تواجه بعض الأطفال في مرحلة التعليم الأولي صعوبات في اكتساب المهارات القرائية، رغم اعتماد المربي أساليب متنوعة وتدرج مناسب في تقديم التعلمات. وتختلف هذه الصعوبات من طفل إلى آخر تبعاً لخصائصهم النمائية والمعرفية، الأمر الذي يستدعي البحث عن وضعيات تربوية وتقنيات تعليمية أكثر ملاءمة لاحتياجاتهم الفردية. ومن بين الأساليب الحديثة التي أثبتت فعاليتها في تنمية الاستعداد القرائي لدى الأطفال تقنية قراءة الصور، التي تعتمد على توظيف الوسائط البصرية لإثارة انتباه الطفل وتنمية قدراته اللغوية والإدراكية في بيئة تعليمية مشوقة.
تشخيص صعوبات التعلم من خلال الوضعيات التربوية
قد يلاحظ المربي أن بعض الأطفال يواجهون صعوبة في الاحتفاظ بالحروف أو استرجاعها بعد فترات الانقطاع، مثل العطلة الصيفية، رغم العمل معهم بصورة تدريجية واعتماد أنشطة متنوعة. وقد يظهر الطفل كفاءة مرتفعة في مجالات تعلم أخرى، بينما تستمر لديه صعوبة خاصة في تعلم القراءة، وهو ما يؤكد أن صعوبات القراءة لا ترتبط بالضرورة بانخفاض القدرات العقلية العامة، وإنما قد تكون مرتبطة بخصوصية نمو بعض المهارات القرائية الأساسية أو باختيار الاستراتيجيات التعليمية المناسبة لكل طفل. لذلك يصبح من الضروري إعادة النظر في طرائق التدريس والبحث عن بدائل تربوية تستجيب لحاجات الطفل الفردية وتيسر عملية التعلم.
قراءة الصورة بوصفها تقنية تربوية حديثة
تعد قراءة الصور والحكايات المصورة من التقنيات التربوية الحديثة التي تؤدي دوراً مهماً في تنمية مهارات القراءة لدى أطفال مرحلة ما قبل التمدرس. فالصورة تمثل وسيلة تواصل بصرية تسهم في جذب انتباه الطفل وإثارة فضوله، كما تساعده على بناء تصورات ذهنية انطلاقاً من العناصر التي يشاهدها، فيربط بينها ويعبر عنها بلغته الخاصة، مستعيناً بالمفردات والتعابير التي يمتلكها.
وتتميز الصورة بقدرتها على إثارة الدافعية نحو التعلم، إذ يقبل الأطفال بطبيعتهم على الكتب والمجلات والوسائل التعليمية التي تعتمد على الرسوم والألوان الجذابة أكثر من اعتمادهم على الشرح اللفظي المجرد. كما أن العناصر البصرية بما تتضمنه من ألوان وأشكال وتفاصيل تساعد الطفل على الانتباه والتركيز، وتنمي لديه الرغبة في الاستكشاف والمشاركة، وهو ما يجعل التعلم أكثر متعة وفاعلية (Piaget, 1952؛ Vygotsky, 1978).
أهمية الصورة في تنمية المهارات القرائية
تمثل الصورة وسيلة تعليمية ذات قيمة تربوية كبيرة، لأنها تسهم في تنمية عدد من العمليات العقلية واللغوية المرتبطة بالقراءة. فهي تساعد الطفل على الملاحظة الدقيقة لمكونات الصورة، ثم وصف عناصرها باستخدام اللغة الشفوية، كما تدفعه إلى تفسير الأحداث والعلاقات الموجودة بين عناصرها، واستنتاج المعاني والدلالات التي تعكسها، قبل أن ينتقل إلى تقييم ما توصل إليه من استنتاجات. وتسهم هذه العمليات مجتمعة في تنمية التفكير والملاحظة والفهم والاستدلال، وهي جميعها مهارات ترتبط ارتباطاً وثيقاً بتعلم القراءة والفهم القرائي في المراحل اللاحقة (Snow et al., 1998).
معايير اختيار الصور في الأنشطة القرائية
يتطلب توظيف الصورة في التعليم الأولي مراعاة مجموعة من المعايير التربوية التي تضمن تحقيق الأهداف التعليمية المنشودة. وينبغي أن تكون الصورة واضحة من حيث الألوان والتفاصيل وخالية من العيوب الفنية التي قد تؤثر في فهم الطفل لمحتواها. كما ينبغي أن تكون جاذبة لانتباه الأطفال وقادرة على إثارة اهتمامهم وتشجيعهم على التفاعل معها.
ويستحسن كذلك أن تتسم الصورة بالبساطة والوضوح، بعيداً عن التعقيد أو كثرة التفاصيل التي قد تشتت انتباه الطفل، وأن يرتبط محتواها ارتباطاً مباشراً بموضوع النشاط القرائي حتى تسهم في تحقيق أهدافه التعليمية. كما ينبغي أن يكون مضمون الصورة مناسباً للمرحلة العمرية للأطفال ولمستواهم النمائي واللغوي، وأن يتضمن عناصر ثرية تسمح بالحوار والوصف والاستنتاج.
ومن المعايير الأساسية أيضاً أن تخدم الصورة الأهداف التعليمية المحددة للنشاط، وأن تنسجم مع البيئة الاجتماعية والثقافية التي يعيش فيها الطفل، بحيث تعكس قيم المجتمع وعاداته وتقاليده، مما يسهم في تعزيز شعور الطفل بالألفة والانتماء ويجعل التعلم أكثر ارتباطاً بواقعه.
دور المربي في توظيف قراءة الصورة
يتجاوز دور المربي مجرد عرض الصورة للأطفال، ليصبح موجهاً لعملية التعلم من خلال طرح الأسئلة المناسبة، وتشجيع الأطفال على الملاحظة والوصف والتفسير والتعبير الحر، مع إتاحة الفرصة لكل طفل للمشاركة وفق قدراته. كما ينبغي أن يراعي الفروق الفردية بين الأطفال، وأن يستخدم الصورة وسيلة لتنمية الرصيد اللغوي والوعي القرائي والتواصل الشفهي، بما يساعد الأطفال الذين يواجهون صعوبات في القراءة على اكتساب المهارات بصورة تدريجية وآمنة.
خاتمة
تؤكد الممارسات التربوية الحديثة أن قراءة الصورة تمثل إحدى أكثر الاستراتيجيات فاعلية في تنمية المهارات القرائية خلال مرحلة التعليم الأولي، لما توفره من بيئة تعليمية غنية بالمثيرات البصرية واللغوية. كما تتيح للمربي إمكانية معالجة صعوبات التعلم لدى بعض الأطفال من خلال أنشطة تراعي خصائصهم الفردية، وتسهم في تنمية الانتباه والملاحظة والتعبير والاستنتاج. ومن ثم فإن حسن اختيار الصور وتوظيفها داخل الأنشطة القرائية يعد عاملاً أساسياً في بناء الاستعداد القرائي وإعداد الطفل للنجاح في تعلم القراءة خلال المراحل الدراسية اللاحقة.
المراجع
Piaget, J. (1952). The Origins of Intelligence in Children. International Universities Press.
Snow, C. E., Burns, M. S., & Griffin, P. (Eds.). (1998). Preventing Reading Difficulties in Young Children. National Academy Press.
Vygotsky, L. S. (1978). Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Harvard University Press.
Whitehurst, G. J., & Lonigan, C. J. (1998). Child development and emergent literacy. Child Development, 69(3), 848–872.
National Early Literacy Panel. (2008). Developing Early Literacy: Report of the National Early Literacy Panel. National Institute for Literacy.
