الطفل له، ثم يُقدم مثير مختلف.

إذا ارتفع الانتباه إلى المثير الجديد، يستنتج الباحث أن الرضيع لاحظ فرقًا بينه وبين المثير المألوف. وقد يُقاس الانتباه من خلال مدة النظر أو الاحتفاظ بالجسم أو نمط المص أو مؤشرات فسيولوجية.

تساعد الطريقة على دراسة:

-التمييز اللمسي بين الأشكال.

-التمييز البصري بين الصور والوجوه.

-التمييز السمعي بين الأصوات.

-الذاكرة القصيرة للمثير.

-تصنيف الأشياء المتشابهة.

-اكتشاف التغير في النمط.

ومع ذلك، لا يعني غياب الاستجابة للجِدّة أن الطفل عاجز حتمًا عن التمييز. فقد يكون متعبًا أو مشتتًا، أو لم يحصل على وقت كافٍ لمعالجة المثير الأول، أو كان الفرق بين المثيرين ضعيفًا.

سرعة التطور خلال الأشهر الأولى

تتسم الأشهر الأولى بسرعة كبيرة في التغير العصبي والسلوكي. وتنمو قدرة الطفل على تثبيت النظر وتتبع الحركة وتوجيه الرأس نحو الصوت والإمساك بالأشياء والتنسيق بين الحواس.

يمكن وصف الاتجاه العام للتطور على النحو الآتي، مع مراعاة الفروق الفردية:

الفترة التالية للولادة مباشرة

يستجيب المولود إلى اللمس والأصوات والضوء، ويظهر عددًا من المنعكسات. كما يفضل بعض الأصوات المألوفة، وينجذب إلى التباين القوي والأنماط الشبيهة بالوجه.

الشهران الأول والثاني

تتحسن فترات اليقظة والانتباه، ويزداد تثبيت النظر على الوجوه والأجسام القريبة. كما يبدأ تتبع الحركة في التحسن، ويستمر التعلم من الأصوات المتكررة.

وقد يستطيع الطفل في عمر شهرين، في ظروف تجريبية، تذكر لحن قصير بعد التعرف إليه وتمييزه من لحن مشابه.

الشهران الثالث والرابع

تتحسن السيطرة على الرأس وحركة العينين، ويصبح التنسيق بين النظر والسمع أكثر وضوحًا. كما يزداد اهتمام الطفل بالوجوه المتحركة والأصوات الاجتماعية، ويبدأ في مراقبة يديه ومحاولة لمس الأشياء.

الشهران الخامس والسادس

تتحسن حدة البصر ورؤية الألوان والتنسيق بين العين واليد. ويصبح الطفل أكثر قدرة على الوصول إلى الأجسام واستكشافها بالفم واليدين. كما تظهر قدرات أوسع على تصنيف المثيرات والتمييز بين الوجوه والأصوات.

الفترة الممتدة من الشهر السادس إلى التاسع

يصبح أثر الخبرة اليومية أكثر وضوحًا في بعض المجالات. ويتخصص الإدراك تدريجيًا في الوجوه والأصوات الأكثر حضورًا في البيئة، مع استمرار المرونة وإمكان المحافظة على الحساسية للمثيرات المتنوعة إذا ظل التعرض إليها قائمًا.

ولا تمثل هذه المراحل جداول جامدة؛ فقد تظهر المهارة في وقت مختلف قليلًا لدى طفلين طبيعيين.

دور الخبرة في تنظيم الإدراك

لا تعمل الخبرة على إنشاء القدرات من العدم، ولا يقوم النضج البيولوجي بكل العمل وحده. بل يتفاعل الاستعداد العصبي مع المعلومات التي يستقبلها الطفل.

يولد الرضيع باستعدادات توجهه نحو أنواع مهمة من المثيرات، مثل الكلام والوجوه والحركة، ثم تعدل الخبرة هذه الاستعدادات وتزيد دقتها.

فعلى سبيل المثال:

-التعرض إلى صوت الأم قبل الولادة يسهم في ألفته بعد الميلاد.

-الاستماع إلى اللغة المحيطة يساعد على تنظيم إدراك أصوات الكلام.

-مشاهدة الوجوه بصورة متكررة تحسن التمييز بينها.

-الإمساك بالأجسام يدعم التعرف إلى خصائصها اللمسية.

-محاولات الوصول إلى الأشياء تربط الرؤية بالحركة.

-التفاعل وجهًا لوجه يربط الصوت بحركة الفم والتعبير الانفعالي.

ويتضح من ذلك أن الطفل شريك نشط في نموه؛ فهو لا يستقبل المثيرات فقط، بل يحرك عينيه ورأسه ويديه، ويكرر بعض الأفعال، ويختار النظر إلى بعض العناصر أكثر من غيرها.

دور الوالدين ومقدمي الرعاية

لا يحتاج النمو الإدراكي الطبيعي إلى برامج تدريبية معقدة أو أجهزة خاصة. وتوفر الرعاية اليومية المعتادة قدرًا غنيًا من التحفيز المتعدد الحواس.

يمكن دعم النمو من خلال:

-حمل الطفل ولمسه بلطف.

-التحدث إليه بصوت طبيعي وهادئ.

-الاستجابة إلى أصواته ومحاولاته التواصلية.

-إتاحة فرصة لرؤية الوجه من مسافة قريبة.

-تغيير وضعية الحمل بصورة آمنة.

-عرض أجسام بسيطة وآمنة ذات تباين واضح.

-منح الطفل وقتًا للاستجابة وعدم الانتقال السريع بين المثيرات.

-توفير بيئة لغوية طبيعية، سواء بلغة واحدة أو أكثر.

-الحد من الضوضاء والمثيرات المفرطة.

-احترام حاجة الطفل إلى النوم والراحة.

ولا ينبغي إجبار الرضيع على مواصلة النشاط عندما يدير وجهه بعيدًا أو يبدأ في البكاء؛ فصرف النظر قد يكون وسيلة لتنظيم مقدار التحفيز الذي يستقبله.

بين التحفيز الملائم والإفراط في التنبيه

يحتاج الرضيع إلى خبرة حسية واجتماعية، لكنه لا يحتاج إلى تعرض مستمر ومكثف للأصوات والأضواء والألعاب. وقد يؤدي الإفراط في التحفيز إلى الانزعاج والتعب بدل تحسين التعلم.

ومن علامات حاجة الطفل إلى الراحة:

-إدارة الرأس بعيدًا.

-إغلاق العينين.

-التثاؤب.

-الحركات العصبية المتزايدة.

-البكاء.

-تغير لون الوجه.

-فقدان الاهتمام.

-صعوبة التهدئة.

ويكون التحفيز المفيد بسيطًا ومتدرجًا ومتوافقًا مع حالة الطفل، ويمنحه وقتًا للنظر والاستماع والاستجابة.

حدود الدراسات المتعلقة بإدراك الرضع

تعتمد أبحاث حديثي الولادة على مؤشرات غير مباشرة، لأن الطفل لا يستطيع تقديم تقرير لفظي. كما تواجه هذه البحوث عددًا من التحديات:

-صغر حجم العينات في بعض التجارب.

-استبعاد بيانات الأطفال الذين ناموا أو بكوا أو فقدوا الانتباه.

-قصر مدة اليقظة المناسبة للاختبار.

-تأثير الجوع والتعب في السلوك.

-صعوبة تثبيت أجهزة تتبع العين أو إجراء المعايرة.

-الاختلاف بين المختبر والبيئة الطبيعية.

-تعدد التفسيرات الممكنة لمدة النظر أو الإمساك.

-صعوبة الانتقال من التمييز الحسي إلى استنتاج وجود مفهوم عقلي كامل.

ولهذا يجب ألا تُفهم نتائج دراسة واحدة باعتبارها حكمًا نهائيًا على جميع الأطفال، بل تُقارن بنتائج دراسات أخرى وتُختبر عبر تصميمات متعددة.

تصحيح بعض التصورات الشائعة

تنتشر مجموعة من العبارات المبسطة بشأن الإدراك لدى حديثي الولادة، لكنها تحتاج إلى مراجعة.

القول إن المولود لا يرى شيئًا غير صحيح؛ فهو يرى، لكن حدة بصره وحساسيته للتباين أقل من الراشد.

والقول إنه يرى بوضوح تام عند مسافة محددة غير دقيق؛ فالمسافة تقريبية، ويتأثر الوضوح بحجم المثير وتباينه وإضاءته.

والقول إن انجذابه إلى الوجه يعني أنه يتعرف منذ اللحظة الأولى إلى جميع الأشخاص غير صحيح؛ فالتوجه إلى نمط شبيه بالوجه أبسط من التعرف الدقيق إلى الهوية.

والقول إن الطفل يميز جميع أصوات جميع لغات العالم تعميم يتجاوز الأدلة؛ فهو يظهر حساسية واسعة إلى كثير من التباينات الكلامية التي اختبرها الباحثون، ثم يتخصص إدراكه وفق خبرته اللغوية.

والقول إن التخصص الإدراكي فقدان للقدرة فقط غير دقيق؛ فهو يمثل أيضًا تكيفًا يجعل معالجة المعلومات الشائعة في البيئة أسرع وأكثر كفاءة.

والقول إن منعكس القبض وحده يثبت فهم شكل الجسم غير صحيح؛ فالاستدلال على الإدراك اللمسي يعتمد على تغير مدة الاحتفاظ بالجسم وظهور استجابة للجِدّة داخل تصميم تجريبي مضبوط.

مؤشرات تستدعي استشارة متخصص

توجد فروق طبيعية بين الأطفال في سرعة ظهور الاستجابات، ولا ينبغي مقارنة كل طفل بجدول صارم. ومع ذلك، قد يوصي الطبيب بإجراء تقييم إذا كانت هناك مخاوف مستمرة بشأن الاستجابة الحسية.

ومن الأمثلة التي تستحق المناقشة مع طبيب الأطفال أو المختص:

-غياب الاستجابة المتكررة للأصوات القوية.

-عدم ظهور أي توجه نحو الصوت مع مرور الأشهر الأولى.

-غياب الاستجابة للضوء.

-عدم تثبيت النظر على الأجسام القريبة بعد مرور الوقت المتوقع.

-وجود انحراف مستمر وواضح في العينين.

-صعوبة تتبع جسم كبير يتحرك ببطء بعد الأشهر الأولى.

-الشك في وجود مشكلة سمعية أو بصرية.

-فقدان قدرة سبق أن ظهرت.

ولا تمثل هذه العلامات تشخيصًا بحد ذاتها، لأن تفسيرها يتطلب فحصًا طبيًا ومراعاة عمر الطفل وتاريخ الولادة وحالته الصحية.

تكشف البحوث أن حديث الولادة يدخل العالم وهو يملك أنظمة حسية فعالة، لكنها متفاوتة النضج. فاللمس يسمح له باستقبال معلومات عن الضغط والملمس والشكل، وقد أظهرت تجارب التعوّد اليدوي قدرته على التمييز بين أجسام صغيرة مثل المنشور والأسطوانة. ويمنحه السمع حساسية إلى الكلام والإيقاع والأصوات المألوفة، كما يظهر تفضيلًا مبكرًا لصوت الأم وأثرًا للغة التي سمعها قبل الولادة. أما البصر، فرغم محدودية حدته عند الميلاد، فإنه يسمح باكتشاف الضوء والحركة والتباين والأنماط الشبيهة بالوجه، ثم يتحسن بسرعة خلال الأشهر الأولى.

ولا تتطور هذه القدرات بمعزل بعضها عن بعض؛ فالطفل يربط تدريجيًا بين ما يراه وما يسمعه وما يلمسه. كما تنظم الخبرة اليومية حساسيته للأصوات والوجوه والأشياء الأكثر حضورًا في محيطه. ويظهر هذا التنظيم في التخصص الإدراكي الذي يحدث خلال السنة الأولى، عندما تصبح معالجة اللغة والوجوه المألوفة أكثر دقة وكفاءة.

وتؤكد هذه المعطيات أن الرضيع ليس صفحة فارغة، لكنه لا يولد أيضًا بإدراك مكتمل. فهو يأتي باستعدادات أولية تشكل نقطة انطلاق، ثم تتطور من خلال النضج العصبي والحركة والاستكشاف والعلاقة المستمرة مع مقدمي الرعاية. ومن هذا التفاعل بين الاستعداد والخبرة تتكون الأسس التي سيُبنى عليها النمو المعرفي واللغوي والاجتماعي والانفعالي في المراحل اللاحقة.

المراجع

-Streri, A., Lhote, M., & Dutilleul, S. (2000). Haptic perception in newborns. Developmental Science, 3(3), 319–327. الاطلاع على الدراسة

-Streri, A., & Gentaz, E. (2009). The haptic abilities of the human newborn. Zeitschrift für Entwicklungspsychologie und Pädagogische Psychologie, 41(4), 173–180. الاطلاع على الدراسة

-Lejeune, F., Audeoud, F., Marcus, L., Streri, A., Debillon, T., & Gentaz, E. (2010). The manual habituation and discrimination of shapes in preterm human infants from 33 to 34+6 post-conceptional age. PLOS ONE, 5(2), e9108. الاطلاع على الدراسة

-DeCasper, A. J., & Fifer, W. P. (1980). Of human bonding: Newborns prefer their mothers’ voices. Science, 208(4448), 1174–1176. الاطلاع على الدراسة

-Moon, C., Cooper, R. P., & Fifer, W. P. (1993). Two-day-olds prefer their native language. Infant Behavior and Development, 16(4), 495–500. الاطلاع على الدراسة

-Moon, C., Lagercrantz, H., & Kuhl, P. K. (2013). Language experienced in utero affects vowel perception after birth: A two-country study. Acta Paediatrica, 102(2), 156–160. الاطلاع على الدراسة

-Werker, J. F., & Tees, R. C. (1984). Cross-language speech perception: Evidence for perceptual reorganization during the first year of life. Infant Behavior and Development, 7(1), 49–63. الاطلاع على الدراسة

-Werker, J. F., & Lalonde, C. E. (1988). Cross-language speech perception: Initial capabilities and developmental change. Developmental Psychology, 24(5), 672–683. الاطلاع على الدراسة

-Johnson, M. H., Dziurawiec, S., Ellis, H., & Morton, J. (1991). Newborns’ preferential tracking of face-like stimuli and its subsequent decline. Cognition, 40(1–2), 1–19. بيانات الدراسة

-Pascalis, O., de Haan, M., & Nelson, C. A. (2002). Is face processing species-specific during the first year of life? Science, 296(5571), 1321–1323. الاطلاع على الدراسة

-Kelly, D. J., Quinn, P. C., Slater, A. M., Lee, K., Gibson, A., Smith, M., Ge, L., & Pascalis, O. (2005). Three-month-olds, but not newborns, prefer own-race faces. Developmental Science, 8(6), F31–F36. الاطلاع على الدراسة

-Lewkowicz, D. J., & Ghazanfar, A. A. (2009). The emergence of multisensory systems through perceptual narrowing. Trends in Cognitive Sciences, 13(11), 470–478. الاطلاع على الدراسة

-Plantinga, J., & Trainor, L. J. (2009). Melody recognition by two-month-old infants. The Journal of the Acoustical Society of America, 125(2), EL58–EL62. الاطلاع على الدراسة

-Leat, S. J., Yadav, N. K., & Irving, E. L. (2009). Development of visual acuity and contrast sensitivity in children. Journal of Optometry, 2(1), 19–26. الاطلاع على الدراسة

-Scott, L. S., Pascalis, O., & Nelson, C. A. (2007). A domain-general theory of the development of perceptual discrimination. Current Directions in Psychological Science, 16(4), 197–201. الاطلاع على الدراسة

almorabbi - المربي

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم