التعلم عبر السياق: مدخل بيداغوجي لربط التعلمات بالحياة اليومية في التعليم الأولي

 تؤكد الاتجاهات التربوية الحديثة أن التعلم يصبح أكثر فاعلية عندما يرتبط بخبرات الطفل اليومية ويستجيب لواقعه الاجتماعي والثقافي. فالمعارف التي يكتسبها الطفل داخل المؤسسة التعليمية تكتسب معناها الحقيقي عندما يستطيع توظيفها في مواقف الحياة المختلفة، وهو ما يجعل التعلم أكثر عمقاً واستدامة. وفي هذا الإطار يبرز التعلم عبر السياق بوصفه إحدى الاستراتيجيات البيداغوجية الحديثة التي تسعى إلى ربط المحتويات التعليمية بسياقات الحياة الواقعية، وجعل الطفل فاعلاً في بناء معارفه من خلال التفاعل مع محيطه.



مفهوم التعلم عبر السياق

يقصد بالتعلم عبر السياق عملية تعليمية شاملة تهدف إلى مساعدة الطفل على فهم المعارف والمهارات من خلال ربطها بسياقات حياته اليومية. ولا يقتصر التعلم في هذا التصور على تقديم المعلومات بصورة مجردة، بل يتم إدماجها في مواقف ذات معنى ترتبط بالسياق الشخصي والاجتماعي والثقافي للطفل، مما يمكنه من إدراك قيمتها وتوظيفها بصورة مرنة في مواقف جديدة.

ويقوم هذا الأسلوب على إشراك الأطفال بصورة كاملة في الأنشطة التعليمية، بحيث يصبحون قادرين على ربط ما يتعلمونه داخل القسم بما يعيشونه في محيطهم الأسري والاجتماعي، الأمر الذي يجعل التعلمات أكثر ارتباطاً بالواقع وأكثر قابلية للتطبيق. ويرتكز هذا التوجه على مبادئ التعلم البنائي الذي يؤكد أن المعرفة تُبنى انطلاقاً من خبرات المتعلم وتفاعله مع البيئة المحيطة به (Piaget, 1952؛ Vygotsky, 1978).

أهداف التعلم عبر السياق

يسعى التعلم عبر السياق إلى تحقيق مجموعة من الأهداف التربوية التي تعزز جودة التعلمات وتنمي استقلالية الطفل في التعلم. فهو يهدف إلى تمكين الأطفال من اكتساب معارف جديدة قائمة على الفهم والتطبيق، بدلاً من الاقتصار على الحفظ والاستظهار، مما يجعل التعلم أكثر معنى وأكثر قابلية للاستثمار في مواقف الحياة المختلفة.

كما يعمل هذا الأسلوب على تنشيط المعارف السابقة التي يمتلكها الطفل، وربطها بالخبرات الجديدة التي يكتسبها داخل المؤسسة التعليمية، بما يسمح ببناء معرفة متكاملة ومترابطة. ويسهم كذلك في استثمار الخبرات التي يكتسبها الطفل من أسرته ومحيطه الاجتماعي والثقافي، وتحويلها إلى موارد تعليمية تدعم بناء التعلمات الجديدة.

ومن الأهداف الأساسية للتعلم عبر السياق أيضاً تعزيز التعاون بين الأطفال والمربي في بناء المعرفة، وتنمية حب الاستطلاع والرغبة في الاكتشاف، وتشجيع الطفل على البحث عن حلول للمواقف التي يواجهها، بما يجعل التركيز منصباً على بناء المعرفة وفهمها، وليس مجرد إعادة إنتاجها.

دور المربي في تطبيق التعلم عبر السياق

يقوم المربي بدور محوري في تفعيل التعلم عبر السياق، إذ يعمل على تصميم أنشطة تعليمية تنطلق من خبرات الأطفال وواقعهم اليومي، مع تشجيعهم على التعلم داخل مجموعات تعاونية تتيح لهم تبادل الأفكار والخبرات.

كما يجعل المربي الطفل محور العملية التعليمية التعلمية، ويمنحه دوراً فاعلاً في البحث عن المعرفة واكتساب المهارات، بدلاً من الاقتصار على تلقي المعلومات بصورة سلبية. ويحرص أيضاً على توفير بيئة تعليمية تساعد الأطفال على المقارنة بين خبراتهم السابقة وما يكتسبونه من معارف جديدة، بما يعزز الفهم وييسر دمج التعلمات الجديدة في بنيتهم المعرفية.

ويقتضي هذا الدور أن ينظر المربي إلى المعرفة باعتبارها مجموعة من الأدوات التي يستخدمها الطفل في التعامل مع المواقف الواقعية، وليس مجرد معلومات تحفظ أو تسترجع أثناء الأنشطة الصفية.

تطبيقات التعلم عبر السياق في التعليم الأولي

يمكن توظيف التعلم عبر السياق في العديد من المواقف التعليمية التي يعيشها الطفل داخل المؤسسة أو خارجها. ومن الأمثلة على ذلك استثمار قواعد العيش داخل القسم، حيث يحول المربي المواقف اليومية التي تحدث بين الأطفال إلى فرص للتعلم، فيناقش معهم أسباب السلوكيات المختلفة، ويشجعهم على اقتراح حلول مناسبة، وربطها بالقيم والقواعد المنظمة للحياة الجماعية.

كما يمكن استثمار الأنشطة المرتبطة بالأسرة أو البيئة المحلية أو المناسبات الاجتماعية، وربطها بالمفاهيم اللغوية والعلمية والرياضية التي يتناولها البرنامج، حتى يدرك الطفل العلاقة بين المعرفة المدرسية وحياته اليومية، ويصبح أكثر قدرة على توظيفها في مواقف جديدة.

أثر التعلم عبر السياق في بناء التعلمات

يسهم التعلم عبر السياق في جعل التعلمات أكثر عمقاً وثباتاً، لأنه يساعد الطفل على فهم المعارف داخل إطارها الواقعي، بدلاً من التعامل معها بوصفها معلومات مجردة. كما يعزز الدافعية نحو التعلم، ويطور مهارات التفكير وحل المشكلات، ويزيد من قدرة الطفل على نقل ما تعلمه إلى مواقف أخرى مشابهة.

ويؤدي هذا الأسلوب كذلك إلى تنمية الاستقلالية في التعلم، وتعزيز الثقة بالنفس، وتقوية الروابط بين المدرسة والبيئة الاجتماعية، بما يجعل التعلم أكثر ارتباطاً بحاجات الطفل واهتماماته، وأكثر انسجاماً مع مبادئ التربية الحديثة (Dewey, 1938).

خاتمة

يمثل التعلم عبر السياق إحدى المقاربات البيداغوجية الحديثة التي تجعل التعلم أكثر ارتباطاً بالحياة الواقعية للأطفال، من خلال ربط المعرفة بالخبرة اليومية، وإشراك الطفل بصورة فعالة في بناء التعلمات. كما يسهم في تنمية الفهم العميق، وتعزيز القدرة على توظيف المعارف في المواقف الحياتية، وبناء شخصية متعلمة قادرة على التفكير والتكيف مع مختلف السياقات. ومن ثم فإن اعتماد هذا المدخل في التعليم الأولي يعد من الممارسات التربوية التي تعزز جودة التعلم وتستجيب لمتطلبات التربية المعاصرة.

المراجع

Bruner, J. S. (1966). Toward a Theory of Instruction. Harvard University Press.

Dewey, J. (1938). Experience and Education. Macmillan.

Piaget, J. (1952). The Origins of Intelligence in Children. International Universities Press.

Vygotsky, L. S. (1978). Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Harvard University Press.

UNESCO. (2021). Reimagining Our Futures Together: A New Social Contract for Education. UNESCO Publishing.

OECD. (2019). The Future of Education and Skills 2030. OECD Publishing.

almorabbi - المربي

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم