مكونات الهوية المهنية للمربي في التعليم الأولي وأثرها في الممارسة التربوية

 الهوية المهنية للمربي من المرتكزات الأساسية التي تحدد جودة أدائه داخل المؤسسة التعليمية، لأنها تمثل الإطار الذي يوجه ممارساته المهنية ويحدد علاقته بمهنته وبالفاعلين التربويين المحيطين به. ولا تتكون هذه الهوية بصورة عفوية، بل هي حصيلة مسار من التكوين والخبرة والتفاعل مع الواقع المهني، حيث تتأثر بالقيم الشخصية، وبالتصور الذي يحمله المربي عن مهنته، وبمدى شعوره بالانتماء إلى الوسط المهني. ومن ثم فإن بناء هوية مهنية متوازنة يعد شرطاً أساسياً لنجاح المربي في أداء رسالته التربوية وتحقيق الأهداف التعليمية المنشودة.


مفهوم الهوية المهنية:

تمثل الهوية المهنية صورة الذات المهنية التي يكونها الفرد عن نفسه أثناء ممارسته لمهنته، وهي تعكس تصوراته وقيمه ومهاراته وعلاقته بالمهنة التي يمارسها. وتعد هذه الهوية إطاراً يوجه سلوك المربي وقراراته المهنية، كما تساعده على تحديد مكانته داخل المؤسسة التعليمية وإدراك مسؤوليته تجاه الأطفال وزملائه وأولياء الأمور.

وتختلف الهوية المهنية عن الهوية الشخصية العامة، لأنها تتشكل داخل سياق العمل، وتتأثر بالممارسات اليومية والعلاقات المهنية، كما ترتبط بقدرة المربي على التكيف مع متطلبات المهنة والاستجابة للتحديات التي تواجهه.

مكونات الهوية المهنية:

تتكون الهوية المهنية للمربي من ثلاثة مكونات رئيسية مترابطة تشكل مجتمعة شخصيته المهنية وتحدد طريقة ممارسته لمهامه داخل المؤسسة التعليمية.

يرتبط المكون الأول بتطور الفرد لنفسه كمحترف، ويتمثل في إدراكه لذاته المهنية، وهو ما يعكس التمثيل الذاتي الذي يكونه عن نفسه. ويشمل هذا المكون المعارف التي يمتلكها، والمعتقدات التي يؤمن بها، والمواقف التي يتبناها، والقيم التي توجه سلوكه، والمهارات التي يطورها، إضافة إلى الأهداف والمشاريع والطموحات التي يسعى إلى تحقيقها. ويتميز هذا التمثيل الذاتي بكونه خاصاً بكل فرد، لأنه يرتبط بخصائصه الشخصية، ودوافعه، واهتماماته، وخبراته المهنية.

أما المكون الثاني فيتمثل في مفهوم المهنة، أي التصور الذي يكونه المربي عن مهنته وعن طبيعة أدواره ومسؤولياته داخل المؤسسة التعليمية. ويرتبط هذا المفهوم بعلاقته بالعمل الذي يؤديه، وبالمهام التي يضطلع بها، وبزملائه، وبالإدارة التربوية، وبالمؤسسة التعليمية باعتبارها مؤسسة اجتماعية تؤدي أدواراً تربوية ومجتمعية متعددة.

ويتعلق المكون الثالث بالإحساس بالانتماء إلى الوسط المهني، حيث يشعر المربي بأنه جزء من جماعة مهنية يشترك أفرادها في مجموعة من القيم والأهداف والمسؤوليات. ويقوم هذا الشعور على مدى توافق المربي مع الصورة التي يحملها عن مهنته وعن المجموعة المهنية التي ينتمي إليها، كما يسهم في تعزيز التزامه المهني، وتقوية علاقاته بزملائه، وترسيخ شعوره بالمسؤولية والانتماء للمؤسسة.

الهوية المهنية في التعليم الأولي:

تعد الهوية المهنية في التعليم الأولي موضوعاً مهماً يثير العديد من التساؤلات حول أفضل السبل التي تمكن المربي من تطوير أدائه المهني وتعزيز كفاءاته. ولذلك تسعى الأدلة التربوية وبرامج التكوين إلى تقديم إجابات عملية تساعد المربين على فهم عملية بناء الهوية المهنية بصورة واضحة، وتمكنهم من تطويرها باستمرار بما يتلاءم مع متطلبات المهنة.

وتعتمد الهوية المهنية في جوهرها على ما يميز كل فرد عن غيره، إذ يمثل الاختلاف بين الأشخاص القوة الدافعة لبناء شخصية مهنية متميزة. ومن هنا يطرح التساؤل حول العلاقة بين الهوية المهنية والهوية الفردية، ومدى تأثير ثقافة الفرد وقيمه الشخصية في بناء هويته المهنية داخل مجال التعليم الأولي.

الشغف بالمهنة وحدوده:

يمكن وصف المربي بالشغوف عندما يظهر اهتماماً كبيراً بمجال التعليم الأولي، ويؤمن برسالته التربوية، ويسعى إلى تطوير أدائه باستمرار. غير أن الشغف وحده لا يكفي لضمان النجاح المهني، لأن ممارسة المهنة تفرض على المربي مجموعة من المسؤوليات والالتزامات التي قد تجعل عمله أكثر تعقيداً.

فالمربي مطالب بالتخطيط للأنشطة، وتنظيم العمل داخل القسم، وإدارة الوضعيات التعليمية، ومتابعة عدد كبير من الأطفال في الوقت نفسه، مع مراعاة الفروق الفردية بينهم والاستجابة لحاجاتهم المختلفة، وهو ما يتطلب امتلاك كفايات مهنية وتنظيمية عالية.

الوعي بالاختلافات الفردية:

قد يعتقد بعض المربين أن قيمهم الشخصية وصفاتهم الفردية كافية لتحقيق النجاح في أداء مهامهم، وأنهم قادرون وحدهم على الوصول إلى النتائج المرجوة. إلا أن هذا التصور قد يغفل حقيقة أساسية تتمثل في وجود اختلافات كبيرة بين الأطفال من حيث شخصياتهم وحاجاتهم وإيقاعات تعلمهم، الأمر الذي يجعل الاعتماد على التصور الشخصي وحده غير كافٍ لمواجهة الواقع المهني.

فالمربي الذي يقتصر في تفكيره على ما يرغب في تطبيقه وفق منظوره الخاص قد يجد نفسه بعيداً عن الواقع الذي يفرض عليه مراعاة الفروق الفردية والتكيف مع مختلف الوضعيات التربوية.

الضغوط المهنية في التعليم الأولي:

يتعرض المربي في التعليم الأولي لضغوط مهنية متعددة ناتجة عن طبيعة عمله اليومي مع الأطفال. فقد يجد نفسه أمام طفل يبكي، وآخر يصرخ، وثالث يحتاج إلى تدخل عاجل أو مساعدة خاصة، وهي وضعيات تتطلب سرعة في اتخاذ القرار، وضبطاً للانفعالات، وقدرة على إدارة القسم بكفاءة.

كما تواجه المربي تحديات أخرى مرتبطة بعلاقته مع أولياء الأمور، الذين ينتظرون منه تقديم المعلومات والتوجيهات والتقارير المتعلقة بأبنائهم، إضافة إلى الالتزام بالتعليمات التنظيمية الصادرة عن المؤسسة. ولذلك فإن نجاح المربي في أداء هذه الأدوار يقتضي امتلاك مهارات فعالة في التواصل، وفهم خصائص الأشخاص الذين يتعامل معهم، حتى يتمكن من بناء علاقات إيجابية تقوم على الثقة والتعاون لما فيه مصلحة الطفل.

أثر الهوية المهنية في الفاعلية التربوية:

إن النظرة التي يكونها المربي عن حياته المهنية قد تصبح غير موضوعية إذا لم يراعِ الاختلافات الموجودة بين الأطفال وزملاء العمل وبقية الفاعلين داخل المؤسسة التعليمية. وقد يؤدي ذلك إلى ضعف فاعليته المهنية وإعاقة تطوره الوظيفي، لأن النجاح في التعليم الأولي يرتبط بقدرة المربي على تقبل التنوع، والتكيف مع مختلف الوضعيات، وتطوير أساليب عمله باستمرار.

ومن ثم فإن بناء هوية مهنية متوازنة يتطلب من المربي مراجعة تصوراته باستمرار، والانفتاح على التكوين المستمر، والاستفادة من الخبرات المهنية، حتى يتمكن من مواجهة مختلف التحديات التي تفرضها مهنة التربية والتعليم.

تشكل الهوية المهنية للمربي في التعليم الأولي أساساً لنجاح الممارسة التربوية، لأنها تجمع بين إدراك الذات المهنية، والتصور الواضح للمهنة، والشعور بالانتماء إلى الوسط المهني. كما تتأثر هذه الهوية بالقيم الشخصية، والخبرات المهنية، والعلاقات داخل المؤسسة، والقدرة على التكيف مع التحديات اليومية. ويظل تطوير الهوية المهنية عملية مستمرة تتطلب التكوين الذاتي، والانفتاح على التجارب الجديدة، والوعي بالاختلافات الفردية، حتى يتمكن المربي من أداء رسالته التربوية بكفاءة، والإسهام في توفير بيئة تعليمية آمنة ومحفزة تدعم نمو الأطفال وتعلمهم.

المراجع:

وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة. المنهاج الدراسي للتعليم الأولي. الرباط، 2018.

Philippe Perrenoud. Construire des compétences dès l'école. ESF Éditeur.

Donald A. Schön. The Reflective Practitioner. Basic Books.

Claude Dubar. La Socialisation : Construction des identités sociales et professionnelles. Armand Colin.

Lev Vygotsky. Mind in Society: The Development of Higher Psychological Processes. Harvard University Press.

UNESCO. Early Childhood Care and Education (ECCE).

almorabbi - المربي

إرسال تعليق

طفولتنا إزدهارنا ومستقبلنا

أحدث أقدم