تعد الثقة بالنفس من أهم المهارات الحياتية التي ينبغي تنميتها لدى الطفل خلال مرحلة التعليم الأولي، لما لها من أثر مباشر في نجاحه الدراسي والاجتماعي والانفعالي. فالطفل الواثق من نفسه يكون أكثر قدرة على بناء علاقات إيجابية مع من حوله، وأكثر استعدادًا للمشاركة في الأنشطة التعليمية، كما يتمتع بقدرة أكبر على مواجهة التحديات والتعبير عن أفكاره ومشاعره. لذلك، فإن تنمية الثقة بالنفس تشكل إحدى الأولويات الأساسية في الممارسة التربوية داخل مؤسسات التعليم الأولي (وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة، الإطار المنهاجي للتعليم الأولي).
يمكن تعريف الثقة بالنفس بأنها إيمان الطفل بقدراته وإمكاناته، وشعوره بالأمان والاطمئنان أثناء التفاعل مع محيطه. وهذا الشعور يمنحه القدرة على إدراك ذاته وتقديرها، واتخاذ القرارات المناسبة، وبناء المبادئ والقيم، وتحمل مسؤولية اختياراته، مما يساعده مستقبلاً على إثبات ذاته داخل المجتمع وفرض احترامه بطريقة إيجابية ومتوازنة (Bandura, 1997).
وتبرز أهمية الثقة بالنفس من خلال المواقف اليومية التي يعيشها الطفل داخل القسم، حيث قد يواجه بعض الأطفال صعوبات في الاندماج مع أقرانهم نتيجة شعورهم بالخجل أو الخوف أو فقدان الإحساس بالأمان. ومن الأمثلة الدالة على ذلك حالة الطفل "سليم"، الذي كان يعاني في بداية دخوله المدرسة من ضعف الثقة بالنفس، إذ كان يميل إلى العزلة، ويجد صعوبة في التواصل مع الأطفال الآخرين، ويفضل اللعب بمفرده خلال فترات الاستراحة. ويعود ذلك في جزء منه إلى غياب العناصر المطمئنة بالنسبة إليه، مثل وجود الوالدين أو ألعابه الخاصة، وهي ظروف طبيعية قد يمر بها بعض الأطفال في بداية الاندماج المدرسي.
غير أن الملاحظة اليومية، والاهتمام الفردي، والأنشطة التربوية المناسبة، أسهمت تدريجياً في تحسين وضعية سليم، حيث بدأ يشارك في الأعمال الجماعية، وأصبح أكثر قدرة على تكوين صداقات والتفاعل مع زملائه. وتؤكد هذه التجربة أن الطفل يحتاج قبل كل شيء إلى الشعور بالأمان والثقة في المربي حتى يتمكن من الانخراط الإيجابي في التعلمات المختلفة (Bowlby, 1988).
ويرتكز بناء الثقة بالنفس لدى الطفل على عنصرين أساسيين، أولهما اعتماد المربي على الملاحظة المستمرة والتواصل اليومي مع الأطفال، بما يسمح بفهم احتياجات كل طفل ومواكبة تطوره بشكل فردي. أما العنصر الثاني فيتمثل في تأسيس علاقة مبنية على الثقة والاحترام منذ الأيام الأولى، لأن نجاح مختلف الأنشطة التربوية يرتبط بوجود علاقة إيجابية يشعر فيها الطفل بالتقدير والقبول.
ومن أجل تعزيز الثقة بالنفس، يمكن للمربي اعتماد مجموعة من الأنشطة التربوية الملائمة لسن الأطفال. ومن بين هذه الأنشطة نشاط "المرآة" ضمن التربية الحركية، حيث يقف طفلان متقابلان ويقلد كل واحد منهما حركات الآخر كما لو كان ينظر إلى صورته في المرآة. ويساعد هذا النشاط الطفل على تكوين صورة إيجابية عن ذاته، وتنمية التحكم في حركات جسمه، إضافة إلى تعزيز تركيزه وثقته بنفسه. ويؤدي المربي دوراً مهماً في تشجيع الطفل على الأداء العفوي، والتحرك بحرية بعيداً عن الخجل أو الخوف من الخطأ.
كما تسهم الأنشطة الاعتيادية داخل القسم في تنمية الشعور بالمسؤولية والثقة بالنفس، مثل تكليف الأطفال بجمع الأدوات، أو ملاحظة حالة الطقس اليومية، أو توزيع اللوازم المدرسية. وعندما ينجز الطفل المهمة الموكلة إليه بنجاح، ينبغي للمربي أن ينوه بجهوده ويثمنها، لأن التشجيع يرسخ الشعور بالكفاءة ويحفز الطفل على تحمل مسؤوليات جديدة (Bandura, 1997).
ويعد المسرح أيضاً من الوسائل الفعالة في تعزيز تقدير الذات، إذ يمنح الطفل فرصة لتجسيد شخصيات مختلفة والتعبير عن أفكاره ومشاعره بحرية. ومن الأفضل أن يختار الطفل بنفسه الشخصية التي يرغب في تمثيلها، لأن حرية الاختيار تزيد من دافعيته وتجعله أكثر اندماجاً في النشاط. كما ينبغي تشجيعه على التمرين المتكرر، ومرافقته بالتوجيه الإيجابي حتى يكتسب الثقة تدريجياً في أدائه.
ولا تقتصر تنمية الثقة بالنفس على الأنشطة المنظمة فقط، بل تمتد إلى أسلوب تعامل المربي مع الأطفال في حياتهم اليومية. فالاستماع الجيد إلى الطفل دون مقاطعته يشعره بقيمته واحترام آرائه، كما أن تجنب توجيه الانتقادات أمام زملائه يحافظ على كرامته ويمنع اهتزاز صورته أمام الآخرين. وعند حدوث خلاف بين الأطفال، ينبغي للمربي أن يلتزم الحياد، ويشجع كل طفل على التعبير باحترام عما يزعجه في سلوك الآخر، لأن ذلك يساعدهم على تنمية مهارات التواصل، واحترام الذات، ومراعاة مشاعر الآخرين.
وفي الختام، فإن الثقة بالنفس ليست صفة فطرية ثابتة، وإنما مهارة تنمو تدريجياً من خلال التجارب الإيجابية التي يعيشها الطفل داخل الأسرة ومؤسسة التعليم الأولي. وكلما وفر المربي بيئة آمنة، قائمة على التشجيع، والاستماع، وإسناد المسؤوليات، وإتاحة الفرصة للتعبير والمبادرة، ازدادت قدرة الطفل على الثقة بنفسه، والاندماج في محيطه، وتحقيق النجاح في مختلف جوانب حياته المدرسية والاجتماعية.
المراجع
المؤسسة المغربية للتعليم الأولي
Bandura, A. (1997). Self-Efficacy: The Exercise of Control. New York: W. H. Freeman.
Bowlby, J. (1988). A Secure Base: Parent-Child Attachment and Healthy Human Development. Basic Books.
وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. الإطار المنهاجي للتعليم الأولي. الرباط.
وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. الدليل البيداغوجي للتعليم الأولي. الرباط.
