دور التعليم الأولي في تنمية المهارات الحياتية لدى الطفل

يشكل التعليم الأولي مرحلة أساسية في المسار التربوي للطفل، إذ لا يقتصر دوره على تهيئته للتعلم الأكاديمي، بل يمتد إلى بناء شخصيته وتنمية مهاراته الحياتية والاجتماعية والانفعالية التي تساعده على التكيف مع مختلف المواقف التي سيواجهها داخل المدرسة وخارجها. ويبرز هذا الدور من خلال ما يمكن ملاحظته من اختلاف واضح بين الأطفال الذين استفادوا من تعليم أولي ذي جودة، وبين أولئك الذين لم تتح لهم الفرصة لاكتساب هذه المهارات في سن مبكرة.

يتضح ذلك من خلال الحوار الذي دار بين وليي أمر الطفلين وليد وصابرين، حيث تبين أن وليد يعاني من مجموعة من الصعوبات السلوكية والتعلمية داخل المدرسة. فقد أشار مدرس اللغة الفرنسية إلى أنه لا يشارك في أنشطة القسم، ويبقى متردداً أمام أوراق التمارين دون أن يشرع في إنجازها، بينما أوضح مدرس الرياضيات أنه يجد صعوبة في بدء التمارين، ويستسلم للبكاء رغم محاولات التشجيع والدعم. كما أكدت مدرسة اللغة العربية أنه لا ينجز واجباته بالشكل المطلوب، ويغلب عليه النعاس أثناء الحصص الدراسية، إضافة إلى معاناته من صعوبة في الاندماج مع زملائه وعدم مشاركته في الأنشطة الجماعية والترفيهية، وهو ما يعكس حالة من العزلة المدرسية أثرت سلباً في تحصيله الدراسي وتوافقه النفسي والاجتماعي.


في المقابل، قدمت تجربة الطفلة صابرين نموذجاً مختلفاً، إذ أظهرت انسجاماً جيداً مع معلميها وزملائها، وشاركت بانتظام في الأنشطة الصفية والجماعية حتى عندما لا تكون متأكدة من صحة إجاباتها. كما تعبر باستمرار عن الصعوبات التي تواجهها وتسعى إلى تجاوزها، الأمر الذي جعل نتائجها الدراسية تتحسن تدريجياً بفضل مثابرتها وجهودها المتواصلة. ورغم أنها لا تحقق التفوق في جميع المواد، فإنها تتميز بروح المبادرة والإبداع، خاصة في الأنشطة الفنية، وهو ما يؤكد أن النجاح المدرسي لا يرتبط فقط بالقدرات المعرفية، وإنما أيضاً بالمهارات الحياتية والاجتماعية التي يكتسبها الطفل منذ سنواته الأولى. وقد أوضح الحوار أن صابرين عانت في مرحلة التعليم الأولي من بعض الصعوبات التعلمية والسلوكية، لكنها استطاعت تجاوزها بفضل دعم مربيتها وجودة البرنامج التربوي الذي استفادت منه.

تبرز هذه المقارنة أهمية التعليم الأولي باعتباره مرحلة يتم خلالها مواكبة نمو الطفل في سنواته الأولى، حيث يكتسب المهارات الأساسية التي تمكنه من بناء شخصيته وضبط سلوكاته وتنمية قدراته المختلفة، مما ينعكس إيجاباً على مساره الدراسي اللاحق. فهذه المرحلة تعد فترة التأسيس الحقيقي لشخصية الطفل، وفيها تتكون عاداته واتجاهاته ومهاراته التي سترافقه في مختلف مراحل حياته.

وتعرف منظمة الصحة العالمية المهارات الحياتية بأنها مجموعة من القدرات التي تمكن الفرد من اعتماد سلوك تكيفي وإيجابي يساعده على التعامل مع متطلبات الحياة اليومية وتحدياتها المختلفة. أما بالنسبة للطفل، فتتجلى هذه المهارات في احترام الآخرين، والقدرة على التكيف مع الأشخاص المحيطين به، ومراعاة مشاعرهم واحترام آرائهم، إضافة إلى تنمية الثقة بالنفس، وتقدير الذات، والشعور بالاستقلالية، والقدرة على مواجهة المشكلات وإيجاد الحلول المناسبة لها، فضلاً عن زيادة القابلية للتعلم والفهم، واكتساب العادات الإيجابية والابتعاد عن السلوكيات السلبية.

ويتحمل المربي مسؤولية أساسية في تنمية هذه المهارات، إذ ينبغي أن يدمجها في مختلف الأنشطة اليومية التي يعيشها الطفل داخل القسم، مع مراعاة عمره وخصائص نموه، وذلك من خلال التعلم بالممارسة والتجربة المباشرة، لأن الطفل في هذه المرحلة يتعلم بصورة أفضل عندما يعيش المواقف بنفسه ويشارك فيها بشكل فعال، بدلاً من الاقتصار على التلقين النظري.

وقد ركز الدرس على خمس مهارات حياتية رئيسية ينبغي للمربي العمل على تعزيزها داخل أنشطة التعليم الأولي، وهي الثقة بالنفس، والخيال والإبداع، والمثابرة، والتعاون، والفضول وحب الاستطلاع. وتعد الثقة بالنفس أساساً لتكوين شخصية مستقلة قادرة على المبادرة واتخاذ القرار، بينما يسهم الخيال والإبداع في تنمية التفكير الخلاق والقدرة على الابتكار. أما المثابرة فتغرس لدى الطفل الصبر والاستمرار في مواجهة الصعوبات حتى تحقيق النجاح، في حين يعزز التعاون روح العمل الجماعي والتواصل الإيجابي مع الآخرين، ويحفز الفضول وحب الاستطلاع رغبة الطفل في التعلم والاكتشاف والبحث عن المعرفة.

إن الاستثمار في تنمية المهارات الحياتية خلال مرحلة التعليم الأولي يمثل استثماراً حقيقياً في مستقبل الطفل، لأنه يهيئه للاندماج الإيجابي داخل محيطه المدرسي والاجتماعي، ويمكنه من تحقيق التوازن النفسي والانفعالي، ويزيد من فرص نجاحه الأكاديمي والاجتماعي في المراحل اللاحقة من حياته، وهو ما يجعل التعليم الأولي حجر الأساس في بناء شخصية متوازنة وقادرة على مواجهة تحديات الحياة بثقة وكفاءة.

المراجع

منظمة الصحة العالمية. (1999). Partners in Life Skills Education: Conclusions from a United Nations Inter-Agency Meeting. Geneva: World Health Organization.

منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف). (2012). Global Evaluation of Life Skills Education Programmes. New York: UNICEF.

وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. (المغرب). الدليل البيداغوجي للتعليم الأولي. الرباط.

وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. الإطار المنهاجي للتعليم الأولي. الرباط.

almorabbi - المربي

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم